ملاحظات في المضمون
يمكن تسجيل مأخذين رئيسيين على الكتاب وعلى المقاربة المتّبعة فيه، ويمكن أيضاً الاختلاف الجذري مع الكاتب حول فكرة مركزية عنده تضبط إيقاع مواقفه ولو أنها تختفي بعض الشيء حين يلامس الحاضر اليوم.
على أنها مآخذ واختلاف لا تغيّر من كون الكتاب جديراً بالقراءة المتأنّية لما فيه من حشد للأمثلة ومن ربط للأفكار ومن غزارة ثقافية موظَّفة لتدعيم الحجج وتقديمها ممتعة. كما أنها لا تغيّر من كونه وثيقة تدين الاحتلال الاسرائيلي اليوم وتستطيع حكماً التأثير في آراء القارئ الغربي لأنها بالأساس تتوجّه إليه.
…
المأخذ الأول على الكتاب هو تغييبه الفلسطينيين رغم حضورهم الدائم في خلفية المشاهد الموصوفة وفي سياق البحث في معاناتهم وانتهاكات الاحتلال بحقّهم.
والمقصود بالتغييب هو الاكتفاء بسردية فرنسية – يهودية – إسرائيلية تبدو مبتورة في علاقتها بتاريخ المنطقة حيث أقيمت دولة إسرائيل. أي أن السردية تقفز من فرنسا والحرب العالمية الثانية الى لحظة التأسيس الاسرائيلي عام 1948. وبهذا، لا يغيب الفلسطينيون فحسب، بل يغيب أيضاً اليهود العرب وسائر السفاراد، فيبدو دوبريه وكأنه يتعامل مع دولة أشكينازية أوروبية، مستشهداً على الدوام بأمثلة من تراث الأشكيناز وزاد مفكّريهم، ومستنداً الى قيمهم المدينية الغربية في أكثر محاججاته.
وحتى حين يصل دوبريه الى التوسّع والاحتلال عقب حرب ال67 وصولاً الى انفلات الاستيطان مؤخراً وتحوّل المهاجرين الروس كتلة ديموغرافية وناخبة وازنة (قرابة ال20 في المئة من الإسرائيليين)، يبقى في أمثلته وترميزه الثقافي ومرجعيته الأوروبية يخاطب اليهود الأشكيناز.
والتغييب هذا لا تبرّره مخاطبة صديق إسرائيلي والحديث عن تفضيله مخاطبة “الأقوياء”، ولا يعوّضه استنكار الاحتلال والقضم والقهر ولا الانتقاد الحاد والشجاع لازدواجية المعايير الاسرائيلية والأوروبية. فالفلسطينيون كيان في ذاتهم وفي تحوّلاتهم وفي مرجعياتهم الثقافية وفي اصطدامهم بالاسرائيليين الذي يغيّرهم بقدر ما يغيّر الاسرائيليين. وهم أيضاً أفراد وتجارب مختلفة، وليسوا فقط جماعات تُمارَس عليها عمليات الحصار أو القتل أو التشريد المستنكرة. والأمر هذا مهمّ لأن إحالة القيم والتحوّلات المصيبة الاسرائيليين الى جذور أو مرجعيات صهيونية أو يهودية أوروبية غربية ينفي المسار الذي سلكه الإسرائيليون نتيجة تنوّع الهجرة ونتيجة احتلالهم واقتلاعهم سكاناً أصليين ونتيجة ولادة جيلين أو ثلاثة منهم بعيداً عن أوروبا وعلى تماس مباشر مع الفلسطينيين، حتى وإن فضّلوا نكران الأمر وعدم النظر في عيون “جيرانهم“.
ولعل هذا الغياب الفلسطيني بوصفه غياباً لفاعل فوق أرضه (وليس لمفعول به أو لتائه لاحقاً بين حماس والسلطة) يفسّر مثلاً تغييب إسم إدوارد سعيد في مستهل الكتاب حين يحيّي دوبريه دانيال بورنبويم “مؤسس الاوركسترا الإسرائيلية العربية” ناسياً أن المؤسس الآخر هو الفلسطيني سعيد. ولعلّ هذا يفسّر أيضاً تغييب الحديث عن المؤرّخين الفلسطينيين الذي بحثوا في النكبة وفي خطط الجيش الاسرائيلي للتهجير، والذين استند إليهم بعض المؤرخين الاسرائيليين الجدد (يشيد بشجاعتهم دوبريه) ليعيدوا صياغة السيرة التأسيسية لدولتهم (علماً أنه لم يبق من هؤلاء المؤرخين على مواقفه السياسية المستندة الى عمله التأريخي إلا قلّة قليلة أبرز من فيها إيلان بابي وهو يعيش في بريطانيا بعد مغادرته منصبه الجامعي في حيفا عقب الضغوط والمضايقات التي تعرّض لها).
بهذا، بدت الذاكرة المكانية والحدثيّة التي استند إليها دوبريه في عرضه في أكثر مواضيع الكتاب محصورة بالاسرائيليين (الأوروبيي الأصل)، لا مكان فيها لتنقيب آخر، لروايات مضادة أو موازية، لتفاعل ولو صراعي متبدّلة أطواره ومعالمه.
.
المأخذ الثاني هو إقامته مقارنة سريعة (وكاريكاتورية) بين النخبتين السياسيّتين الإسرائيلية والعربية عام 1948 لتقديم مبرّر إضافي لسبب انحيازه (كمعظم الفرنسيين والأوروبيين) لإسرائيل لحظة نشأتها. فالحديث عن “زعماء يشبهون موسوليني” مقابل زعماء من طينة “النبي المقاتل” بن غوريون، على ما يذكر دوبريه، يصلح لتحليل الخلفيات الثقافية والاجتماعية للنخب القيادية عند الطرفين وليس للمفاضلة بناء على نتائج المقارنة بين شعبين أو دولتين أو مشروعيّتين سياسيتين وأخلاقيّتين. فمقارنة أولئك القادمين من عائلات وقبائل في منطقة تهيمن عليها قيم البادية والريف ولم تمارس السياسة بمعناها الحديث من قبل، بأولئك الوافدين من المدن الأوروبية المساهمين في نهضتها وازدهارها وتنوّرها منذ قرون مقارنة معروفة النتائج سلفاً. لكن هل هذا يكفي ليكون مبرراً لتأييد الأرقى ثقافة على الأدنى مرتبة؟ أليست العنصرية متحجّجة بهكذا مقولات لتبرير إقامتها التراتبية بين الشعوب والأقوام؟ هل كان يمكن لدوبريه إجراء نفس المقارنة بين النخبة البيضاء في جنوب إفريقيا أيام الأبارتيد وبين زعماء قبائل الزولو مثلاً؟ وهل كان سيتسبّب تفوّق الأوائل (البديهي) بتأييد منه أو بتماهٍ من الأوروبيين مع النظام العنصري؟
قد تكون الإشارة متسرّعة في كتاب دوبريه الى النخبتين، وهي حكماً لا تشي بأي ميل عنصري لديه – إذ هو يساجل العنصريين في الكتاب نفسه على نحو يهشّمهم – لكنها في مكان ما تعبّر عن قدرة المعايير العلمية المجرّدة من كل اعتبارات قانونية أو قيمية على الدفع نحو خيارات سياسية بعيدة عن القوانين الدولية وشرعة حقوق الانسان وسائر المبادئ التي صاغتها النخب الغربية المتنوّرة، لا سيما بعد الثورة الفرنسية، وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
أما نقطة الاختلاف “المركزية” مع دوبريه (التي تتسبّب ببعض الأمور كالتي أخذناها عليه آنفاً) فهي في البعد السياسي لتمييزه بين شكل التأسيس الإسرائيلي (أو حرب الاستقلال كما يسمّيها الإسرائيليون) وبين حرب ال1967 والتوسّع الاحتلالي والاستيطاني الذي تلاها.
بهذا المعنى، فالاختلاف هو مع دفاعه عن الصهيونية التأسيسية للكيان العبري عامي 1947 و1948 واعتبار التأسيس بداية لتاريخ الصراع.
ففي الأمر، أولاً، إغفال لعقود سبقت التأسيس، وسبقت بالتالي المحرقة وأهوال الحرب العالمية التي أعطت زخماً عاطفياً هائلاً للمشروع الصهيوني وأمّنت له غطاء “أخلاقياً” أوروبياً ودولياً، وهي عقود هجرة يهودية الى فلسطين الانتداب البريطاني، وبتسهيل أحياناً من سلطات الانتداب، تسبّبت باستيلاء على الأراضي وببدء الضغط على الفلسطينيين لتعديل خريطة البلاد الديموغرافية. وتسبّبت أيضاً بصدامات وانتفاضات كانت “ثورة ال1936” تتويجاً لها.
وفي الأمر، ثانياً، اعتبار مفاده أن التهجير والتشريد للفلسطينيين لإحلال التائهين والهاربين من جحيم أوروبا مقبول طالما أن اللحظة كانت لحظة مأساوية على القارة العتيقة المليئة باللاجئين. وهذا في ذاته تبرير لشكل من أشكال التطهير العرقي الممنهج بحجة وقوع ما يماثله (أو أكثر) في بعض المناطق في روسيا وبولونيا وألمانيا، على ما يورد دوبريه.
وحتى لو سلّمنا أن ثمة تبدلاً كبيراً قد طرأ على طبيعة إسرائيل بعد حرب العام 1967، فإن في موقفه النقدي من هذا التبدّل، ومما يسمّيه “التوحّد” الإسرائيلي وبروز إسرائيل ثانية تقوم على بناء الجدار وقضم الأراضي والاستيطان والانتقال من “الكيبوتز” الى “الكيبا”، في موقفه هذا، ما يحيلنا مجدداً الى مبرّرات رأيه في تطوّرات العام 1948. فهل لو بُنيت كيبوتزات بنفس الزخم الاشتراكي التجديدي (الذي قام بحسبه عام 48) في الضفة الغربية ومحيط القدس الشرقية (بعد العام 67) عوض بناء المستوطنات حيث مرتدو الكيبا المتطرفون دينياً والقادم كثر منهم من الولايات المتحدة (وفرنسا) لكان موقفه تغيّر من الاحتلال اليوم؟ وهل لو أنه أجرى مقارنة بين موشي دايان وغولدا مائير مثلاً وبين عدد من الملوك أو الزعماء العرب عام 1967، لكان اتّخذ مجدّداً نفس الموقف الذي اتّخذه لحظة تأسيس إسرائيل؟ ثم من قال إن “الكيبا” بالمؤديات السياسية لأيديولوجيّتها هي أشدّ إيلاماً مما تسبّب به “الكيبوتز” عند مصاردة الأراضي وتشريد القاطنين فوقها؟
طبعاً ليس المقصود اعتبار أن لا فرق بين القوى السياسية في إسرائيل، أو بين التيارات الثقافية، أو بين الميول المسالمة ليساريي تل أبيب وعنصريي المستوطنات أو يمينيي الهجرة الروسية. وطبعاً هناك تحوّل أصاب المجتمع الإسرائيلي وتطرّف ديني ازداد في أوساطه. لكن الدخول في تصنيفات قد تبرّر فظاعات يرتكبها تقدّميون (بالمعنى الاجتماعي للكلمة) وتدين فظاعات أخرى يرتكبها “رجعيون” يوقع ريجيس دوبريه وغيره أحياناً في ازدواجية معايير تضعف تماسكهم الفكري-السياسي عند مقاربتهم الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
يبقى السؤال الأهم في الآخر: هل السلام ممكن في فلسطين؟
تبدو إجابة برنافي في آخر الكتاب أكثر إقناعاً من إجابة دوبريه في عرضه. فالسلام على أساس قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة الى جانب إسرائيل لم يعد ممكناً تحقيقه بغير الإكراه: الإكراه الأميركي والدولي لإسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967. عدا ذلك، يمكن أن تستمر الأمور على ما هي عليه وأن تزداد سوءاً عاماً بعد عام.
لكن هل الإكراه هذا وارد؟ سؤال آخر لا تبدو الإجابة عليه، الآن، إيجابية، خاصة في ظل المواقف الأميركية المراوحة بين الانحياز والعجز، وفي ظل الواقع الميداني والانهيارين الفلسطيني والعربي. لكن المطالبة به تتصاعد، على الأقل في فرنسا، وآخر أصواتها صوتا وزير الخارجية الفرنسي الأسبق أوبير فيدرين ورئيس الحكومة الأسبق فيليب دوفيلبان…
زياد ماجد




















