تهبط على مدينة القاهرة جماعات شتى من الأجانب الذين ينتمون إلى جنسيات أميركية وأوروبية متعددة. وهؤلاء الأفراد أو الجماعات قد يمثلون الحكومات أو بعض الهيئات الدولية أو مجرد ممثلين لجماعات أهلية ممن يطلق عليها مؤسسات المجتمع المدني المتعددة. يأتي هؤلاء الناس تباعاً وبلا انقطاع لمتابعة سير التحول الديموقراطي في مصر والحض على الإسراع به، وأحياناً لإلقاء محاضرات سطحية تافهة عن كيف يمكن تحقيق الديموقراطية في أسرع وقت بناء على التراث الغربي العظيم في هذا المجال.
والحقيقة أن هذه الجهود المتعددة تعكس ضروباً شتى من التدخل السياسي المرفوض، ومن التطفل، ومن الادعاء! وذلك لأن عديداً من هؤلاء الأجانب الذين يحضرون الى العالم العربي لكي "يحاضروا" عن الديموقراطية وميزاتها، حين يتطرقون إلى تفاصيل الحياة السياسية للبلاد التي يزورونها يكشفون عن جهل عميق بتاريخها وبمشكلاتها وبتراثها السياسي المعقد!
وقد اتيح لي بحكم مسؤولياتي في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" أن أقابل مئات من الخبراء في العلوم السياسية والاجتماعية وذلك عبر أكثر من ثلاثين سنة.
وأشهد أن عدداً منهم يمتلك من العلم والثقافة والمعرفة بالعالم العربي زاداً يجعل المناقشة معهم متعة فكرية حقيقية، ويسمح بحوار علمي بالغ الغنى والثراء.
غير أن عدداً منهم لا تسمح لهم إمكاناتهم بالمناقشة المتعمقة لأحوال البلاد والعباد لنقص شديد سواء في المستوى الفكري أو في الخبرة بالأوضاع العربية.
وقد اتيح لي التفاعل عبر ثلاثة أيام كاملة مع وفد أميركي يمثل معهداً أميركياً مهما في ندوة حول أوضاع الديموقراطية في مصر شارك فيها عدد من أعضاء أحزاب المعارضة الذين قاموا بروح من المسؤولية بأداء رفيع المستوى عن منطق معارضتهم لبعض سياسات النظام المصري. كما كان مستوى الخبراء المصريين عالياً مما أدى إلى ثراء الحوار الفكري.
غير أن الذي لفت نظري هو أن بعض هؤلاء الخبراء السياسيين الأميركيين قاموا بنقد أوضاع حقوق الإنسان في مصر بلهجة الذين يقومون بحراسة حقوق الإنسان في العالم، تحت تأثير أن الولايات المتحدة الأميركية تصدر سنوياً تقريراً عن حقوق الإنسان ترصد فيه مخالفات الدول وترفعه وزارة الخارجية إلى الرئيس الاميركي لكي يقرر العقوبات المناسبة للدول! ويبدو أن صدور هذا التقرير السنوي قد اقنع وهما العديد من الخبراء الأميركيين أن الولايات المتحدة هي راعية حقوق الإنسان في العالم! مع أن الممارسات العملية الأميركية في العراق وغيرها من دول العالم تثبت أنها هي التي تخرق حقوق الإنسان بشكل منظم وفاضح! وتكفي الإشارة إلى وقائع التعذيب في سجن أبو غريب في العراق أو في معتقل غوانتانامو.
لكل ذلك ضقت ذرعاً بأحد الأدعياء من الخبراء الأميركيين في احدى الندوات وهو يتشدق بأهمية مراعاة حقوق الإنسان وسألته عن موقفه من التشريع الذي أصدره الرئيس بوش والذي يبيح فيه للمحققين الأميركيين ممارسة تعذيب المهتمين في قضايا الإرهاب وذلك لاستنطاقهم!
لم يحر الرجل جواباً، لأن الواقعة ثابتة وأثارت ضجة كبرى في الولايات المتحدة الى درجة أن المدعي العام الأميركي استقال احتجاجاً على هذا التشريع مقرراً بأنه يمثل فضيحة صارخة في مجال العدالة الأميركية.
ووصلت حالة خرق حقوق الإنسان بصورة متعمدة خدمة لأهداف السياسة الأميركية في محاربة الإرهاب حد مناقشة صور التعذيب المقبولة والمرفوضة وذلك في الكونغرس الأميركي!
وبيان ذلك أن إدارة الرئيس بوش كانت مصممة على ممارسة تعذيب المتهمين بطرق مستحدثة أبرزها إيهام المتهم أنه سيتم إغراقه في حوض ممتلئ بالمياه، وفي الوقت المناسب يرفعون رأسه حتى لا يختنق ويكررون ذلك مرات عدة حتى يعترف!
ويمكن القول إن مناقشات هذا الموضوع في الكونغرس الأميركي والخلاف حول التعذيب المقبول والمفروض تعد من عجائب المناقشات السياسية في المجالس النيابية العالمية!
وبعد ذلك كله يأتي هذا الخبير الأميركي المتحذلق لكي يتنطع وينقد حقوق الإنسان في مصر أو في غيرها من البلاد العربية!
وأرجو ألا يظن القارئ انني أدافع عن ممارسات الأنظمة العربية في مجال حقوق الإنسان، لأن الأوضاع في العالم العربي في هذا المجال تحتاج إلى إصلاحات جذرية سواء على مستوى التشريع أو على مستوى الممارسة. بل إن ثقافة حقوق الإنسان لم تترسخ بعد في العالم العربي، لأن المواطنين العرب يعتبرهم عديد من الأنظمة السياسية وكأنهم رعايا وليسوا مواطنين.
لقد قام المثقفون العرب في ندوات ومؤتمرات شتى بممارسة نقد أوضاع حقوق الإنسان وسجلوا ذلك في مقالاتهم المنشورة وكتبهم. لذلك فهم ليسوا في حاجة لنقد هؤلاء الأجانب وخصوصاً الأيمركيين الذين لا يجرؤون على نقد أوضاع حقوق الإنسان المتردية في الوقت الراهن داخل الولايات المتحدة الأميركية ذاتها!
لقد أصدر الرئيس جورج بوش في سياق حربه ضد الإرهاب "قانون الوطنية" الأميركي الذي يبيح للسلطات الأميركية أن تتصنت على مكالمات الأميركيين وأن تقبض على من تريد في حالات الاشتباه إلى غير ذلك من الأحكام المقيدة للحرية، وهو ما يجعل المواطن الأميركي غير آمن على نفسه. كما أن هذه الإدارة المنحرفة نفسها كانت تتهم بعدم الوطنية منتقدي الحرب ضد العراق وذلك في سياق حملة التعبئة الشعبية وتمهيداً للغزو العسكري بزعم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، والتي اعترف الرئيس بوش مؤخراً أنها لم تكن معلومات دقيقة!
في ظل هذه الأوضاع جميعاً من الصعوبة بمكان أن نقبل بهؤلاء الخبراء الأدعياء الذين يبشرون بالديموقراطية، مع أن بلادهم تمارس أبشع ألوان الاحتلال في العراق. بل إن الاتفاقية الأمنية التي تم التوقيع عليها مؤخراً بين العراق والولايات المتحدة وسط رفض شعبي كامل ليست إلا تقنينا للاحتلال الأبدي الأميركي للعراق!
وبعد ذلك كله يأتي هؤلاء الخبراء الأدعياء المتطفلون لكي يبشروا في العواصم العربية بالديموقراطية وحقوق الإنسان!
وإن أنس لا أنس أن أحد هؤلاء الأدعياء وكان يشغل منصباً وزارياً في بلده الأوروبي قبل أن يحال إلى المعاش جاء ضمن وفد لزيارة القاهرة للتبشير بالديموقراطية وحقوق الإنسان. وفي مناقشة لي معه سألني ببراءة شديدة: لماذا لا توافقون على أن يكون لـ"الاخوان المسلمين" حزب سياسي؟
والتفت إلى الرجل باندهاش شديد، لأنه يتحدث عن موضوع لا يعرف عنه أي شيء إلا بالسماع! الرجل يجهل التاريخ المصري جهلاً شديداً، ولا يعرف تعقيدات الصراع بين جماعات الإسلام السياسي التي تريد قلب النظام السياسي المصري العلماني وإقامة دولة دينية محله تقوم على الفتوى وليس على التشريع تحت رقابة الرأي العام. ومع ذلك هو يردد كالببغاء أقاويل سياسية مرسلة سمعها هنا وهناك.
وقد حاولت أن أشرح له الموضوع لأن الرجل وهو شخصية محترمة في بلاده كان يتحدث بسذاجة عن موضوعات مصرية معقدة لها تاريخ إذا استخدمنا عبارة أحمد بهاء الدين الشهيرة!
وليس معنى ذلك أننا راضون عن الأوضاع السياسية في العالم العربي، لقد دعونا منذ سنوات طويلة كمثقفين عرب، وقبل أن تتصاعد الدعوات الأجنبية، إلى ضرورة تطبيق الديموقراطية، وذلك بعد عقود طويلة من الممارسات غير الديموقراطية، والتي تمت في أجواء الانقلابات العسكرية، وبتأثير "الثورات" المتعددة بسلبياتها وإيجابياتها.
ويشهد على ذلك المؤتمر الكبير الذي نظمه "مركز دراسات الوحدة العربية" والذي انعقد في قبرص بعد أن رفضت العواصم العربية استضافته وذلك عام 1982 لأن موضوعه كان "أزمة الديموقراطية في العالم العربي". وقد شارك في هذا المؤتمر نخبة من المثقفين العرب الذين يمثلون التيارات القومية والاشتراكية والماركسية والإسلامية والذين أجمعوا في قرارات المؤتمر التاريخية على ضرورة تطبيق الديموقراطية باعتبارها الخيار الأمثل.
كما تم في المؤتمر نفسه إعلان إنشاء "الجمعية العربية لحقوق الإنسان" بعد أن تم اعتبار أعضاء المؤتمر جمعية تأسسية.
وتأسست الجمعية وقامت حتى الآن بمجهودات رائعة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. كما أن مكتبة الإسكندرية دعت إلى "المؤتمر العربي للإصلاح" الذي صدرت عنه "وثيقة الإسكندرية" والتي كانت محل اجتماع المثقفين العرب في ضرورة التحول الديموقراطي.
لقد مارسنا النقد الذاتي للأوضاع غير الديموقراطية في الوطن العربي، وقمنا بتشخيص السلبيات، ولم نقف عن حدود ذلك، بل قدمنا في اجتهادات متعددة البدائل من السياسات الموجودة.
في ضوء ذلك كله لسنا في حاجة إلى وفود المتطفلين الأجانب الذين يجيئون ليبشروا بالديموقراطية في الوقت الذي يعجزون فيه عن النقد الصريح للهيمنة الأميركية وللسياسات العدوانية للدولة الإسرائيلية العنصرية على الشعب الفلسطيني.
لقد آن أوان القضاء نهائياً على ظاهرة ازدواجية المعايير.
(باحث مصري)
"النهار"



















