الياس حرفوش
ليست هذه المرة الأولى في التاريخ الطويل الدامي من الصراع بين الفلسطينيين واسرائيل التي تُجرّد فيها آلة القتل الاسرائيلية اشد ما عندها من ادوات الذبح لابادة اكبر عدد يتيسر في وجهها من الفلسطينيين. فاختيار التوقيت صباح ذلك السبت الاسود، حيث تكون شوارع غزة مكتظة، واختيار الاهداف بحيث لا تميز، كعادة اسرائيل، بين ما هو عسكري او مقاتل أو مدني، واختيار الدماء الفلسطينية لاستثمارها في الزمن الانتخابي الاسرائيلي، كل ذلك لم يكن مؤشراً الى ان اسرائيل ترد على هجمات صواريخ كما تزعم، بل الى أن المقصود والمستهدف بالقصاص هو الشعب الفلسطيني كله، شباباً وشيوخاً، نساء واطفالاً.
هكذا يصبح التاريخ الطويل لهذه المذابح هو عنوان المستقبل القاتم الذي «تبشر» به الايام المقبلة لهذا الصراع. فكلما اشتد ساعد آلة القتل، وكلما ارتفعت في مقابله الاصوات المنادية باستمرار المقاومة «ولو دُمرت غزة على رؤوس أهلها»، تبدو لنا حقيقة الصورة المأسوية التي يلتقي عندها الطرفان، حكومة اسرائيل وحكومة الحركة الاسلامية في القطاع، ومعها ما تيسر من «ممانعين» عرب واقليميين، على هدف واحد: الامعان في سلوك طريق التطرف الى نهايتها الحتمية، أي الى ابادة اكبر عدد من ابناء الشعب الفلسطيني بحجة اسرائيلية باردة هي وقف الصواريخ (التي قتلت اربعة اشخاص في الايام الماضية أحدهم عربي، في مقابل اكثر من 360 من الفلسطينيين)، وامام صمت عالمي يكتفي بـ «تفهّم» دوافع العدوان وبالمطالبة بإدخال ما تيسر من الدم والغذاء والمساعدات الطبية الى القطاع المنكوب!
لقد اصبحت صناعة التطرف والسعي الى ايجاد الاسس الايديولوجية والدينية له صناعة رائجة ومربحة في هذا الصراع. تسيبي ليفني وبنيامين نتانياهو يتزاحمان على من يتطرف اكثر ومن يقتل اكثر، وباراك (الذي لا ينافس انتخابياً) يجدها فرصة مناسبة لإضافة «اوسمة» الى سجل طويل من تلك التي حصدها في غزواته الفلسطينية، من فردان الى تونس. فيما لا يقصّر قادة «حماس» ومن يقف وراءهم (او امامهم) في بعض عواصم الاقليم وعلى شاشات فضائياته في اضافة الوقود الى النار، كلما لاحت بارقة امل في الوصول الى ما يشبه الحل، او على الاقل الى الحد من مسلسل المجازر، وترك ابناء فلسطين يذهبون الى مدارسهم وشبابها الى اعمالهم وجامعاتهم، مثلما يفعل الاطفال والشبان في سائر بقاع الارض. حتى اصبحت الدعوات الى مثل هذه الحالة من العيش الطبيعي توصف بأنها دعوات مشبوهة: «هل تريدون للشعب الفلسطيني أن يعيش ليأكل ويشرب وينام فقط»؟ وكأن الطبيعي هو ان يكون الفلسطينيون قرابين جاهزة دائمة للذبح، لأن احوال المقاومين والممانعين العرب ومن الى جانبهم لا تستقيم بغير ذلك.
نتيجة هذا أن الاصوات المعتدلة، حيثما وجدت، اصبحت اصواتاً خافتة خجولة امام هذه الصورة الدامية من القتل. من جانب، هناك من «يخوّن» هذه الاصوات بحجة أنها تقف الى جانب الجاني وتبرّر مجازره، ومن الجانب الآخر هناك من يعتبرها اصواتاً عبثية لم تعد تقدم أو تؤخر، فيما الساحة مليئة بنهج التطرف وافكاره. وتقضي عبثية المشهد ان يلتقي اسياد هذا النهج على خدمة بعضهم بعضاً: تطرف ليفني يخدم «حماس» ويدعم منطقها القائل بالحرب المفتوحة (حتى آخر فلسطيني؟)، فيما القذائف والحناجر الملتهبة على الساحتين العربية والاقليمية تشد من عضد طائرات الـ «اف 16» والاباتشي الاسرائيلية، مع أن ادوات القتل هذه لا تحتاج الى مبررات لارتكاب مجازرها.




















