تستحق ذكرى رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وقفة مختلفة.
نعني هنا وقفة استرجاع نقدي لمسيرة الرجل، وهي أيضاً مسيرة شعبه، هو المؤسس الذي قاد الحركة الوطنية خلال أربعة عقود ويزيد، وهو بهذا المعنى، إذ يحضر في ذكرى رحيله، تحضر معه مسيرة طويلة فيها ما فيها من الإنجازات، وأيضاً من الإخفاقات التي أثّرت بدرجات متفاوتة في حال الشعب والقضية.
أبرز ما يلاحظه المراقب لتلك المسيرة أن ياسر عرفات شكّل أسلوباً ونهج كفاح طبعا الحياة السياسية والتنظيمية الفلسطينية طيلة فترة قيادته، بل وحتى اللحظة، بالرغم من غياب الرجل، وهو استمرار بات ظاهرة تستحق القراءة الجدية، وتستحق التوقف طويلاً أمام فكرة رئيسة فيها: هل تتمكن الحركة الوطنية الفلسطينية من إجراء مراجعة نقدية تحصي خلالها عثراتها وأخطاءها وتعمل على تجاوزها؟
عرف المواطنون الفلسطينيون والعرب ياسر عرفات، بل لنقل إنهم سمعوا باسمه لأول مرة، في أعقاب هزيمة حزيران 1967، وانطلاق العمليات الفدائية الفلسطينية بكثافة ضد المستعمرات والمواقع العسكرية الإسرائيلية، وبالذات انطلاقاً من غور الأردن. كانت المرات الأولى التي تناقلت فيها وسائل الإعلام العربية إسمه، تذكره بصفة لم تعد موجودة بعد فترة قصيرة زمنياً، وهي صفة “الناطق الرسمي لقوات العاصفة التابعة لحركة فتح”، لكن الأمر سرعان ما اختلف بعد الهالة الكبرى التي أحاطت بالحركة الفدائية عموماً، وحركة فتح بالذات، مع الساعات الأولى لانتهاء الهجوم الإسرائيلي المدرّع على بلدة “الكرامة” في غور الأردن، والتي رأت فيها الجماهير العربية أول حالة صمود وانتصار عسكري عربي على الجيش الإسرائيلي الذي استثمر نصره السريع في حزيران لترويج مقولته المعروفة عن أنه جيش لا يقهر.
في تلك الأيام وبعدها أصبح ياسر عرفات، أو باللقب الشائع أكثر “أبو عمار” القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، قبل أن تعمّده معركة الكرامة وتعمّد معه أسلوب الكفاح المسلّح، وتدفع به وبالفصائل الفدائية لاستلام زمام القيادة في منظمة التحرير الفلسطينية خلفاً لرئيسها يحيى حمودة الذي تسلّم رئاسة المنظمة في مرحلة انتقالية كانت قد شهدت قبل ذلك خلافات عاصفة حول الرئيس السابق والمؤسس أحمد الشقيري.
قراءة تجربة تلك العقود تأخذنا بالضرورة لملاحظة عدد من المسائل التي نراها بالغة الأهمية، إذ طبعت المرحلة بطابعها، وساهمت بدرجة كبرى في تحديد طبيعة الحركة الوطنية الفلسطينية ومسارها ومستقبلها:
أولاً: انطلقت الحركة الفلسطينية باستراتيجية ترى أن تحرير فلسطين ممكن من خلال مراكمة عمليات عسكرية من خارج فلسطين بصورة رئيسة، ومن داخلها ما أمكن، بأمل أن تحقق هذه العمليات تغييرات كبرى في الحالة السياسية العربية المحيطة بفلسطين، ومن هنا كنا نقرأ ونسمع عن أهداف من نوع ضرورة إيجاد “هانوي عربية” تنطلق منها القوى الفدائية، التي لا بد أن تتوسع لتتحول إلى “حرب تحرير شعبية” شاملة، وكان في خيال القادة الفلسطينيين ومنهم الراحل ياسر عرفات نموذج الثورة الجزائرية، ونموذج الثورة الفيتنامية التي كانت في تلك الأيام تعيش أقسى معارك حربها الوطنية ضد القوات العسكرية الأميركية، ومعها قوات حكومة فيتنام الجنوبية.
تلك الاستراتيجية أدخلت الحركة الفلسطينية منذ البداية في حالات صدام محتملة مع الدول العربية المحيطة بفلسطين، سرعان ما انفجرت في مواجهات مسلحة، كانت تندلع لتتوقف بفعل الوساطات العربية، ولكنها لم تلبث أن شهدت انفجارها الشامل صبيحة السابع عشر من أيلول 1970 في الأردن.
هنا بالذات تختلط استراتيجيا “هانوي العربية” بالحضور الكثيف للقوى الفلسطينية المسلحة في المدن الأردنية، بما عناه ذلك من قضم تدريجي لسلطات الدولة الأردنية وحضورها في حياة الشعب الأردني الفلسطيني الواحد، وهي حالة لم يكن ممكناً لها أن تحافظ على التعايش الهشّ بن الطرفين، وإن أمكن بوساطات من الرئيس الراحل جمال عد الناصر تأجيل الصدامات العسكرية، حتى وصل الجميع مع موافقة الأردن على “مشروع روجرز” لاستحقاق لا مفر منه: البند الأول في المشروع ينصُ على تحقيق وقف لإطلاق النار مع إسرائيل، وهو هنا يعني الصدام الحتمي مع قوات الفصائل الفلسطينية التي كانت تنطلق من الأراضي الأردنية لمهاجمة الدولة العبرية.
تجربة الأردن التي انتهت بخروج كلّي للفصائل الفلسطينية، لم تحقق للأسف أي استفادة فعلية، إذ ظلت الاستراتيجية ذاتها، ولكنها قامت فقط باستبدال الجغرافيا فنقلت التجربة إلى لبنان الذي شهد مطلع السبعينات وجوداً متنامياً للقوى الفلسطينية المسلحة في الجنوب اللبناني، لم يلبث أيضاً أن تكرّر السيناريو الأردني بحذافيره، حيث تبعه وجود مسلح كثيف في المدن اللبنانية، وبالذات العاصمة بيروت.
من يستعيد تلك التجربة يقع على الأسباب الحقيقية لتأخر الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى نهايات العام 1987، بسبب من قلّة عناية القيادة الفلسطينية بالأرض وتركيزها على الوجود السياسي والعسكري في الخارج، وهي حالة ما لبثت أن تغيّرت في صورة اضطرارية في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان ورحيل القوات الفلسطينية إلى بلدان عربية بعيدة عن فلسطين.
ثانياً: قامت الحركة الوطنية الفلسطينية واستمرت في غياب قضايا أساسية يصعب السير بنجاح من دون تحققها بفاعلية في أي حركة وطنية: غاب النقد الذاتي، وغاب معه مبدأ المحاسبة، سواء تعلّق الأمر بالأخطاء السياسية والإدارية، أو بالتطاول على المال العام، ما خلق نوعاً من اللامبالاة بل الترهل الذي أغرى كوادر كثراً بالانحراف وارتكاب مخالفات مالية كبرى، لتتحوّل المخالفات إلى نوع من نهج طبع الحياة السياسية بطابعه ولا يزال.
نقول ذلك لنشير إلى حقيقة أن غياب النقد الذاتي ومبدأ المحاسبة قد أفسح الطريق لتنامي عدد لا يحصى من مراكز القوى، التي شكلت ثقلاً حقيقياً، وفرضت وجودها ومصالحها على الجميع.
قيادة الرئيس الراحل أبو عمار لم تفعل شيئاً يعتدُ به للتخلُص من هذه الظاهرة، أو الحدّ منها، وكلُ ما قام به طوال العقود الثلاثة الأخيرة كان بالضبط إدارة العلاقات مع أصحاب مراكز القوى تلك، بسبب اقتناعه أنها وإن شكّلت مصاعب أمام الكوادر إلا أنها لا تشكل تحدّياً لقيادته، وهي حقيقة أمكن باستمرار ملاحظتها في كون رموز مراكز القوى الذين عاشوا فترات طويلة في صراعات لا تتوقف، كانوا جميعاً يدينون بالولاء لقيادة أبو عمار.
هل يستقيم الحديث عن هذا وذاك من دون رؤية للسياسة؟
قامت سياسة أبو عمار وفتح ومنظمة التحرير الفلسطينية غالباً على مبدأ “عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية”، ومع ذلك أمكن وقوع “أبو عمار” في أخطاء كبرى كلّفت الفلسطينيين كشعب أثماناً باهظة كما هو حال الموقف من الغزو العراقي لدولة الكويت، والذي تسبب في إيقاع شرخ في العلاقة مع تلك الدولة التي قدمت للفلسطينيين الكثير، وعاش على أرضها ما يربو على 400000 فلسطيني تسلم بعضهم مناصب مرموقة وحساسة في دوائر ومؤسسات الدولة الكويتية.
مع ذلك فثمة ما هو أشد فداحة.
لقد أسهمت النواقص الأولى في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي بدأنا بها هذه المقالة في كوارث لا تزال تؤثر سلباً، فغياب النقد الذاتي ومبدأ المحاسبة أوقع السلطة الفلسطينية في حالة لا تحسد عليها من ارتباك العلاقة مع شعبها بعد اتفاق أوسلو .هنا بالذات لا يمكن لمراقب محايد أن يقلل من أخطاء السلطة ووقوعها في نزعات ضارة لا تحصى، لعلّ أشدها خطورة التعالي على مواطنيها بسبب من خيارات خاطئة للفاسدين في المناصب الكبرى والمسؤوليات الرئيسة، ما خلق هوة شاسعة، أوصلت الى خسارة الانتخابات التشريعية أولاً، ثم لانقلاب حركة حماس وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
هل تحدثنا عن السلبيات على حساب الإيجابيات؟
لا أرى المسألة على هذا النحو، ففي ذكرى رحيل القائد المؤسس للحركة الوطنية الفلسطينية، يكون من البداهة أن قيادة الراحل ياسر عرفات هي من بعثت الشخصية الفلسطينية، وفتحت أمام الشعب الفلسطيني باب تحقيق ذاته ووجوده.
أربعون عاماً من العمل السياسي والعسكري للراحل أبو عمار كانت محطات كبرى لا ينكرها غير جاحد أو مكابر، ولكننا هنا، وفي لحظة انكسار تاريخي، نجد من المهم والضروري التوقف طويلاً وملياً وبروح نقدية صارمة أمام التجربة الفلسطينية لمعاينتها من كلّ جوانبها، كي لا نفقد بوصلة الحقيقة والاتجاه الصحيح.
أبو عمار هو القائد التاريخي، صاحب الكاريزما الاستثنائية التي كان لها أيضاً وجهها الآخر: الحضور الفردي الطاغي، الذي همّش القيادة الجماعية، وقزّم المؤسسات إلى حدود الشكلية.
تعالوا نقرأ التجربة بإمعان، ولكن بحب أيضاً.
“المستقبل”




















