رام الله – من محمد هواش:
في الحرب الاسرائيلية على غزة تحاول الدولة العبرية بعد اسبوع من القصف الجوي اختبار تغيير معادلة لم تتمكن قوى عظمى من تغييرها، يعبر عنها بالسؤال: هل يمكن الانتصار على حركة شعبية، قومية كانت ام دينية الطابع والمحتوى والهدف، بصرف النظر عن نسبة القوى العسكرية؟ مع التذكير بانه في التاريخ الحديث قلما انتصر جيش نظامي على حركة شعبية، لاسباب عدة ليست القيود الاخلاقية على الاستخدام المفرط للقوة إلا أحدها.
هذا كان مع الجيش الاميركي في فيتنام وفي العراق، ومع الجيش السوفياتي في افغانستان. ولا تشذ عن هذه القاعدة حروب اخرى مثل حرب لبنان الاولى والثانية، ولا الحرب الاسرائيلية على غزة، علماً ان لكل واحدة منها منطقها وسمتها الخاصة. ولهذا لن تكسر غزة حتى لو اجتاحتها الدبابات الاسرائيلية، ولن ترفع راية بيضاء حتى لو فتشت بيتا بيتا، ولن تستسلم لقدرها، فهي تعلن ان المقاومة حق لشعب يعيش تحت الاحتلال. فالضفة شهدت اجتياحات مشابهة متكررة عام 2002 وتمركزت دبابات "الميركافا" في شارع رُكَب قلب رام الله وواجهتها، وفي قصبة نابلس التراثية وكذلك في الخليل من دون ان يتنازل الفلسطينيون عن حقهم في المقاومة وفي اقامة الدولة وحقهم في الحياة، ولهذا يعتصرهم اليوم ألم الحروب الاسرائيلية الزائدة لاطالة امد الاحتلال.
رئيس الاركان الاسرائيلي الجنرال غابي اشكنازي وضع هدفا للجيش الاسرائيلي بعد حرب لبنان الثانية هو انه "في المرة المقبلة لن يضطر احد في نهاية الحرب الى ان يسأل من انتصر فيها"، ولن يكون هناك لبس في تقدير نتائجها، وخصوصا ان الحديث لا يدور عن مواجهة مع جيش نظامي اوجبهات حرب نظامية، ونسبة قوى وخسائر مقدرة بمعايير متعارف عليها، بل عن مواجهة مع شعب يكابد حصاره وتوقه الى ازالة كل قيد احتلالي في غزة قبل التوصل الى تسوية نهائية مع الشعب الفلسطيني، مع ان هناك اهدافا كثيرة اقل اهمية، واوصافا اخرى للمعركة على هامش هذه المعادلة، من نوع محاولة حركة المقاومة الاسلامية "حماس" السيطرة على الحركة الوطنية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني، وتشجيع قوى اقليمية لـ"حماس" كي تعرقل اي تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، اكانت قريبة ام بعيدة، قبل الاتفاق على نظام امن اقليمي في المنطقة تكون لايران مكانة ما فيه. ومن هذه النقطة تنشأ اشكال التعقيد والتناقض بين الحاجة الى وقف تام للقتال والتوصل الى اتفاقات او تفاهمات تسمح بمعاودة حياة طبيعية، والحاجة الى وقف نار مقدمة لنيران حرب وحروب اخرى في السباق الاقليمي على مستقبل المنطقة، مما يجعل الحرب ووقفها رهن لاعبين كثر لا توفر مواقفهم اجماعا على جهد لوقف الحرب من دون مكاسب سياسية لهذا اللاعب او ذاك، بل توفر تشويشاً على اهداف عدة لاسرائيل واهداف كثيرة لـ"حماس" واخرى لايران.
اسرائيل تريد من هذه الحرب ردع حركة "حماس"، وقطع صلتها بالوضع الاقليمي وتجريدها من اوراق قوة، ومنع أي تهديد امني لاسرائيل وسياساتها الاقليمية، او التزام قواعد لعبة جديدة تتمكن فيها الحركة من البقاء قوة فلسطينية مسيطرة في غزة يضعف خلافها مع الشرعية الفلسطينية الفلسطينيين جميعا بمن فيهم "حماس" نفسها، ويحرمهم تحسين فرص التسوية السياسية اذا ما تحرك الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما من النقطة التي وصلت اليها المفاوضات لا من نقطة الصفر. ولهذه الغاية تجهد "حماس" بانسجام تام مع ايران لاحتواء أي جهد لتسوية سياسية لحل القضية الفلسطينية قبل معرفة شكل الشرق الاوسط الجديد اذا قامت فيه دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل.
ولهذا يعتقد اشكنازي ووزير الدفاع ايهود باراك أن رد اسرائيل على هذه العملية هو ان تتلقى ايران ضربة عسكرية على قاعدة ومبدأ "طول التهدئة (مع حماس) التي ستأتي بعد الحرب على قدر الضربة التي نوجهها". مع ان الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس عبر عن سياسة اخرى لا تختلف في الجوهر عن احتواء "حماس" بالقوة والديبلوماسية معا، بقوله لوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير انه "يفضل ان تعترف حماس بالمبادرة العربية" كي يصير للديبلوماسية الراهنة لوقف الحرب معنى وجدوى، وخصوصا ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت رد المبادرة الفرنسية ولم يغلق الباب امامها ولمح الى قناة تفاوض اخرى مع وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس.
اشكنازي يقود الجيش في حرب اسرائيل على غزة اليوم، ويريد " خطوة برية حادة، وان كانت محدودة الزمن". وهذا يتناسب مع طبيعته المهنية وصورته غير الاستعراضية بخلاف ألاعيب السياسة الداخلية الاسرائيلية، ويتناسب مع اقواله بعد حرب لبنان الثانية، ومع حاجات اسرائيل للاهداف السالفة، وهو بذلك يقرب الحرب البرية ويستبق الجهود الديبلوماسية ويحدد وجهتها.
الجيش في اسرائيل هو صانع السياسة. وفي هذه الحرب تأكيد لهذا المبدأ. ولاطلاق يديه ليفتح طريقا للسياسة والامن خارج الحسابات الحزبية، وخارج اوهام القوة وقيودها ايضا.




















