في الفترة الفاصلة بين حكومتين اسرائيليتين ورئيسين اميركيين قررت القيادة الاسرائيلية حسم الوضع في غزة.
لن يكون الرئيس الأميركي "الخارج" منزعجاً من اضافة لطخة الى سجله الملطخ، ولن يعارض الرئيس "الداخل" غلق ملف مؤرق قبل ان يبدأ.
والرأي العام الاسرائيلي الذي يعطي أكثر من مؤشر على اتجاهه يميناً ثم يميناً، يشجع اليمين الممثل في الحكومة على تجربة حظه عسكرياً قبل تجربته انتخابياً.
لكنها كلها حسابات الأمد القصير، بل الأقصر، فما علاقة القرار بالحسم بالقرار الأصلي بالانسحاب من غزة؟ وكيف يمكن ان يحل قرار بإعادة الاحتلال مشكلة قرار بالانسحاب لحل مشكلة…؟
اسرائيل الواقفة على حدود غزة رفعت سقف مطالبها وتوقعاتها، بما يشبه ما فعلته في حرب تموز عام 2006، فهي وضعت للحملة هدفاً معلناً هو انهاء سيطرة "حماس" على القطاع، ولا بأس إن بدأ الأمر بالتزام قسري بوقف النار من جانب "حماس" وبقية الفصائل.
لكن كيف يمكن تحقيق ذلك من دون الحملة البرية؟ وهل يتوقّع من "حماس" التي دفعت هذا الثمن ان تعلن العودة الى تهدئة تفوح منها رائحة التسليم؟
إذاً الجولة البرية تبدو حتمية بالنظر الى جسامة "المطلع". والنصر الاسرائيلي يبدو محسوماً بالدبابات اذا قررت اسرائيل اجتياح القطاع، لكن من أجل ماذا؟.
العودة الى القطاع "ميسورة" بالنظر الى التفاوت الهائل في القوى، والخروج منه أصلاً لم يكن لاسباب تتعلق بنمو قوة "حماس" أو غيرها الى حدّ جعل الاقامة الاسرائيلية مستحيلة.
لقد قامت "فلسفة" الانسحاب على انه ضروري للمحافظة على الطابع اليهودي لاسرائيل وكانت اللازمة المرافقة للانسحاب: لننسحب وليتجرأوا على استفزازنا.
كان الأمر شبيهاً بالانسحاب من لبنان والتوعد بأن اي رصاصة بعد انهاء الاحتلال سيكون ثمنها فوق الاحتمال.
ومع ذلك لم يوقف انهاء الاحتلال المقاومة، لا في لبنان ولا في غزة، ولا ظهر أن الاطراف المقاومة هي من النوع الذي يقيم وزناً للحسابات القائمة على عدد الشهداء والجرحى. وعندما تقول التنظيمات الاسلامية المقاومة ان الشهادة تقوّيها فانها تقصد ما تقول، والتجارب تثبت ذلك.
أمام اسرائيل، بالعلاقة مع غزة أحد طريقين: إما اعادة الاحتلال من اجل البقاء، وإما سلوك طريق الحل مع الجهة الفلسطينية التي تمد يدها للحل.
بدون الاحتلال الدائم لا معنى للقول بأنه يمكن إلزام الفصائل الفلسطينية الاسلامية بوقف اطلاق الصواريخ، او اي شكل آخر للمقاومة، لأن ذلك يعني نهايتها. للاحتلال الدائم كلفة يعرفها الاسرائيليون جيداً. والخيار هنا يصبح بين القبول بخسائر بشرية في محيط غزة او خسائر جيش الاحتلال.
وبدون مشروع حل دائم قابل للحياة، أي يستطيع "نصف" الفلسطينيين على الأقل قبوله، لا أمل لاسرائيل بأن تحول الخلاف الاسرائيلي – الفلسطيني الى خلاف فلسطيني – فلسطيني على الطريقة العربية، حيث هناك حكم يتولى "التعامل" مع المعارضة اللطيفة او العنيفة.
لا تستطيع اسرائيل ان تتخلص معاً من هموم الاحتلال ومن هموم الحل النهائي، مهما كانت الغارات قاسية، والخسائر لم تكن يوماً مقياساً لما يقبل به الشعب الفلسطيني أو لما يرفضه، بغضّ النظر عن انقساماته.
ومع أن أولمرت ليس الجهة الوازنة في قرار الحرب الاسرائيلية على غزة، فإنها تحمل سماته، وتكاد تعيد تسلسل الاحداث التي شهدتها "حرب لبنان الثانية" والضحايا المرشحون هذه المرة باراك واشكينازي وفي الطريق تسيبي ليفني.
نقطة قوة العملية العسكرية الاسرائيلية سرعان ما ستتحول نقطة ضعف، فالفرق الهائل في الخسائر ينسي الجميع السبب الأصلي للمواجهة، ومنظر صواريخ القسّام أمام الدمار الذي يحدثه سلاح الجو الاسرائيلي لا يترك فسحة لتفهم دولي وعربي لأسباب الحملة.
مرة أخرى تواجه اسرائيل مشكلة التغيّر الجذري في المعطيات التي كانت تجعل أساليب الردع السابقة فعّالة. فالمقاومة الفلسطينية الاسلامية تستطيع ان تعلن انتصارها أياً تكن المعطيات الميدانية من وجهة النظر الاسرائيلية.
يكفي أن تكون هذه المقاومة قادرة على القيام بأي نوع من العمليات حتى تكون الحملة العسكرية عديمة الجدوى. فإذا أمكن التخلص من شكوى أهالي "سديروت" فإن الشكوى ستنتقل الى آخرين.
وتبقى المعضلة في أن المجتمع الاسرائيلي يزداد ابتعاداً عن متطلبات السلام، فيما يبدو هذا، مع الاستعداد لتلبية متطلباته، الطريق الوحيد لانقاذ اسرائيل، نفسها.
"النهار"




















