أرى المشهد العربي الراهن وعمليات الصعود والهبوط في بورصة القوى الإقليمية ونوعية الارتباطات الدولية وأقول إن النظام الذي عشنا به ومعه في النصف الثاني من القرن العشرين طرأت عليه تغيّرات واضحة هي نتاج طبيعي للأوضاع الدولية والتحول في الأفكار القومية بالإضافة إلى استمرار الصراع العربي الإسرائيلي. وقال البعض إن مركز الثقل في العالم العربي بدأ ينتقل من دول القلب إلى دول الأطراف وإن أدواراً جديدة على مسرح السياسة العربية بدأت تظهر لكي تضع المنطقة أمام خريطة سياسية مختلفة. والأمر في ظني يحتاج إلى نوع من التفكير بصوت مرتفع حتى نستكشف ملامح مستقبل النظام العربي من خلال النقاط الآتية:
أولاً: يتحدث الكثيرون الآن عن تراجع الدور المصري وانكماش حركته بشكلٍ ملحوظ، مع أن ما حدث هو أن مصر انغمست في مشكلاتها الداخلية وظروفها الاقتصادية، ولم يعد لتعبير «الدور المصري» ذلك البريق الذي كان لدى المصريين حتى أصبحت مرجعيته هي إشارة إلى بعض سلبيات العصر الناصري وفي مقدّمها تورّط الجيش المصري في ما سُمّي بـ «حرب اليمن». والواقع أن مصر كانت دائماً هدفاً لضغوطٍ دولية تسعى إلى تحجيم دورها وتقليص تأثيرها، ذلك أن هناك قوى عالمية وإقليمية تدرك أن امتداد الدور المصري في عهدي محمد علي وجمال عبدالناصر كان على حساب مصالح قوى كبرى في المنطقة رأت في امتداد ذلك الدور تهديداً لها وانتقاصاً من تأثيرها، يضاف إلى ذلك عاملٌ جديد وهو أن المزاج العربي العام لم يعد مصري الهوى كما كان، بل لقد جدّت عوامل كثيرة في مقدّمها نكسة 1976 لتغير موازين القوى الإقليمية وحسابات الشعوب العربية.
ثانياً: شبت دولٌ كثيرة على الطوق وأصبحت ذات تأثيرٍ فاعل في المنطقة العربية. فدولة مثل قطر أصابتها حالة طموح في أن تلعب دوراً نشطاً في السياسات الخليجية خصوصاً والعربية عموماً، فلها دورٌ في الأزمة اللبنانية وآخر مع حركة «حماس» وثالث مع «حزب الله» ورابع في دارفور، ولا تثريب عليها في كل ذلك، فمن حق كل الدول العربية – صغيرة أو كبيرة – أن تمارس الدور الذي تريده. ولعل ما يثبت ذلك هو أن قناة «الجزيرة» القطرية الواسعة الانتشار بدأت تخرج عن حيادها لكي تقوم بعملية انتقاءٍ إخبارية تدعم فيها حركة «حماس» وتناصر جماعة «الإخوان المسلمين». وقطر التي تقوم فيها أكبر قاعدةٍ عسكرية أميركيةٍ في المنطقة تفتح جسوراً أيضاً مع الدولة العبرية وتتصرف بشكل غير تقليدي في سياسات المنطقة.
ثالثاً: نظرية «الدور» لم تعد كما كانت في القرن الماضي مرتبطةً بعوامل حضارية وثقافية وأبعاد بشرية وسكانية، ولكنها أصبحت تعتمد إلى حدٍ كبير على الإمكانات الاقتصادية، فلكل دورٍ نفقاته السياسية والإعلامية، الثقافية والعسكرية، بالإضافة إلى أهمية توافر عنصر الإرادة الذي أصبح أساسياً في التوجهات التي تسعى إليها دولةٌ ما وصولاً الى غاياتٍ معينة. وربما ينطبق ذلك بشكلٍ كبير على وضع مصر في العقدين الأخيرين بعد أن أنهكتها الحروب ونالت منها مشكلاتٌ داخلية معقدة. فمصر كانت ذات يوم واحدة من أغنى الدول العربية في ظل العرش العلوي، بل إن الثورة المصرية قامت وسعر الجنيه الإسترليني يساوي تقريباً سعر الجنيه المصري، أي أن العملة المصرية كانت تتمتع بمكانة تضاهي عملة الدول الأوروبية القوية، وكانت صادراتها من القطن علامةً مميزة لاقتصادها القوي. ولكن مجيء الحقبة النفطية أسهم هو الآخر في سلب مصر بعض مقوّماتها ودفع قوى صاعدة إلى الأمام. كما أن السلع المصرية الثقافية خضعت هي الأخرى لمنافسةٍ شديدة في السنوات الأخيرة حتى جرى حديثٌ عن تقدّم الدراما السورية مثلاً على نظيرتها المصرية. كما أن تدهور النظام التعليمي المصري سحب السجادة من تحت أقدام المدّ المصري في المنطقة، فظهرت جامعاتٌ عربية خارج مصر، واندفعت أفواج المبعوثين من العواصم العربية إلى الجامعات الأوروبية والأميركية بديلاً لجامعات القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق وجامعات دول المغرب العربي وغيرها من عواصم الاستنارة العربية.
رابعاً: إن ما جرى للعراق أخرجه – شئنا أو أبينا – من معادلة القوى العربية ولو إلى حين، فسمح الفراغ الناجم عن غيابه لبعض القوى الأخرى أن تمارس تأثيراً لم يكن متاحاً لها لو أن العراق القوي كان لا يزال يملك التأثير نفسه في المنطقة. كذلك فإننا نعترف بأن الصراع العربي الإسرائيلي لم ينهك مصر وحدها، ولكنه أيضاً مارس تأثيره السلبي على دول الطوق في الصراع مع الدولة العبرية بل وعلى الدول العربية الكبرى من دون استثناء. فإسرائيل استعمارٌ سرطاني استيطاني، الهدف من وجوده هو تمزيق الخريطة العربية وإضعاف دولها وصرف انتباهها عن قضايا التنمية والحرية والديموقراطية، فالشعار التاريخي الذي ردّدناه قائلين «لا صوت يعلو على صوت المعركة» كان دائماً خصماً من تطوّرنا السياسي ونضوجنا القومي وتركيزنا المطلوب على قضايا التعليم والثقافة والإعلام والتربية السياسية والتطور الديموقراطي، بل إن ذلك الشعار انطوى أيضاً على شيء من دعم الاستبداد وتكريس الديكتاتورية وإلزام الشعوب العربية بالصمت على التجاوزات في الحكم والخروقات لحقوق الإنسان، باعتبار أن الأولوية هي دائماً للدور العربي المطلوب في الصراع مع إسرائيل.
خامساً: انصرفت معظم دول المغرب العربي أيضًا إلى ظروفها الداخلية وعلاقاتها الأوروبية بينما اتجهت «ليبيا القذافي» إلى دورها الإفريقي بعد أن سئمت من إحباطات الوضع العربي. ولا بد أن أشير هنا إلى حرص الدور السعودي على استقرار الوضع العربي والتوازن في العلاقات البينية بين دوله، وظل المحور المصري السعودي في أفضل أوضاعه خلال العقدين الأخيرين، ولكن المحور الإيراني السوري أثّر سلباً على العلاقات بين دمشق وكلٍ من الرياض والقاهرة في وقتٍ لعب فيه ذلك المثلث دوراً فاعلاً في العمل العربي المشترك وقيادته خلال ظروفٍ صعبة في العقدين الأخيرين، نذكر منها المواجهة مع النظام الديكتاتوري في العراق والمشاركة في حرب تحرير الكويت، وتوزيع الأدوار العربية في الصراع العربي الإسرائيلي. ولا يخالجني شك في أن عودة الحيوية إلى هذا المثلث الفاعل هي ضمان أكيد للاستقرار العربي وحل لبعض معضلاته، وفي مقدّمها الخلاف الفلسطيني الفلسطيني بين «فتح» و «حماس»، والوضع في لبنان الذي لم يتعاف من كل مشكلاته بعد.
سادساً: إن وجود أجندات قطرية مختلفة بل ومتعارضة أحياناً أدى هو الآخر إلى الدفع ببعض القوى العربية الى لعب أدوارٍ محددة لصالح قوى عظمى على حساب الأمن العربي ومصالحه العليا، بل ان هناك مفاجآت كثيرة جرت على المسرح العربي تعكس إلى حدٍ كبير حالة التفاوت في مواقف عدد من الدول من دون تفسيرٍ واضح. والأمر في ظنِّي يحتاج إلى أن تتحول جامعة الدول العربية إلى جهاز رقابة قومية، وليس فقط منظمة للحكومات العربية، وما يشجعنا على أن نقول ذلك هو أن دورها يزداد تأثيراً في السنوات الأخيرة بحيث اتضح ذلك في المسألة العراقية والأزمة اللبنانية والخلاف الداخلي الفلسطيني وأزمة دارفور التي تعكس مواجهةً مستترة بين العرب والأفارقة على نحوٍ لا يجب الاستخفاف به أو التقليل من شأنه.
سابعاً: «الدور المصري» لم يمت ولكن جرى تعديله بقرارٍ إرادي سياسي لا يمكن التقليل من شأنه، وهو قابلٌ للانتشار والتوسع في أي لحظة، وهذا ينتقص من الدعاوى التي تتردد عن انتهائه. ويكفي أن نتذكر أن الرئيس المصري زار الهند زيارةً تاريخية بعد أكثر من ربع قرنٍ من زيارةٍ سابقة، كما أنه زار جنوب السودان غير مكتفٍ بالعلاقات التقليدية مع الخرطوم، على اعتبار أن السودان الديموقراطي الموحد هو الهدف حتى لا نفتح الباب للحركات الانفصالية لأن تحقق نجاحاً تسعى إليه.
هذه ملاحظاتٌ سبع سقناها في مجال الحديث عن التغيّرات التي طرأت على النظام العربي ومناقشة أسبابها واستشراف مستقبلها، ولعلنا نؤكد في الختام أن ما يحدث هو تعبيرٌ عن مرحلة تحوّل، بل هو فترة انتقال بكل ما تعني تلك الكلمة من آثارٍ ومشكلات. إننا نظنُّ مخلصين أن النظام العربي سيمضي نحو غاياته معتمداً على ما تحقق له – سلباً أو إيجاباً – في السنوات الأخيرة، وقد لا تتقدم دولة في القريب العاجل لقيادة النظام العربي، ولكن الأمر المؤكد هو أننا سنتمكن من تحقيق نظامٍ جديد قد يعتمد على اختلاف السرعات بين الدول العربية بحيث تكون القيادة لمن يتحرك أولاً وفقاً لأجندةٍ قومية من دون نكوصٍ أو إحباطٍ أو تراجع.
* كاتب مصري.
"الحياة"




















