اعتادت الساحة الفلسطينية، بمعظم مكوناتها وأطرافها (في السلطة والمعارضة)، التركيز على السياسة اليومية، بما في ذلك سياسات إسرائيل، والخلافات الفصائلية، ومعضلات عملية التسوية، والمداخلات الدولية والإقليمية في الساحة الفلسطينية، وإحالة معظم مشكلات هذه الساحة إلى هذه القضايا.
ويبدو التركيز على السياسة اليومية، على حساب القضايا الاستراتيجية، بمثابة محاولة لتغطية التحديات الفعلية، وحجب الأسئلة الحقيقية، التي تطرح نفسها على الساحة الفلسطينية، ربما للتملص من المسؤولية تجاهها، أو للتورية عن عدم القدرة على مواجهتها.
في هذا الإطار، أيضا، يظهر النقد السياسي بمعظمه كنقد فصائلي، ينبني على عقلية سياسية ضيقة، تشكيكية وإقصائية وتخوينية، وليس على عقلية وطنية تشاركية وتفاعلية. وهو نقد لا يعمق العلاقات الديموقراطية ولا يرسخ المؤسسات الشرعية، بقدر ما يشتغل على الإزاحة والحلول والمزايدة بدل الاستيعاب والتواصل والتعاضد.
على ذلك يمكن القول إن الساحة الفلسطينية تفتقد للنقد التغييري، أو التطويري، وإن وجد هذا النوع من النقد فهو موجود في حالتين، الأولى، وتمثلها حركة "حماس"، التي تعبر عن حالة مغايرة في الوضع الفلسطيني في مختلف المجالات، وهذا ما يشكل احد أسباب قوتها وصعودها. أما الحالة الثانية فتجد تمثلاتها في كتابات ومواقف عديد من المثقفين والسياسيين الفلسطينيين، الذين ينطلقون من مواقع المصلحة الوطنية العامة، ومن منظور المستقبل. أما نقد الفصائل "اليسارية"، وهو نقد مهم وغني، لكنه لم يصل إلى حد بلورة رؤى وبنى وعلاقات وأشكال نضال جديدة.
على ذلك فإن هذه المقالة تتوخّى عرض القضايا أو التحديات الحقيقية التي تواجه الساحة الفلسطينية، كما ستحاول التعامل بشكل نقدي مع مجمل الفرضيات التي قامت، أو تأسست، عليها التجربة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
لكن قبل ذلك لابد من توضيح الفرضيات التي حكمت هذه المقالة، وهي:
-1 إخفاق الحركة الوطنية في مهماتها البنائية والتحررية. فمن محصلة التجربة يتبين أن هذه الحركة، وبرغم إنجازاتها المتعلقة ببلورة هوية الفلسطينيين وتوحيدهم، ووضعهم على الأجندة الدولية والعربية، لم تنجح في الخيارات التي أخذتها على عاتقها، لا في التجربة البنائية المتمثلة ببناء كيان المنظمة والسلطة، وبناء حركة سياسية، لها صفة الديمومة والتجدد والفاعلية (وينطبق ذلك حتى على الفصائل والمنظمات الشعبية). كما إنها لم تنجح في الخيارات السياسية النضالية التي انتهجتها، من المقاومة إلى التسوية ومن الانتفاضة إلى المفاوضة. ويستنتج من ذلك أن الإنجازات المتحققة لا تتناسب مع التضحيات الباهظة التي قدمها الشعب الفلسطيني، منذ خمسة عقود تقريبا؛ ما يهددها بالتآكل والتبدّد.
-2 إن عدم نجاح هذه التجربة لا ينبثق من الظروف الموضوعية وموازين القوى غير المواتية، وضعف إمكانات الشعب الفلسطيني، فقط، فبرغم أهمية هذه العوامل، فإن العامل الذاتي لعب دورا كبيرا في ذلك؛ لقصور في البنية والقيادة.
طبعا ليس القصد من ذلك الإيحاء بأنه لو توافرت البنية والقيادة المناسبتين لكان الشعب الفلسطيني أنجز مهمته، في تحرير أرضه، وهزيمة المشروع الصهيوني، فهذه المهمات تحتاج إلى تضافر الظروف الموضوعية والإمكانات؛ بمعنى توافر الشرط الكافي، الذي هو نتاج توافر وتكامل الشرطين الذاتي والموضوعي. لكن القصد من ذلك أن الشعب الفلسطيني، على الأقل، كان يمكن أن يكون بوضع أفضل من حيث حيوية بناه السياسية، ووحدة مؤسساته، وقدرته على مواصلة مشروعه الوطني؛ ومن حيث قلة الأكلاف التي يتكبدها.
-3 بناء على كل ما تقدم فإن هذه المقالة تنطلق من قناعة مفادها أن معظم الأشكال السياسية القديمة، في الساحة الفلسطينية، باتت غير قادرة على استنهاض الشعب الفلسطيني، والمضي بحمل مشروعه الوطني التحرري؛ ليس لأنني أقول ذلك، أو أرغب فيه، ولكن لأن هذه الأشكال لا تجدّد ذاتها، وأصيبت بالجمود والترهل، في بنيتها الداخلية، وباتت مستهلكة على الصعيد الشعبي، وتآكلت قدرتها على الفعل في ميدان الصراع ضد العدو.
وبديهي أن هذا الواقع يؤدي لتدعيم النظام القديم، القائم على "الكوتا"، والذي يمكّن هذه الطبقة من الاستمرار في الهيمنة على القضية والشعب، وحجز إمكان توليد حالة سياسية جديدة، أو حتى تمكين الحالة القائمة من التطور والتجدّد، على الأقل. ويمكن تمثّل هذه التحديات في التالي:
-1 وحدة الشعب الفلسطيني
فعلى رغم مركزية هذه الفرضية، وأهميتها في الحالة الفلسطينية الاستثنائية والمعقدة، فإن واقع الحياة السياسية للفلسطينيين يشي بحجب مقصود لمعضلات وتفرعات وإشكاليات هذه المسألة الجوهرية، أو بالتعامل معها بنوع من الخفّة، من دون خلق المعادلات المناسبة لها، ودون التصريح بإشكالياتها وتعقيداتها الموضوعية، ومآلات حلها المختلفة. هكذا فثمة صعوبة في تعيين كيفية تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، وتعميق إدراكه لهويته، ولوحدة نضاله، ومصيره المشترك، في حين أن هذا الشعب يعيش حال التمزق والشتات الجغرافيين، ويخضع لأنظمة ومعطيات سياسية واقتصادية واجتماعية متباينة.
وإذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية، مثلا، تجاوزت أو تجاهلت، لأسباب مفهومة (نوعا ما)، قضية فلسطينيي 48، من دون أن تفتح الآفاق لنوع من مسار سياسي يعيد التلاقي بهم مستقبلا، عبر شعارات من مثل "دولة ثنائية القومية"، أو "دولة لمواطنيها"، أو "دولة ديموقراطية علمانية"، أو "دولة كونفيديرالية"، فإن هذه الحركة غضّت النظر، أيضا، عن كيفية مساهمة فلسطينيي الأردن في العمل الفلسطيني، ولم تفتح هنا، أيضا، مجالا لتخليق رؤى أو معادلات مستقبلية، تفضي ربما إلى نوع من المستقبل الواحد، للكيانات السائدة في المنطقة، في إطار رؤية مستقبلية للتطور السياسي والاجتماعي في هذه المنطقة.
فوق هذا وذاك فإن الطبقة السياسية السائدة، على اختلافاتها، باتت تتعامل مع الواقع الفلسطيني باعتباره متجسدا في الضفة والقطاع، مع كل الاحترام للحديث "الفولكلوري" عن اللاجئين، والذي لا يجد تمثلاته في مبنى الفصائل السائدة، أو في سلم اهتماماتها، بدليل أفول وتهمش دور المؤسّسات والتجمعات الفلسطينية للاجئين في الأردن وسوريا ولبنان، وتهمّش منظمة التحرير وهي الكيان السياسي والمعنوي للفلسطينيين، وانتقال ثقل الحركة الوطنية للداخل.
هكذا باتت الوحدة الوطنية تطرح وكأنها مجرد وحدة للفصائل، من دون تعريف الفصائل، ومدى تمثيلها وفاعليتها في المجتمع، ودورها في النضال ضد إسرائيل.
-2 تآكل الحركة السياسية الفلسطينية
لطالما افتقدت الساحة الفلسطينية لحركة سياسية، بالمعنى الصحيح للكلمة، أي حركة تتمتع بحياة مؤسّسية، وبحراك سياسي ـ تنظيمي داخلي، حركة تشتغل على مراجعة أوضاعها وبناها وشعاراتها وأشكال عملها، وجدوى طرق كفاحها. وكما هو ملاحظ في التجربة فإن معظم الحركات الفلسطينية السائدة، ظلت تدين بالقياد لمؤسسيها، الذين أجادوا صياغاتها على مقاساتهم، وبحسب مستوياتهم وخبراتهم (في عقد الستينات). وبصورة جعلت معظم مفاتيحها في أيديهم بالذات. وهذا ما يفسّر أن هذه الحركات برغم تآكل دورها، وانحسار مكانتها، وإخفاقها في عديد من المهمات الوطنية، مازالت على حالها، في إطار القيادة الأبوية، والعلاقات الزبائنية، وتهميش المشاركة، وتغييب الديموقراطية، وإلغاء المؤسسات.
وبديهي أن هذا الخلل، ليس نتاج القيادة، فقط، وإنما هو، أيضا، نتاج العلاقات الأبوية والعشائرية والمناطقية، في المجتمع الفلسطيني، وحاصل لضعف الخبرات السياسية فيه، وتدني مستوى الاشتغال في حقل الفكر السياسي لديه، في مقابل انشغاله بحقل الشعارات والسياسة اليومية. لكن مسؤولية هذه القيادة تتحدد في أنها بنت إقطاعيات سياسية، في إطار العمل العام، وأنها لم تفتح الأفق لإحداث تغييرات، أو تطورات، لا في إطاراتها السياسية /الفصائلية، ولا في إطار المجتمع.
في ذلك فإن "الثورة" الفلسطينية (وهو المصطلح الأثير لدى الطبقة السياسية السائدة) لم تترجم من هذا المصطلح إلا شكلياته، ولم تشتغل على تكريس معناه، في السياسة والمجتمع والفكر. على العكس من ذلك فقد كرست هذه "الثورة" البنى العائلية والعشائرية والمناطقية، في المجتمع، وعززت علاقات المحسوبية والزبائنية، على حساب الانتماء الوطني والسياسي، والعلاقات المدنية ـ الديموقراطية. وعلى صعيد الفكر فقد كرست هذه "الثورة" السياسة باعتبارها حقلاً لتجاذب الشعارات والعواطف، وليس باعتبارها تتأسس على موازين القوى والمعطيات السياسية المحلية والإقليمية والدولية. وهذه "الثورة" بدلاً من أن تعتمد على الشعب، جعلته يعتمد عليها وفق صيغ "التفرغ"، ما خلق مجتمعاً فصائلياً على هامش المجتمع الفلسطيني في الداخل كما في الخارج.
النتيجة أننا وصلنا إلى وضع باتت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية لا تعتمد على موارد شعبها، وإنما على الموارد التي تأتيها من الخارج، ما أضعف علاقاتها التمثيلية والتفاعلية مع مجتمعها، وجعلها مرتهنة للمعونات الخارجية، وضمنها الارتهان، في تأمين رواتب 160 ألف موظف، لقناة الدول المانحة، الراعية لعملية السلام. وهذا الوضع حول هذه الحركة من حركة تحرر وطني تتوخى تحرير الأرض وتحرير الشعب من علاقات الهيمنة والاستعمار والعنصرية الصهيونية، إلى حركة تتوخى تأمين مطالبها الشهرية، وتحسين أوضاع شعبها الحياتية. وبديهي أن هذا الوضع بدوره حوّل الحركة الفلسطينية إلى سلطة، من دون مقومات السلطة ومن دون إنجاز مرحلة التحرر الوطني، ما أدخلها بصراعات وخلافات حول المكانة والسيطرة، في المجتمع، على حساب الصراع ضد الاحتلال، ما أدى إلى انقسامها وانقسام الكيان والنظام الفلسطينيين.
ولعل هذا ما يفسّر، بين مسائل أخرى، كيف أن مطالب مجمل أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية باتت تنحصر في العودة إلى ماقبل اندلاع الانتفاضة (عام 2000)، وهذا ينطبق حتى على حركة "حماس" المعارضة (من قبل)، والتي باتت تؤكد على الهدنة (أي وقف المقاومة)، وعلى القبول بدولة فلسطينية في حدود العام 1967، من دون التساؤل عن جدوى اندلاع الانتفاضة، ومسؤولية من إخفاقها في تحقيق أهدافها، أو وصولها لغايات الحد الأدنى (دحر الاستيطان).
-3 بشأن تجربة الكفاح المسلح
منذ انطلاقها، في منتصف الستينات، توسّلت الحركة الوطنية الفلسطينية، أسلوب الكفاح المسلح سبيلاً لتحرير فلسطين، وتم اعتبار هذا الشكل النضالي خارج النقد، وتم رفعه إلى مرتبة القداسة، في الفكر والممارسة السياسيين.
لكن تخلف بنى هذه الحركة، وضعف التجربة السياسية، وغياب المراجعة والنقد، والمداخلات الإقليمية، أدى إلى "عسكرتها"، من حيث بنيتها وعلاقاتها الداخلية وشعاراتها السياسية، وطغيان الأجهزة الأمنية والعسكرية، على حساب العمل السياسي والتنظيم الجماهيري والمشاركة الشعبية، من دون أن يكون لذلك علاقة بتحقيقها الإنجازات، بسبب من اعتماد هذا الخيار.
والنتيجة فإن الكفاح المسلح هذا تجاوز توظيفاته الوطنية (ضد العدو)، وبات له وظائف داخلية، تتمثل في تعزيز قوة الفصيل المعني، وضبط العلاقات الداخلية، والقيام بوظائف سلطوية في المجتمع الفلسطيني، حيث أتيح ذلك.
ولاشك في أن هذا الواقع ساهم، بين أشياء أخرى، بتدنّي مستوى الوعي السياسي وإضعاف علاقات الديموقراطية والمشاركة، وطغيان ثقافة العنف الداخلي، في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية، وإن ظلّ هذا العنف مسيطرا عليه، من فوق، أي من الطبقة السياسية السائدة في الساحة الفلسطينية، في السلطة والفصائل.
بالإجمال فقد تلخصت التجربة العسكرية الفلسطينية بأحسن أحوالها بنوع من حرب العصابات (من الخارج إلى الداخل) وبعمليات في الداخل؛ في حين نتج عن التواجد العسكري في الخارج مظاهر واحتكاكات أثرت سلبا على الحركة الوطنية وعلى الفلسطينيين؛ إلى درجة أن عدد الضحايا الذين سقطوا في هذه التجربة أكثر بكثير من عدد الشهداء الذين قضوا بنتيجة الكفاح المسلح ضد إسرائيل!
وعموما فإن هذه التجربة لا تشبه تجربة أخرى، بسبب ظروف العمل الفلسطيني. والأنكى أنه لم يجر توثيقها ولا دراستها ولا تقويمها، برغم التضحيات أو الإمكانات والثمن الفادح الذي بذل لها. وكما بات معلوما فإن القيادة الفلسطينية كانت تتوخى من هذه العمليات تعويم القضية في الإعلام وإبراز الحركة الفلسطينية في معادلات الشرق الأوسط، أكثر بكثير من توجيه ضربة عسكرية لإسرائيل.
لكن على الرغم من المبالغة في الحديث عن الكفاح المسلح، في أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية، فإن المثير للانتباه أن هذه الحركة لم تجتهد إلى الدرجة الملائمة في إنتاج نظريتها الخاصة بالكفاح المسلح، أو بمشروع الحرب الشعبية الطويلة الأمد (على حد قول بعض الأدبيات)، على غرار تجارب أخرى صينية وفيتنامية وكوبية وأوروبية (في حقبة الحرب الثانية).
على ذلك فقد تميزت التجربة العسكرية الفلسطينية، بالعفوية والمزاجية والفوضى، وهي السمات نفسها التي ميّزت مجمل التجربة الفلسطينية المعاصرة، في ظل غياب إدارة عقلانية، أو استراتيجية سياسية واضحة.
مثلا، بالنسبة للتجربة العسكرية في الأرض المحتلة، فقد شكلت عمليات التفجير والقصف الصاروخي، الموجّهتين ضد المدن الإسرائيلية، خروجا عن نسق الانتفاضة الافتراضي، من الناحيتين الجغرافية والبشرية، كونها حالة فعل للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، ما حمّل الانتفاضة والمجتمع فوق طاقتهما، وأوجد انفصاما بين جغرافية الانتفاضة البشرية والجغرافية وبين جغرافيتها أو أهدافها السياسية، المتمثلة بدحر الاحتلال من الضفة والقطاع، في هذه المرحلة وهذه الظروف.
وقد أدت هذه العمليات إلى توحيد المجتمع الإسرائيلي، بدلا من تعزيز الشروخات داخله، وشوّشت على عدالة قضية فلسطين أمام الرأي العام العالمي، كما غطت قيام إسرائيل بالتملص من عملية التسوية، وسهّلت استخدامها أعتى آلتها الحربية للبطش بالفلسطينيين؛ فضلا عن أنها أضعفت شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال في الضفة والقطاع.
طبعا نحن لا نجادل في شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، فهي عمل مشروع، كما لا تتناول مسألة الغلبة في ميزان القوى، فلطالما كانت الشعوب المستعمرة أضعف في مواجهة المستعمر. ولكن الحديث يدور عن ضرورة إخضاع كل أشكال المقاومة، وضمنها المسلحة، لاستراتيجية سياسية واضحة وممكنة، واختيار أشكال النضال الملائمة لكل مرحلة، وتحديد وسائل المقاومة المسلحة وزمانها ومكانها ونوعية هدفها، واحتساب جدواها والتداعيات الناجمة عنها.
ويمكن القول هنا بأن تجربة الانتفاضة الشعبية (1987 – 1993)، من بين كل التجارب، كانت الأجدى في مواجهة الاحتلال، فهي التي جلبت الاعتراف بالشعب الفلسطيني، وبحركته الوطنية، وعزّزت التعاطف الدولي معه، وهي التي خلقت الشروخ في المجتمع الإسرائيلي، ونمّت مداركه بشأن عدم جدوى الاحتلال والاستيطان، وهي التي أجبرت إسرائيل على مراجعة أساطير الصهيونية التقليدية، المتعلقة بفكرة إسرائيل الكبرى، أو تغييب الشعب الفلسطيني. والغريب أن يتم تجاهل هذه التجربة الكفاحية الإبداعية، التي طالما جرى التغنّي والافتخار بها، بدل أن يجري العمل على إغنائها وتكريسها، باعتبارها الشكل الأكثر نجاعة لإظهار إسرائيل على حقيقتها كدولة استعمارية عنصرية، وباعتبارها الأكثر تناسبا مع امكانات الفلسطينيين والمعطيات المحيطة بهم.
الأنكى إن رافضي إخضاع تجربة الكفاح المسلح للنقد والمساءلة، يتناسون بان "حركة القوميين العرب" (وهي "أم الجبهة الشعبية")، كانت شكّكت بجدوى إطلاق "فتح" للكفاح المسلح، وانتقدت ذلك في حينه، بدعوى أن ذلك يحتاج إلى ترتيبات وتحضيرات، وإلى تنسيق مع الدول العربية، وعدم توريطها مع إسرائيل. كما يتناسون بأن "حركة الإخوان المسلمين" في فلسطين (وهي أم حركة "حماس" ذاتها) لم تكن منخرطة البتة في تيار الكفاح المسلح، وهي انخرطت فيه في ما بعد، أي في مطلع التسعينات، وخصوصا بعد الانتفاضة الأولى. وانه باستثناء فصائل معدودة على أصابع اليد الواحدة، فإن الفصائل الأخرى ليس لها من الأصل أي دور في ممارسة الكفاح المسلح، ولا قدرة على ممارسته، إلا في الكلام!
فوق كل ما تقدم يتناسى هؤلاء بأن نقد التجربة الفلسطينية بالكلام، أفضل بكثير من نقدها بالسلاح، وبالاقتتال، وبالانشقاق، وبالانقسام، فالنقد يساهم بالتطوير ويغني العملية الوطنية، ويرشّد أشكالها النضالية، في حين أن الاقتتال والانشقاق والانقسام يدمر الحركة الوطنية ويفتتها، ويهدر طاقاتها ويبدد إنجازاتها.
وباختصار فإن المطلوب الخروج من إسار الفهم المتعلق بحصر المقاومة بممارسة الكفاح المسلح، فقط، فالمقاومة الشعبية هي الأصل، وهي أعم وأشمل وأعمق من ذلك.
-4 تآكل مكانة القضية الفلسطينية
لقد أدى تدهور وضع الحركة الوطنية وتخلف إدارتها واستحكام الخلافات فيها، إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية، في الأجندة العربية والدولية. هكذا لم تعد قضية فلسطين على الصعيد العربي الرسمي والشعبي، بمثابة القضية المركزية للأمة العربية، بسبب من الانشغال بقضايا أخرى على غاية في الخطورة والأهمية، مثل العراق ولبنان والسودان، والتدخلات الأميركية في الشؤون العربية، وتزايد الدور الإقليمي لإيران؛ عدا عن المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
المشكلة أن الخلافات الداخلية، وغياب الإجماع الفلسطيني، عن هدف موحد وواضح، أدى إلى تعزز هذا المسار عربيا، فلا يمكن مطالبة العرب بالحشد من أجل الصراع مع إسرائيل، ولا من اجل التسوية معها في هذه الظروف والمعطيات! كما لا يمكن مطالبتهم بدعم حالة فلسطينية غير متوافقة أو منسجمة مع الوضع العربي. على الصعيد الدولي، تبدو الحال أكثر تعقيدا إذ كادت القضية الفلسطينية تتحول من قضية حركة تحرر وطني إلى قضية استقلال، ومن قضية سياسية إلى قضية إنسانية وخدماتية.
والمشكلة أن التشويش الناجم عن غياب توافقات سياسية فلسطينية، وعن عدم تفهّم حدود الدعم الدولي لقضية فلسطين، يكاد أن يفقد هذه القضية صدقيتها، وأن يصم كفاحها المسلح بوصمة الإرهاب، وأن ينزع عنه صفة الضحية.
-5 بشأن مكانة منظمة التحرير ومستقبلها
ثمة تواطؤ من الطبقة السياسية (في السلطة والمعارضة) على تعويم وضع "منظمة التحرير"، والتغني بها وبأمجادها، في واقع يجري فيه عمليا طمس هذه المنظمة وتغييب دورها. وهذا الأمر حقيقة يطرح عديدا من الأسئلة، من ضمنها: هل ثمة إرادة سياسية عربية ودولية لتفعيل هذه المنظمة، بعد أن تآكلت، وبعد أن غابت، أو غيّبت، لصالح الكيان المتمثل بالسلطة الوطنية في الضفة والقطاع؟ ثم هل تبدو قيادة فتح قادرة، أو راغبة، بالمضي في هذا الاستحقاق الى نهايته، وقد خسرت موقعها المهيمن في إدارة السلطة، ما يعني أنها ربما تفرّط بقيادتها للمنظمة، وتتخلى في ذلك عن دورها القيادي في الساحة الفلسطينية؟ ثم هل مازال لـ"منظمة التحرير الفلسطينية" من دور تستطيع أن تلعبه، وهي التي تنتمي إلى زمن عربي وفلسطيني مختلف، أي الزمن القومي والفصائلي؟ وهل مازال لمجتمعات الفلسطينيين في الشتات من دور يلعبونه في السياسة الفلسطينية، بمعطياتها الحالية، مع وجود السلطة الفلسطينية؟ وهل يمكن الاستمرار بتأسيس النظام الفلسطيني على قاعدة "الشرعية الثورية"، والمحاصصة الفصائلية "الكوتا"، بعد قيام السلطة الفلسطينية على قاعدة الانتخابات، والاحتكام لصناديق الاقتراع، وبعد كل التطورات الحاصلة في طبيعة القوى المكونة للساحة الفلسطينية (نهوض فصائل وأفول أخرى)؟
ثم كيف سيجري تفعيل المنظمة في وقت يجري فيه حرمان الفلسطينيين في مناطق اللجوء من التمثيل، ومن المشاركة في العملية الوطنية، أو في القرار السياسي، لأسباب ذاتية وموضوعية، في آن واحد، ما يشكل شرخا موضوعيا في الجسم الفلسطيني، بما لذلك من عواقب سياسية واجتماعية، وتداعيات تتعلق بالوحدة والهوية والتطور السياسي للفلسطينيين.
إن كل ما تقدم يفيد بأن حركة التحرر الفلسطينية، بواقعها الراهن، غير قادرة على الاستمرار في حمل المهمات الوطنية ومواجهة التحديات المطروحة عليها، ليس فقط لأسباب موضوعية، وإنما أيضا لأسباب ذاتية تتعلق بتكلس بنى هذه الحركة، وغياب حراكها الداخلي، وضعف صلاتها بمجتمعها، وانعدام روح الاجتهاد داخلها، وافتقادها لطابعها كحركة تحرر وطني، واعتمادها في مكانتها وشرعيتها على الخارج، بدل الاعتماد على شعبها.
على ذلك فإن هذه الحركة مطالبة ليس فقط بإعادة بناء البيت الفلسطيني (منظمة التحرير)، وإنما هي مطالبة أيضا، بإعادة بناء مجمل مكوناتها (من "فتح" إلى "حماس" إلى "الجبهات”)، على أسس جديدة، ديموقراطية مؤسسية، وتمثيلية. وعلى أساس الحق في الاختلاف والتعددية والتنوع، وإعلاء شأن المصلحة الوطنية على مصلحة الفصائل. ولا شك أن ذلك يتطلب، أيضا، إنتاج رؤية سياسية استراتيجية موحدة، تتيح استعادة هذه الحركة لروحها كحركة تحرر وطني.
"النهار"




















