* * * * *
عندما تنعدم سياسة الحكومة الأدبية، وعندما يقارب تأثير النخبة المثقفة في المجتمع حوالي الصفر، وتعيش جميع الصحف السميكة حياة التسول التعس الذليل، عندها يحدد كبار الناشرين التجار سياسة البلاد الأدبية. فإلى أين سيقودوننا؟ ـ يتساءل بوندارينكو.
حددت الحكومة السوفيتية يوماً ما، في ثلاثينيات القرن العشرين في منهاج قراءة الأطفال أسماء بوشكين، ونيكراسوف، وتلستوي، وتيشخوف، وترعرعت أجيال بكاملها، وتربت على الأدب الروسي الكلاسيكي. ويتساءل النقاد إن كان ذلك لعب دوراً في كسب روسيا الحرب! يقرأ الأطفال اليوم هاري بوتير، والكتاب الهزليين، فلا تنتظروا المآثر منهم مستقبلاً. سينفجرون من الضحك في وجوهكم.
ومع ذلك:
تراجعت إلى المرتبة الثانية والثالثة موجة ما بعد الحداثة المضجرة والمملة، وغير الممتعة حتى لأصحابها ذاتهم. ليس مصادفة أنّ أهم الموهوبين بينهم (على سبيل المثال، في عالم الشعر، تيمور كيبيروف، ونوعاً ما سيرغي غانديلوفسكي، وفي النثر فلاديمير سوروكين، وحتى فيكتور يروفييف) غادروا فضاء ما بعد الحداثة الذي أشبعهم مللاً وإزعاجاً، وانخرطوا إما في عالم الهجاء الاجتماعي، أو في عالم التاريخية كصيغ جديدة من الكلاسيكية الجديدة. جميعهم يعودون من حيث الجوهر إلى حقل التقليدية، والواقعية الروسية، مكتنزين بتجاربهم الذاتية الغنية بالتجارب الناجحة أو الفاشلة. تجد، على سبيل المثال رواية “يوم أبريتشنيك” (أبريتشنيك: هو الشخص المنخرط في صفوف القوات الأبريتشنيفية، أي الكتيبة التي شكلها القيصر إيفان الرهيب في إطار إصلاحاته السياسية في عام 1565، وسمي الأبريتشنيكي في حينه “رجال الدولة”) و”الكرملن السكري” لسوروكين، أو “ستالين الجيد” ليرفييف (تجد) قراء جدداً تماماً. لنفترض أنّه ليس كل شيء عندهم مقبولاً، لكن اتجاه تطور الكاتب من الشر إلى الخير واضح…
نتائج عام 2009 المنصرم من وجهة نظر بوندارينكو موفقةً تماماً، ويذكر عدداً من أكثر الكتب أهمية، ويقول: لقد وضعت، كعضو في هيئة تحكيم جائزة “الكتاب الكبير”، أعلى درجة لألكسندر تيريخوف على روايته “الجسر الحجري”… لقد تناقشوا كثيراً حول روايته مع اختلاف النقاد المتخصصين المدهش والعجيب. بدت للبعض عديمة الصوت، وكادوا يصنفونها كأحد أوجه الواقعية الاشتراكية، وبدت تحفة حقيقية لآخرين. سنترك الحديث عن التحفة، إنما الانغماس الرائع في الزمن الستاليني، وفي أجواء الأربعينيات الواقعية يستحق الانتباه. كما أن الحدث والموضوع يغوي. يطلق على جسر حجري ابن مفوض شعبي ستاليني النار على حبّه الميئوس منه، ابنة ديبلوماسي ستاليني، ومن ثم يطلق النار على نفسه… تاريخ واقعي، ماض واقعي. رومانسية وتراجيدية معاً.
ويتحدث كاتب آخر من كتاب الأربعينيين عن زمن الحرب وما بعد الحرب، إنّه: أندريه غيلاسيموف، في روايته “ذئاب السهوب”، التي حازت على جائز “البيست سيلر الوطني” لعام 2009. نثر واقعي متين البنيان حسن النوع، ومعرفة لامعة للحياة ـ وللحيوانات والشعوب الرحل، وسكان قرى منطقة ما وراء البيكال.
ويعد كتاب الأديب البطرسبورجي أندريه أستفاتساتوروف “العراة” خرقاً جديداً من قبل جيل الأربعينيين، يبدو تارة متهوساً، وتارة غير لائق، وغير مهذب، لكنّه طيب ولطيف وخيّر في علاقته مع شخصياته العارية. إننا بحاجة للخير دائماً.
لقد سئم قراء الشعر من الأحاجي والألغاز الذهنية المبهمة متعددة الأوجه، وسئموا الابتسامة الهزلية الشريرة الحقود. لتكن هناك بهلوانية، وأية لعبة جنون، لكن على القارئ أن يشعر بروح بطله، وأن يصدقه.
من المعروف أنّ ألكسندر بروخانوف لا يشبه على الإطلاق لا البهلول ولا المهرج الساخر، لكن روايته الجديدة “العازف الماهر” التي خافت ثلاث صحف وخمسة دور نشر من طباعتها، والتي صمتت وسائل الإعلام حيالها، هي قريبة من أشعار يميلينسكي في دعوتها للتمرد. صراع رئيسي روسيا، وهلاك أحدهما، وخيانة الثاني واللعب معهما من قبل رئيس المجمع المتحايل الماكر المستعد لاحقاً للكتابة عن هذه الألعاب الشيطانية في روايته ـ وكل ذلك على خلفية انهيار الدولة الشامل.
هكذا يتبين أنّ السياسة تعود إلى النثر والشعر في جميع أوجههما. لنأخذ رواية “الغرانيق والأقزام” لليونيد يوسيفيتش يبين المؤلف فضلاً عن المواضيع والأحداث الشرقية التقليدية بالنسبة له، يبين وقبل كل شيء طابع البيرسترويكتنا وجميع سنوات تسعينيات القرن العشرين المخرب والمدمر والمهلك. ويطرح أسئلة حول: كيف نحمي أنفسنا في هذا العالم البيرسترويكي الذي اتخذ منحاً رأسمالياً مجرماً سافلاً مقرفاً شنيعاً، وكيف نحمي الروح، والأهم من ذلك كيف نحمي روسيا؟ الآمال والأحلام باطلة تقريباً ولا تتحقق لكنّها تملأ جميع أفضل كتب الزمن الأخير. وليس مصادفة أن ليونيد يوسيفيتش حصل في هذا العام على جائزة “الكتاب الكبير”. هذا مؤشر جيد، ودليل أنّه يمكن أن يتغير شيء ما في السياسة الثقافية.
تظهر الحياة الواقعية في كتاب الأشعار الصادر منذ مدة قريبة لـتيمور كيبيروف “الإغريقي ـ والأغاني الرومانية الكاثوليكية لمربي الأطفال”. المهم أنّ هذا الكاتب الروسي الأسيتي فارق النهلستية والبوفيغيزم. (النهلستية: العدمية، بوفيغيزم: فلسفة تعلم الإنسان التعامل ببرودة أعصاب مع تعاسة الآخرين. وتعلمه عدم التعامل عاطفياً مع إخفاقاته.). قد تكون الأحداث في وطنه أوسيتيا أجبرت الشاعر العبقري على تغيير علاقته بالحياة، وبالإبداع.
صدر كتاب من ثلاث مجلدات ليمخائيل تاركوفسكي. يبين هذا الكتاب أن خط شيشكوف، وبريشفينسكي، وريميزوفسكي في الأدب الروسي لم يختفِ أو يضيع. بماذا تتلخص عبقرية ميخائيل تاركوفسكي القريب نسباً بالموهبة من ابن جيله الأكبر فلاديمير ليتشوتين. يعيش ميخائيل كالسابق في ريفه في الغابة، غير مستعجل لقطع العلاقات مع الطبيعة المفهومة والقريبة إليه. قد يكون الأمل الأخير عند الروس متعلقاً بالطبيعة وحيويتها. فعالم الحيوانات وعالم النبات، والغابات، والحبوب، والأنهر، والسمك ـ لا تخون، وستبقى حية تتصارع حتى آخر رمق.
من المدهش أنّه في عشرات المقالات الأدبية المختلفة حول محصلة العام والعقد الأخير، التي كتبها مختلف النقاد، أمثال: فيكتور توبوروف، وأندريه نيمزير، وسيرغي بيلياكوف، وليف دانيلكين، لا ذكر لدميتري بيكوف على الإطلاق، وكأنّه غير موجود. يقول بوندارينكو: قد لا يكون بيدي ذكر مجادلي الشرير، لكنني أعتقد أن رواية “ج.د” أكثر أهمية وأثمن من العديد من الكتب التي ذكرها النقاد المتبصرون الحصيفون… أنتظر الآن صدور كتاب عن ليونوف في سلسلة “ج.ز.ل” لزهار بريليبين (ج.ز.ل :اختصار من ثلاث كلمات روسية: جيزن زامتشاتلينخ ليوديي: حياة أناس رائعين). يمكن وضع تصور عنه بعد الإطلاع على المقتطفات الكثيرة المنشورة في وسائل الإعلام. ويمكن توقع النقاش الذي يدور، علماً بأنّ ذلك أمر أكثر من مألوف عند بريليبين… يتابع بوندارينكو قائلاً: لقد أهداني يوري ماميلوف كتابه الجديد “مسيرة الروس في العالم المرهف”، حيث أخيراً وحد معاً سيروياليته، وصوفيته، وميتافيزيقيته ووحدها جميعاً مع الرؤية الوطنية العضوية المتجذرة لروسيا. لقد وُجَِد ماميلوفيان اثنان حتى ذلك الحين: واحد مؤلف “شاتونوف”، وغيره من الكتب المرعبة المريعة، والثاني ـ مؤلف البحوث الفلسفية الروسية ـ العظمى. لقد أصبح كفيلسوف المتنبئ والأب الأصيل (لليفروزيستفا) للأوربة المعاصرة، وأصبح كمتصوف ومفسر أسباب الشر متنبئاً ومعلماً لفلاديمير سوروكين. أما الآن فلقد اتحد هذان العالمان. اتحدا عضوياً تماماً. يقود الفيلسوف الوطني الأصيل وراءه أبطاله الصوفيين في روسيا المخطئة. يبدو أن رواية “مع روسيا على انفراد” قريبة إلى النثر الشوكشيني والراسبوتيني.
(يكمن مصدر وأصل الـ:يفرزيستفا: (الأوربة) في أفكار المفكرين السلافيان الأوائل، أمثال قنسطنطين ليونتيف، ونيقولاي ستراخوف، ونيقولاي دانيلوفسكي. لقد عارض دانيلوفسكي روسيا وأوربا، وأوجد مصطلح “النموذج الثقافي ـ التاريخي” ـ كتفسير للفروقات بين الروس والأوربيين، وميّز بين النموذج الرومان ـ ألماني، واليونان ـ بيزنطي كنموذجين متعارضين ومحددين شرطياً لمجمل مسيرة التطور التاريخي. لكن فكرة المؤلف العميقة التي تقول إنّ النموذج الثقافي ـ التاريخي لا يمتلك أبسط الأوضاع في المكان الجغرافي المحدد، تفرط في المبالغة وكأن “لا أهمية للجغرافيا على الإطلاق”. وفي هذه الحالة يلغى تماماً دور العامل الطبيعي ـ الجغرافي في صياغة الوعي الشعبي، الذي يعد مكوناً هاماً في ظاهرة “النموذج الثقافي ـ التاريخي”).
أسعد يوري بولياكوف قراءه، وتابع في أعماله “نافخ البوق”، و”القيصر الفطري”، البحث الناعم الساخر، الطيب الرصين في واقعنا المظلم. بولياكوف بطبيعته طيب الروح والقلب، على الرغم من أن الحياة تدفعه دائماً إلى جحيمها، لكنّه لا يستطيع الزعل أو الاحتدام غيظاً. كما أنني كنت مندهشاً من الهجوم على عزبته البولياكوفية والضرب الفظيع الذي تعرضت له زوجته الرائعة نتاشا… أية أخلاق فظيعة تسود في زماننا. التي تذكر ليس بنثر بولياكوف الساخر ـ الطيب، بل بـ”شاتونوف” ماميلوف، أو ضباع وذئاب البروخانوفية في رواياته الشيطانية. أ يتغير بولياكوف بعد هذه الحادثة القاسية المزعجة ويصبح عديم الرحمة وأكثر قسوة؟
إذا إردنا إيجاز بحثنا نقول:
لقد سئم الكتاب من التهميش، والتجرد من الزمن، سئموا اللعب لمجرد اللعب. خرجوا من التاريخ البعيد، ومن الخيال والطوباوية….
استيقظ اهتمام بالأدب بحد ذاته، وفي الأدب استيقظ اهتمام بالحياة الواقعية.
أ تكون هذه ضمانة أساس النهضة المقبلة في الأدب الروسي؟ نأمل ذلك!
طرطوس ـ صيف 2010 شاهر أحمد نصر




















