كل شيء قيل وكُتِب عن الانقلاب الفاشل الذي نُفِّذ في 23 شباط 1981 في إسبانيا. حتى إنّ هناك فيلماً مصوّراً عن اقتحام مئتَي انقلابي مجلس النواب خلال جلسة تنصيب الحكومة. وقد عُرِض مشهد الضابط ذي الشاربين الذي يشهر مسدّساً مراراً وتكراراً على شاشات التلفزة في مختلف أنحاء العالم. روت كتب لا تُعَدّ ولا تُحصى التدخّل الحاسم للملك خوان كارلوس الذي يُعتبَر منقِذ الديموقراطية، وحلّلته وعلّقت عليه. ولم يبقَ ربما سوى وضع رواية كبرى على طريقة ألكسندر دوما، وهذا كان مشروع خافيير سيركاس: فمؤلّف الكتاب الذي حقّق أفضل المبيعات “جنود سالامينا” (أكت سود، 2002؛ بابل رقم 621) وتُرجِم إلى حوالى 20 لغة، بدا مسلّحاً كما يجب للقيام بذلك.
فشل المشروع. فبعدما ملأ الكاتب صفحات كثيرة حبراً، أعلن عدوله عن الفكرة. وانكفأ إلى رواية الحدث. وهكذا بدأ العمل من الصفر، فقرأ كل الوثائق الموجودة، واستمع إلى التسجيلات، وأجرى مقابلات مع أبطال الحدث وشاهد الفيلم المصوَّر مرّة تلو الأخرى. وقد لفت مشهد انتباهه: مشهد أدولفو سواريز، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، جالساً في مقعده فيما تتطاير الرصاصات من حوله وكل الوزراء والنوّاب والحجّاب والمختزلين ينبطحون أرضاً في صفوف المقاعد.
لم يكن سيركاس الذي كان عمره 19 عاماً عند حصول الانقلاب، يتعاطف على الإطلاق مع سواريز؛ هذا أقلّ ما يمكن قوله. كتب في ديباجة كتابه “لطالما اعتبرته وصولياً من أتباع فرانكو ارتقى عبر المناصب حانياً ظهره بفعل كثرة التذلّل، رجلاً سياسياً انتهازياً ورجعياً ومتعصّباً وسطحياً وماكراً يجسّد أكثر ما كنت أكرهه في بلدي، وأخشى أنّني كنت أرى فيه صورة والدي، المناصر العنيد لسواريز”. لكن مشهد الرجل وحيداً في قاعة مجلس النواب لم يبارحه. وقد جعل منه نقطة الانطلاق والنهاية في كتابه.
هل هي رواية؟ هذا السرد الطويل الذي هو ثمرة أبحاث معمَّقة جداً وتكمّله هوامش شديدة العناية بالتفاصيل، هو نقيض العمل الخيالي. خافيير سيركاس لا يلمِّح، بل يدقّق ويتوسَّع ويعرض كل ما يعرفه أو يستشعر به، ثم يؤكّد من جديد ويختصر ويلخّص توخّياً للوضوح.
يلفت إلى أنّ الرواية تضيء على الواقع عبر فرض الهندسة والتناظر حيث لا وجود سوى للفوضى والاعتباطية. لكن انقلاب 1981 كما يستعرضه سيركاس هو ذو تناظر لا يُصدَّق: ثلاثة انقلابيين أساسيين في مواجهة ثلاث ضحايا محدَّدين.
إنها الساعة السادسة وثلاث وعشرون دقيقة من مساء ذلك الاثنين في شباط. النوّاب الإسبان في صدد التصويت على تنصيب رئيس الوزراء الجديد، ليوبولدو كالفو سوتيلو، وفجأة يقتحم عناصر من الحرس المدني القاعة. ويُسمَع دويّ طلقات نارية. ويصعد المقدّم أنطونيو تيخيرو حاملاً مسدّساً في يده، سلالم الرئاسة ويأمر جميع الموجودين بأن ينبطحوا أرضاً. إنه يدير السيطرة على مجلس النواب، لكن الجنرال ميلانز ديل بوش، القائد العام في فالنسيا، هو الذي يتولّى القيادة العسكرية للانقلاب. أما الرأس السياسي للعملية فهو الجنرال ألفونسو أرماندا، سكرتير الملك السابق الذي عُيِّن رئيساً ثانياً لأركان الجيش. ليس هؤلاء الفاعلون الثلاثة على الموجة نفسها، وسوف يعطون انطباعاً بأنّهم ينفّذون ثلاثة انقلابات مختلفة.
“مثل صنم، مثل طيف”
ليس أدولفو سواريز الوحيد في قاعة مجلس النواب الذي لم يمتثل لأوامر المعتدين. فنائب رئيس الوزراء المنتهية ولايته، الجنرال مانويل غويتييريز ميلادو، وقف غاضباً وتوجّه نحو العسكريين الذين حاولوا إسقاطه أرضاً. وفي الأعلى، وسط مقاعد اليسار الفارغة، يستمرّ رجل ثالث في تدخين سيجارته بهدوء وهو يجلس على مقعده: إنه سانتياغو كاريّو، أمين عام الحزب الشيوعي.
هل هم أبطال؟ يشرح الكاتب أنّ هؤلاء الثلاثة يعرفون أن الانقلابيين يكرهونهم ويعتقدون بلا شك أنّ ساعتهم الأخيرة قد دنت. لكن ربما كان موقفهم ينبع أيضاً من أنّ كل واحد منهم يُعتبَر خائناً لمعسكره. إنهم أموات سياسياً.
بعدما نهض أدولفو سواريز ليُمسك الجنرال ميلادو بمقبضه – لكنه لم يفلح في ذلك – عاد ببطء إلى مكانه. “وحيداً، مثل صنم، مثل طيف في صحراء من المقاعد الفارغة”، في مشهد يُظهر عزلته السياسية. لقد عجز هذا النصير السابق لفرانكو عن إدارة الديموقراطية التي بناها. يُحمَّل مسؤولية الأزمة الاقتصادية والإرهاب. تشاجر مع الصحافة ومع الكنيسة، ولم يعد يحظى بدعم الملك ولا بدعم واشنطن. الجميع يتآمرون ضدّه: أقصى اليمين، واليسار، وأرباب العمل، وحتى حزبه، “اتحاد الوسط الديموقراطي”.
كان الجنرال ميلادو من جهته قد شارك في الانقلاب الذي قاده فرانكو عام 1936 لكنّه اعتنق الديموقراطية ولا يُقسم إلا بسواريز. يحتقره معظم العسكريين. وكان بعضهم قد تعاركوا معه بالأيادي قبل عامَين في مشهد مذلّ جداً. أما سانتياغو كاريّو الذي أصبح الشريك السياسي لأدولفو سواريز وحتى صديقه، فهو ليس فقط العدو اللدود لأقصى اليمين: يُلقى عليه اللوم بأنّه استحصل على التقنين لحزبه عبر تقديم تنازلات أساسية تحقيقاً لمصلحته الشخصية.
يحيط خافيير سيركاس بالأحداث من مختلف جوانبها. يحدّد في الديباجة “سوف أحاول أن أجعلها مفهومة بعض الشيء عبر نقلها من دون إخفاء طبيعتها الفوضوية أو محو بصمات حالة عصبية أو بارانويا أو رواية جماعية، إنما بالوضوح الأكبر، وبكل البراءة التي أستطيعها، وكأنّ لا أحد رواها قبلي أو لا أحد يتذكّرها”.
هذا الكتاب الآسر ليس رواية، لكنه بالتأكيد عمل أدبي. لقد تقمّص الكاتب شخصية كل من الفاعلين محاولاً تخيّل مشاعرهم في الساعات القليلة التي حدّدت مصير إسبانيا. ويفعل ذلك بطريقة مثيرة للإعجاب، من دون أحكام مسبقة ولا فرز للأمور بالأبيض والأسود. فلا أحد معصوم بالكامل في هذه القضيّة، ولا حتّى الملك نفسه.
في الختام، يتساءل خافيير سيركاس لماذا وضع هذا الكتاب: لا شك في أن السبب ليس “فهم أدولفو سواريز أو حركة قام بها أدولفو سواريز” بقدر ما هو محاولة فهم والده. هذا هو الأدب الحقيقي!
Anatomia De Un Instante (بالإسبانية) لخافيير سيركاس، وقد صدر بالفرنسية بعنوان Anatomie d’un Instant عن منشورات أكت سود.
( “الموند” ترجمة نسرين ناضر)
“النهار”




















