1
«… وكان الشعب الفلسطيني يعيش في رغد ووئام مع جاره الشعب الإسرائيلي الوديع. كانوا يلتقون صباحا في أماكن العمل المشتركة.. في المصانع و المكاتب، ثم في المساء يلتقون سويا في مقاهي تل أبيب وغزة ويافا ورام الله، يتناولون الشاي والنكات والحكايات الظريفة، ويعجبون من الأخبار التي يبثها مذياع المقهى عن الحروب المشتعلة بين مختلف الشعوب من أجل قطعة أرض أو شبر حدود. ثم ليلاً يأوي كل منهم إلى فراشه في وطنه الملاصق، فالفلسطيني يذهب إلى فراشه في فلسطين والإسرائيلي يذهب إلى فراشه في إسرائيل.. حتى يلتقوا صباحا مرة أخرى في يوم جديد من الحياة الملائكية التي تظلل الشعبين الشقيقين في وطنين متداخلين.
كان هذا هو الوضع الفلسطيني الإسرائيلي طوال 60 عاماً مضت، حتى جاءت حركة شريرة اسمها «حماس» أفسدت هذا الوئام وبثت الضغينة بين الأشقاء العرب والإسرائيليين، وأصبحت المقاهي الوطنية خالية من مرتاديها من الوطنيين المتلاصقين، وبدأت حكاية الصراع العربي – الإسرائيلي منذ مجيء حماس حتى انتخاب عباس…!»
ما سبق مقطع من حكاية طفولية مقترحة قد تحكيها العجائز قبل النوم لتخدير الأطفال الصغار وتنويمهم، لكن من غير الملائم ان تحكيها بعض الصحف والقنوات الفضائية العربية لأطفال العرب الكبار لتخديرهم وتنويمهم عن حقيقة المذبحة التي تجري في غزة الآن.
الحكاية أعلاه .. للصغار فقط!!
2
فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري
بهذا البيت للبردوني يمكن إيجاز الوضعية الأخلاقية التي يتلبّسها بعض المحللين لمجازر غزة. فباسم الحياد والعقلانية والواقعية تتم تبرئة القاتل الأصلي من أجل مطاردة آخر مشتبه به.
باسم الحياد والتحليل والمنطق يتم تقصّي السلوكيات والحسابات الخاطئة بين «فتح» و «حماس»، أما الجيش الإسرائيلي فهو مُستفَز.. ولا لوم على الأسد إذا استُفز!
باسم المهنية الإعلامية تعطى صواريخ القسام البلاستيكية الطفولية حيزا مماثلا من زمن وتأثير التغطية لصواريخ وقنابل وطائرات ودبابات وزوارق الحربية الإسرائيلية.
باسم تقصي الحقائق يتم الاهتمام بتعليقات أو شطحات السيد حسن نصرالله أو خالد مشعل أو اسماعيل هنية أكثر من الاهتمام بالأشلاء المعلقة في أسقف وجدران المنازل الفلسطينية، حتى بدا بعض هؤلاء «الأخلاقيين» فرحاً مزهواً بالضربة العسكرية الإسرائيلية من أجل تعرية «حماس» وتصفيتها وكشف عملائها. في إحدى الوسائل الإعلامية كتب أحد هؤلاء الحياديين، واصفا مذبحة غزة، بالعنوان التالي: «بدأ العد التنازلي لزوال حماس».. هكذا!
تظهر العناوين والمانشيتات مليئة بتصفية الحسابات الشخصية والمواقف الانتهازية من الطرفين، أكثر من كونها عناوين وأخباراً عن الحدث نفسه.. عن مذبحة غزة، عن الموت الفلسطيني.. عن الوحش الاسرائيلي.
قد يكون عباس مخطئاً وقد يكون مشعل مخطئاً، لكن المؤكد أن اسرائيل ليست مخطئة فحسب.. بل مجرمة ومحتلة وعدوة. إذا كان هناك تشكيك في الشطر الثاني من المعادلة فلا حاجة لفحص وتقصّي الشطر الأول أصلاً.
وإذا كانت إسرائيل قد قتلت، حسب مصادر إسرائيلية، بين عامي2000 إلى 2007 قرابة 4500 فلسطيني، فلا حاجة إلى أن نغرر الرأي العام بأن «حماس» هي العدو الأول للفلسطينيين، أو أن «فتح» عندما مدت يدها ليد إسرائيل فقد ساد الوئام بين اسرائيل والفلسطينيين وتحقق السلام.
كنا نتألم من تحيز الإعلام الأميركي الى جانب المجازر الإسرائيلية. أصبحنا الآن نستحي من لوم الإعلام الأميركي، فقد رزقنا الله بين أيدينا وأبصارنا من عقلاء وأخلاقيي الإعلام العربي من يبرر لإسرائيل تأديب المؤدلجين حتى لو كان هذا التأديب على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ. الرسالة الأهم عند هؤلاء «المحايدين» هي تصفية «المؤدلجين»!
«المهنية» تذهب هباء عندما تأتي مقارنة بين عباس ومشعل، ينكشف التحيز في أجلى صوره عند الذين كانوا يدّعون دوماً الحياد والعقلانية و.. المهنية.
نحاكم أخطاء عباس أو مشعل.. ولا نحاكم جريمة إسرائيل.
3
ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أمس أن الانتقادات الدولية التي وجهت إلى إسرائيل لا تزال معتدلة نسبياً. لكنها، وهذا هو الأهم والأطم، أشارت إلى أن هناك «في العالم العربي من لا يأسف على ما يحصل في غزة». (نقلا عن صحيفة إيلاف الإلكترونية).
يا حياديي العرب.. رسالتكم وصلت وأدت مفعولها، شكراً.
* كاتب سعودي
ziadalhayat@hotmail.com




















