وثيقة مجلس الامن القومي التركي، “الكتاب الاحمر” للعام 2010، والتي ترسم خريطة التهديدات المتوقعة لتركيا في السنوات القريبة القادمة، تتضمن عدة بنود اشكالية جدا من ناحية اسرائيل. فالوثيقة نفسها تُصنف كسرِّية وعليه ثمة فوارق في الصيغ المتداولة إزاء مضمونها. ومع ذلك، وحسب ما نشر، فان سابقة ادخال اسرائيل الى “الكتاب الاحمر” وبشكل خاص الادعاء بان سياسة اسرائيل تقوض الاستقرار الاقليمي هي دليل آخر على الوضع الصعب الذي تعيشه العلاقات الاسرائيلية التركية. وعلى الرغم من أنه لم تتضمن الوثيقة ادعاء يفيد بانه ستقع مواجهة مباشرة بين الدولتين، الا أن مجرد ذكر اسرائيل في الوثيقة سيؤدي الى تعاظم الشكوك المتبادلة بين تركيا واسرائيل.
مقارنة بوثائق سابقة من هذا النوع، يتعلق الأمر بوثيقة ثورية. فإخراج سوريا من “الكتاب الاحمر” وذكر البرنامج النووي لإيران بشكل غير مباشر وليس كتهديد صريح يعبر عن سياسة “صفر مشاكل” لتركيا مع جيرانها. حسب هذه السياسة، التي يحثها وزير الخارجية التركي، احمد داود اوغلو ، ينبغي لتركيا ويمكنها أن تحل النزاعات مع جيرانها. وذلك خلافا للمفهوم التركي التقليدي، والذي يقضي بان الدولة تقف امام تهديد مستمر على حدودها. حقيقة أن “الكتاب الاحمر” يعكس سياسة “صفر مشاكل” تنبع أيضا من التغييرات التي طرأت على تركيبة مجلس الامن القومي منذ العام 2003. في اطار الاصلاحات المرتبطة بمحاولة تركيا الدخول الى الاتحاد الاوروبي اصبحت هذه الهيئة ذات أغلبية مدنية وذلك خلافا للماضي، حين كان رجال الجيش يسيطرون على المجلس وتعكس اساسا مواقف الجيش التركي. لهذا السبب، فان نجاح داود اوغلو في أن يجعل افكاره الحديثة خطا يوجه السياسة الخارجية والامنية التركية، كما تنعكس في “الكتاب الاحمر”، ليس مفاجئا.
في الوقت الذي تعبر الوثيقة بقدر كبير عن التغييرات التي سبق أن طرأت على العلاقات بين تركيا وجيرانها، فان تطورا مستقبليا يمكنه أن يؤثر على اسرائيل يتعلق بالجيش التركي. ثمة فجوة بين حجم الجيش التركي، الثاني في حجمه في الناتو، وبين تصور التهديد التركي. بحسب تصور التهديد هذا، كما ينعكس في “الكتاب الاحمر”، فان التهديدات المباشرة على تركيا معدودة فقط. منذ الان تنطلق في تركيا أصوات ضد استمرار التجنيد الالزامي في الدولة وتطرح دعوات لجعل الجيش التركي جيشا مهنيا بحجم مقلص أكثر. مثل هذا التغيير، اذا ما حصل، يتوقع أن يكون تدريجيا. ومع ذلك، فان حدوثه سيحث عملية سبق أن بدأت، واساسها الضعف الواضح للجيش التركي كلاعب في السياسة التركية.
ضعف الجيش، المرتبط بالصراع بين النخبة العلمانية القديمة والنخبة الدينية الصاعدة، مستمر منذ زمن. هذا الميل تسارع في السنتين الاخيرتين، ووجدت تعبيرا له، ضمن امور اخرى، في اتهام ضباط كبار متقاعدين في الجيش بشبهة محاولة العمل على اسقاط الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية. عملية ضعف الجيش التركي مقلقة من ناحية اسرائيل لسببين. الاول، الجيش والمؤسسة الأمنية التركيين، هما اللذان كان لهما دور مركزي في دفع العلاقات الاسرائيلية التركية الى الامام في الماضي. فضلا عن ذلك، فان غياب التهديدات المباشرة على تركيا يقلص ظاهرا الحاجة الى شراء منظومات سلاح متطورة والتعلق التركي بشراء مثل هذه المنظومات من الغرب.
وثمة مصدر قلق آخر من ناحية اسرائيل هو امكانية ان تؤثر تغييرات في حجم الجيش التركي ايضا على مكانة تركيا في حلف الناتو. قوة الجيش التركي كانت عاملا حاسما في الاهمية التي نُسبت لتركيا في الحلف خلال الحرب الباردة، وبعدها ايضا. استمرار عضوية تركيا في الناتو، وكذا كونها لاعبا هاما في هذا الحلف، يشكلان مصلحة اسرائيلية لانهما يقلصان المخاوف من نشوء محور امني تركي سوري ايراني. منذ الان يمكن أن نرى صداما بين التغييرات في تصور التهديد التركي وبين تصور التهديد لدى معظم اعضاء الناتو. فتركيا تعارض مثلا وصف منظومة الدفاع ضد الصواريخ، التي على ما يبدو سينصبها حلف الناتو في اراضيها، كمنظومة معدة للدفاع ضد هجوم محتمل من سوريا، ايران أو روسيا. هذه المعارضة تعلل بحجة أن جيرانها ليس فقط لا يشكلون تهديدا عليها بل ولا يشكلون ايضا تهديدا على باقي اعضاء الحلف. ومع ذلك، فان مجرد المساعي من جانب تركيا للوصول الى صيغة حل وسط حول وضع منظومة الدفاع توضح بان تركيا ايضا لا ترى عضويتها في الناتو كمحور مركزي في تصور الامن التركي.
التغيير الكبير في تصور التهديد التركي، كما ينبع من سياسة “صفر مشاكل” وكما يُستدل من “الكتاب الاحمر”، يتعلق كما ذكرنا بعلاقات تركيا مع جيرانها. ومع ذلك، فان هذه العلاقات لا يمكنها أن تدار بصورة منقطعة عن التطورات في المنظومة الاقليمية والدولية. وعليه يبدو أنه ثمة تناقضا معينا بين رغبة تركيا في استقرار الساحة الاقليمية وبين سياستها التي تشكل عمليا تأييدا لجهات مثل ايران، والتي هذا ليس هو هدفها. صحيح أن الاتراك يدعون بان سياسة الحوار من شأنها فقط أن تؤدي الى حل الخلافات مع ايران حول مسألة بناء قدراتها النووية، الا ان ايران عمليا تواصل دفع برنامجها النووي الى الامام. في ضوء ذلك فان نظرة شاملة وانتقادية الى “الكتاب الاحمر” تطرح السؤال حول ما إذا كان جزء من النشاط التركي، وان كان بشكل غير مباشر، يشكل بذاته عنصر تقويض للاستقرار في المنظومة الاقليمية.
” مباط عال”-(نشرة دورية تصدر عن مركز أبحاث الأمن القومي في تل أبيب)، العدد 220، 2 تشرين الثاني 2010
“المستقبل”




















