بعيداً عن الصحيح وغير الصحيح مما يتسربُ عن حوافزَ وضماناتٍ والتزاماتٍ، تنوي الولاياتُ المتحدة تقديمَها إلى إسرائيل، في مقابل تجميدِ الأخيرةِ أنشطتها الاستيطانيةَ في الأراضي الفلسطينية المحتلة ثلاثة شهور، ليتمَّ استئنافُ المفاوضاتِ المتوقفةِ مع قيادةِ منظمة التحرير، فإنَّ استهجاناً وفيراً يتصدّرُ المسألة كلها، ليس فقط لأنَّ الرئيس بارك أوباما كان أول من بادر بربطِ الوقفِ الكامل للاستيطان باستئنافِ التفاوض، بل أيضاً لأنَّ القضية في أصلها أن منتهى المفاوضات هو استعادة الأراضي المحتلة في 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية عليها.
وما من مسؤولٍ فلسطينيٍّ يمكنُهُ أنْ يقايضَ على هذه البديهية، أياً كان منسوب الاعتدال لديه، وأياً كانت مقاديرُ الثناءِ الدوليِّ عليه، على ما هو الرئيس محمود عباس عليه، من دون أنْ تُلزمَ الولاياتُ المتحدة الحكومةَ الإسرائيليةَ بأنْ لا تُقدمَ على تجويفِ المفاوضات من أهدافها، وعلى جعلها جلساتٍ عبثيةٍ لا ينجمُ عنها غيرُ مزيدٍ من الإحراجِ للقيادة الفلسطينيةِ أمام شعبها.
يشعرُ المتابع للأنباء المتواترةِ عن الحوافزِ والضماناتِ الأميركيةِ لإسرائيل، وكأنَّ الأخيرةَ لا تحظى بالدعمِ العسكريِّ والماليِّ المطلقين، ولا تحوزُ التغطية السياسية التامّة لما ترتكبُهُ من انتهاكاتٍ وجرائم واعتداءات.
يشعرُ وكأنَّ إسرائيل ستتعرّى من هذا كله من دون الحزمةِ الجديدةِ من الهدايا الأميركية لها، والطريفُ أنْ يُقالَ إنَّ أميركا ستضمنُ للدولةِ العبرية التصويتَ بحقِّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي بشأن أيِّ مشروعِ قرارٍ قد يدينها، إذ لا نتذكّر أن أميركا استنكفت عن حمايةِ إسرائيل في مجلس الأمن وفي كل الهيئات الدولية من أيِّ انتقادٍ أو مؤاخذة. وقبل أيام، كان مفضوحاً الدعم الأميركي لمحاولةِ تل أبيب ضم مساجد وأماكن فلسطينية إليها في «اليونسكو»، ما تمَّ إحباطُهُ بجهدٍ عربي مقدر.
أنْ تستعدَّ واشنطن لعرضِ ضماناتٍ أمنيةٍ مكتوبةٍ على إسرائيل، مقابلَ أن تُجمّدَ الأخيرةُ جرائِمها الاستيطانيةِ بعض الوقت، فذلك احتيالٌ مكشوف، لا يهضِمُه فلسطيني وعربي، فضمانُ الولاياتِ المتحدة أمنَ إسرائيل في صلبِ الاستراتيجيةِ الأميركيةِ منذ عقود، ولم يتكشّفْ يوماً أن شيئاً خدشَ هذه الاستراتيجية المؤكدة، ولا أضرَّ بالتحالفِ الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، وهذا معلوم لا تضيفُ إليهِ جديداً أيُّ ضماناتٍ وُعدَ بها بنيامين نتانياهو في واشنطن، ما يسوِّغ السؤال: ضمانات من أجل ماذا؟




















