ارتكز المنطلق الاستراتيجي للسياسة السكانية الصهيونية والإسرائيلية،على أربعة أسس،تتفرع عنا جملة مبادئ لأغراض مرحلية التنفيذ وفق الإمكانات الصهيونية المتاحة. وتحدد الأسس والركائز بما يلي :
أولاً: العمل الصهيوني الدؤوب لتهجير يهود العالم إلى فلسطين لكونها العامل الحاسم لزيادة وتطور مجموع اليهود في فلسطين .
ثانياً: العمل على تهويد الأرض العربية،بعد احتلالها ومصادرة ما يمكن مصادرته بطرق عديدة .
ثالثاً: العمل على جذب مزيد من يهود العالم إلى فلسطين وإحلالهم مكان العرب بعد طردهم وتهجيرهم ومن ثم إقامة المستوطنات .
رابعاً: إيجاد اقتصاد عبري من شأنه أن يكون عامل جذب لمزيد من يهود العالم،من خلال تحقيق مستويات معيشة مرتفعة ومعدلات نموعالية.
وبالنسبة إلى الركيزة الأولى،فقد أولى قادة الحركة الصهيونية وإسرائيل فيما بعد أهمية كبيرة لموضوع هجرة اليهود من بقاع الأرض كافة باتجاه فلسطين،وذلك لتأمين المادة البشرية التي تلزم لتنفيذ حلقات المشروع الصهيوني المتصلة والممرحلة. ولوحظ أن الهجرة اليهودية لم تتخذ طابع الجذب والطرد وفق العوامل الموضوعية،وإنما اتخذت طابعاً منظماً تقف وراءه المؤسسات الصهيونية. ومنذ مؤتمر بال استطاعت الحركة الصهيونية وإسرائيل استغلال الظروف الدولية لجذب مزيد من يهود العالم وإسرائيل ،فكانت بريطانيا المؤسس الأول لدفع المادة البشرية اليهودية إلى فلسطين أثناء انتدابها على فلسطين خلال الفترة ( 1920-1948) فحصلت كبرى الهجرات اليهودية إبان تلك الفترة حتى وصل مجموع اليهود عشية الإعلان عن إقامة إسرائيل في 15/أيار (مايو) 1948 إلى نحو(650) ألف يهودي ارتفع نتيجة الهجرة بشكل أساسي ليصل إلى (5.5) مليون يهودي في العام 2008. وقد كانت السنوات الأولى لإقامة إسرائيل (1948-1960) سنوات ذهبية بالنسبة إلى عامل الهجرة اليهودية،فقد ساهمت الهجرة بنحو(69) في المائة من إجمالي الزيادة اليهودية في فلسطين خلال تلك الفترة،وتراجعت هذه النسب بسبب تراجع عوامل الجذب والطرد،إلى أن عادت الظروف المناسبة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وتم جذب أكثر من (750) ألف يهودي خلال الفترة (1989-1991)،وتبعاً لذلك ساهمت الهجرة خلال السنوات المذكورة بنحو(67) في المائة من إجمالي زيادة اليهود في فلسطين. وبعد تراجع أرقام الهجرة ما بين 1996 و2008 مقارنة بعامي 1990 و1991،فإن السلطات الإسرائيلية تسعى جاهدة لفتح قنوات جديدة لهجرة يهود من الدول الآسيوية،خصوصاً في ظل عدم وجود احتمالات هجرة اليهود إلى فلسطين من أوروبا وأمريكا بسبب ارتفاع مستوى معيشتهم في تلك الدول،وستظل الهجرة اليهودية هاجساً قوياً لأصحاب القرار في إسرائيل لكونها حجر الأساس في تأمين المادة البشرية اليهودية لتحقيق أحلامها التوسعية في المنطقة العربية من جهة،وتحقيق التفوق الديموغرافي الدائم على العرب في فلسطين .تحت وطأة المجازر،وهناك شواهد كثيرة منذ العام 1948 مرورا بعام 1967 وحتى عام 2008،فقد شردت السلطات الإسرائيلية بطرق مباشرة وغير مباشرة نحو(850) ألف فلسطيني عام 1948 أصبح مجموعهم الآن نحو(5) مليون لاجئ وفي العام 1967 إبان احتلالها للضفة والقطاع ،استطاعت السلطات الإسرائيلية طرد نحو(460) ألف فلسطيني أصبح مجموعهم نحو(1.5) مليون فلسطيني في العام 2008 وهم ما يطلق عليهم اسم نازحي العام 1967 .
وبالنسبة إلى الركيزة الصهيونية الثانية،والمتمثلة بتهويد الأرض الفلسطينية،فإن تلك العملية تطلبت امتلاك الأرض الفلسطينية بشتى الطرق. وقد وضعت لها اليات منظمة ومؤسسات تنفيذية تعمل بدقة عبر وسائل عديدة من بينها المجازر والإجلاء القسري والاستيلاء على الأرض الفلسطينية. وقد لعبت المؤسسات الصهيونية المختلفة، مثل الصندوق القومي اليهودي، والوكالة اليهودية، ومنظمة ييكا ،فضلا عن الانتداب البريطاني، لعبت دورا مهما في نقل ملكية الأراضي العربية الفلسطينية لليهود. وقد امتلك اليهود حتى قرار التقسيم في العام 1947 نحو( 1820000) دونم،والتي اشتريت من قبل الكيرن كابميت ( 800 ألف دونم) و(450) ألف دونم من قبل منظمة الييكا أما الباقي وهو(570) ألف دونم فقد اشتريت من قبل شركات عامة لأفراد . وبعد قيام الكيان الصهيوني العام 1948 والذي أنشئ على مساحة قدرها (22920000) دونم منها (425) ألف دونم مساحات مائية والباقي كانت ملكية موزعة بالشكل الآتي:
أولا: 77% في المائة هي عبارة عن أملاك أميرية .
ثانيا: 3.5% هي عبارة عن أملاك مملوكة من قبل الصندوق القومي اليهودي ( الكيرن كابميت).
ثالثا: 2% من الأراضي المحتلة عام 1948 مملوكة لمنظمة " البيكا" .
رابعا: 3.6% مملوكة من قبل الأفراد والجمعيات اليهودية .
خامسا: 13.9 من الأراضي الفلسطينية التي هجر أهلها العرب خلال عامي 1947 و1948 .
أي أن الحركة الصهيونية حتى العام 1948 وعلى الرغم من نشاط مؤسساتها المحموم، لم تستطع السيطرة سوى على(9.1) في المائة من مجموع مساحة الأراضي الفلسطينية التي أنشئت عليها اسرائيل في العام 1948، في حين ساهم الانتداب البريطاني بالقسط الأكبر من التسلل اليهودي إلى الأراضي الفلسطينية والسيطرة عليها .
وبعد العام المذكور استمرت السلطات الصهيونية بالاستيلاء على الأراضي العربية بكافة الطرق والقوانين الجائرة، فتوسعت تبعاً لذلك ملكيات الصندوق القومي اليهودي في فلسطين . وتابعت السلطات الصهيونية خطواتها التهويدية بعد احتلالها الضفة والقطاع ،فكانت القدس مركز التهويد لأهداف سياسية معروفة في مقدمتها اعتبارها العاصمة الأبدية لإسرائيل . ومنذ العام 1967، استطاعت السلطات الإسرائيلية مصادرة نحو(60) في المائة من مساحة الضفة الفلسطينية وإقامة (150) مستوطنة فيها ،تستحوذ على (250) ألف مستوطن يهودي. وعلى الرغم من مرور اكثر من ستة عقود على إنشائها؛ ناهيك عن سبعة عشر عاماً على مؤتمر مدريد، وأكثر من خمسة عشر عاماً على اتفاقات أوسلو، ما تزال السلطات الإسرائيلية والمؤسسات الاسرائيلية النافذة تعتبر الأرض العربية المحتلة ركيزة أساسية لتحقيق حلقات المشروع الصهيوني المقبلة. وقد توضح ذلك من خلال التصورات المشتركة لكافة الاحزاب الاسرائيلية حول قضايا الحل النهائي التي تشتمل على الحدود والسيادة والمستوطنات والقدس.وبالنسبة إلى الركيزتين المتمثلتين بإقامة المستوطنات وتطور الاقتصاد الإسرائيلي. فإن الحركة الصهيونية وإسرائيل ،اعتبرتا هاتين الركيزتين الوجه الآخر لعملية الاحتلال والمكملة للتهويد والتفريغ والسيطرة الديموغرافية، وهي الحزام الأمني والاقتصادي للمجتمع الاسرائيلي؛ فمنذ العام 1948 وقبل ذلك أقامت الحركة الصهيونية وكذلك إسرائيل مستوطنات تستحوذ على المهاجرين اليهود من جهة، وتحقق عملية العزل والحصار للقرى العربية من جهة ثانية .ومن أجل ذلك هدمت السلطات الإسرائيلية (478) قرية من أصل (585) قرية عربية، وأنشأت على أطلال الكثير منها مستوطنات أوبالقرب منها ،وما زلنا نلحظ حتى اللحظة ،في عام 2008 بأن للمستوطنات ولعملية الاستيطان، الإسرائيلي، أهمية قصوى في اطار نشاط المؤسسات والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة لكونها ركيزة من ركائز المشروع الصهيوني وانطلاقه لتحقيق خطوات لاحقة .
وقد واكب التطور في تحقيق ركائز المشروع الصهيوني، ظهور اقتصاد إسرائيلي يساعد على تدعيم تلك الركائز،وقد مر بعدة مراحل ،لكل مرحلة سماتها،وقد حقق الاقتصاد الإسرائيلي نموا ملحوظا في مراحل تطوره كافة استطاعت تلبية حاجات المجتمع الصهيوني الآخذة بالنموللابقاء على مستوى معيشة مرتفع للمهاجرين اليهود ،حتى تبقى عوامل الجذب قائمة باستمرار، وساعد على ذلك مساعدات الجاليات اليهودية، والمساعدات الأميركية التي بلغت خلال السنوات الأخيرة (3) مليار دولار ،منها (1.8) مليار مساعدات عسكرية، و(1.2) مليار مساعدات اقتصادية. وتبعا لمعدلات النموالمتحققة في الاقتصاد الإسرائيلي، فإن هناك العديد من المؤشرات الأخرى مرتفعة، مثل دخل الفرد الذي وصل إلى نحو(18) ألف دولار بالمتوسط، والعمر المتوقع(77) عاما ،كل ذلك قد يكون مدخلا لتحقيق معدلات في اتجاهات أخرى .
ويبقى القول أنه بعد مرور اكثر من قرن على المشروع الصهيوني ( 1897-2008) وأكثر من ستين عاما على إنشاء اسرائيل، فإن ركائز المشروع لم تكتمل بعد،سواء في شقها البشري أو المادي، أي الأرض. فالاستيطان على أشده والموازنات المقتطعة لذلك خير دليل،والإنسان الفلسطيني ملاحق في أرضه سواء في فلسطين المحتلة عام 1948، أوالمحتلة عام 1967، من خلال جعل حياته صعبة، أومحاولة أسرلته ،وجعله هامشياً في أرض أجداده وآبائه وتبعاً لذلك ستبقى أراضي فلسطين محور صراع مفتوح خلال العقود القادمة.
() كاتب فلسطيني




















