تمتمتُه، وحركة يده التي أبدته كأنّه يخاطب أحدا لم تُظهره الصورة، أنبأتا بأنّ هناك نتفا من أرواح باقية في الأجساد الساكنة التي حوله. أو كأنّه يعد بأنّ ذلك السبات الذي هم فيه ليس موتا تامّا. رحنا نحدّقّ بتلك الصورة، ناظرين إلى كلّ واحد بمفرده، علّنا نرى شيئا يتحرّك: إمالة لرأس مثلا، أو اهتزازا ما حول الشفتين، أو حول العينين، العينين خصوصا في النقل الأوّل لتلك الصورة، وقد تكرّر نقلها مرّات، كنّا نتساءل: ماذا يقول ذاك الرجل؟ إنّه يُكلّم مَن؟ فقط في اليوم الثالث أُتيح لنا أن نسمع ما يقول: كان يتلو شهادته، مكرّرا إيّاها مرّة بعد مرّة بعد مرّة. في رمقه الأخير لن ينشغل المرء بسوى ذلك. بسوى أن يستسلم، أي أن يسلّم نفسه للموت، قابلا به، كما ينبغي له، محسنا التصرّف إزاءه، لأنّ ذلك جزء، أو يجب أن يكون جزءا، ممّا اختاره لنفسه ومّما اختير له أيضا. ثمّ إنّه سيحسن التصرّف لأنّه اعتاد مجاورة الموتى، ليس أولئك المسجّاة أجسادهم حوله، بل الذين كان يشترك معهم في العيش منذ أن كان طفلا في عمر أولئك الذين أظهرتهم الصور، في هذه المجزرة الأخيرة كما في مجازر أخرى كثيرة سبقتها، باكين بين أيدي آبائهم أو محمولين على أكتاف أمّهاتهم، مذعورين ممّا يجري حولهم. أنّا لن أتزوّج، قال الفتى إبن العشر سنوات في التحقيق الذي أعادت بثّه إحدى المحطّات، مرّات عديدة أيضا، لأنّني إن تزوّجت سيكون لي ولد يموت. قال ذلك بصوت متقطّع جعلنا نفكّر أنّ فقدانه لسمعه سينسيه النطق. إنّه يعيش، قالت أمّه ناظرة إلى الكاميرا، غير مكترثة بتركه المدرسة بعد أن كرهها. أما ماذا يفعل في يومه؟.. "هو يذهب إلى الإنتفاضة"، أجابت أمّه بطريقة ما تقول أمّ سواها، في بلد سوى بلدها، ذهب إبني ليلعب في الجنينة.
صُور المجزرة هذه جديدة قديمة. لقد شاهدنا ما يعرضونه لنا الآن، مرّة في حرب 2006، مرّة في يوم قانا، مرّة في 1978، مرّة في ما جرى لأطفال بحر البقر، مرّات في حروب نسينا تواريخها، وفي حروب حصلت قبل مجيئنا لكن وصلتَنا منها صور بالأسود والأبيض. ليس سهلا على المصوّرين أن يأتوا بمشهد جديد فكلّ شيء سبق تصويرُه. مشهد الطفلتين اللتين فُتح باب برّاد المستشفى مرّات ليراهما من فاتته رؤيتهما هو مشهد مكرّر أو منسوخ عن مشهد سبقه من حرب سبقت الحرب الأخيرة هذه. لكن يحدث في أحيان أن تتشكّل الأشياء على نحو يستهوي الصور، أن يتجمّع ما فيها بعد أن كنّا اعتدناه متفرّقا، أو أن يتفرّق بعد أن اعتدناه متجمّعا، أن يكون الذين فيها مطروحين على الأرض بدل أن يكونوا واقفين. أن يكونوا رجالا بدل أن يكونوا نساء أو أطفالا، وأن يكونوا عسكريين لا مدنيين( وهذا ما لن يمرّ من دون أن يشكل على المصوّر ومشاهدي صورته إذ ليس من المعتاد أن يُستشهد بمصرع عسكريين لاتّهام عدوّهم بالوحشيّة). يُفضّل، في ما خصّ هؤلاء، أن تُذكر أعدادهم فقط، أو حتّى أن تُخفى أعدادهم ما دام أنّهم، في حسابات الحرب، يتركون أثرا محبطا على المتفرّجين من مناصريهم. مَن ينبغي أن تضاف أعدادُهم، على الفور، إلى قائمة مَن أُعلن استشهادهم ، هم المدنيّون، ويُفضّل منهم الأطفال الصغار.
الأطفال الذين من سوء حظّهم، أو من سوء قٌدرهم، أنّ الحرب تجري حيث هم. توقّفت الحرب منذ عقود عن أن تجري حيث ينبغي لها، على الحدود مثلا، أو في مكان لا يصلح للعيش أصلا ليبادر الناس إلى العيش فيه، مثل الصحاري التي رأينا صورها متّسعة لا حدود لها ليعرف الجنود أيّ اتجاه يسلكون. ذاك أنّها، هي الحرب، باتت تجري في جبهات ضيّقة، مثل غزّة، الآن، التي، لصغر مساحتها، لم يكن ممكنا لها أن تترك مساحة منها خالية لتكون حدودا، أو مثل لبنان الذي، هناك عند حدوده، جرت المعارك فيه "من بيت إلى بيت"، كما كان يُقال آنذاك، أقصد على مدى ثلاثين عاما خلت.
على أنّنا، إذ نستعيد إزاءهم الظلم الذي يصعب احتماله، ينبغي أن نقف عند حدّ الأسى الذي أُريد لنا أن نقف عنده؛ أن لا نتجاوز إدانة قاتلهم لنصل إلى إدانة القدَر، مثلا، ذاك الذي يبيح قتل أطفال كانوا لاهين عن التفكير بالموت لأنّهم كانوا ما يزالون بعيدين عنه. ينبغي لأسانا إذن أن يُطيع، أن يُصغي وأن يطيع، أن يتشكّل أو أن ينصنع بحسب ما تقتضيه ظروف المواجهة واستنفاراتها.
ليس من المعتاد أن يُستشهد بمصرع عسكريّين للدلالة على وحشيّة عدوّهم. لكن الرجل ذاك ليس عسكريّا تماما. قال وليد، الذي استمع إلى تعليق مطوّل حول تلك الصورة، إن الذين فيها هم شرطة المدينة وهم لم يُعدّوا أصلا لقتال عدوّهم. وما قرّبهم أكثر من أن يكونوا مدنيين، أي ضحايا، هو أنّهم أصيبوا مثلما يُصاب المدنيّون. ثمّ أنّهم، إلى ذلك، لم يكونوا حاملين سلاحا ( كما يظهر من الصورة). وإلى ذلك أيضا، هناك الموت الذي، من لحظة ما يحدث، يجعل الناس متساوين أمامه. ما كانوا يختلفون فيه بعضهم عن بعض، كمثل ما يختلف الناس في وظائفهم أو نوع عملهم، لا يعود ذا أهمّية.
كانوا يؤدّون تدريباتهم التي ليس من ضمنها التدرّب على السلاح، قال وليد. ذلك كان أقرب إلى الرياضة الصباحيّة منه إلى التدريب العسكري. وقد كانت مفاجئة تلك الضربة التي أصابتهم. كانت، لشدّة سبقها، كأنها نذير بابتداء الحرب وليست الحرب ذاتها. ربّما كانوا يتمازحون وهم في الطابور قبل دقيقة من تحوّلهم إلى أن يصيروا ذاك المشهد، أو قبل نصف دقيقة، أو حتّى أقلّ وهذا على أيّ حال يقرّبهم أكثر إلى أن يكونوا مدنيين، مثل أولئك الذين يُسرع الإعلاميّون بموافاتنا بالحصيلة الأخيرة لأعداد الذين استُشهدوا منهم.
ربما كانوا يتمازحون في الطابور، آنذاك في الوقت العاديّ الرخو. وقد ظلّوا على راحتهم إلى ما قبل ثوان من إصابتهم، ذاك لأنّ الطائرة حاملة القذائف تصل قبل أن يصل هديرها. أوليس بين أوّل مواصفاتها أنّها أسرع من الصوت؟




















