هذا النص المأخوذ من "النيويورك تايمز" هو للمؤرخ الاسرائيلي بيني موريس استاذ تاريخ الشرق الاوسط في جامعة بن غوريون – وقد صدر له حديثا كتاب بعنوان "1948: تاريخ الحرب العربيّة – الاسرائيلية الاولى". اعتبر موريس زعيماً لتيار "المؤرخين الجدد" الاسرائيليين لكنه عاد واتخذ مواقف اعتبرت نكوصاً عن موقعه الناقد للتاريخ الرسمي الصهيوني.
يشعر إسرائيليون كثر أن الجدران – والتاريخ – تُطبِق على دولتهم التي يبلغ عمرها ستين عاماً، مثلما شعروا في مطلع حزيران 1967 قبيل شنّ إسرائيل حرب الستة أيام وقضائها على الجيوش المصرية والأردنية والسورية في سيناء والضفة الغربية ومرتفعات الجولان.
قبل أكثر من أربعين عاماً، طرد المصريون قوّة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة من الحدود بين سيناء وإسرائيل، وأغلقوا مضيق تيران أمام السفن والحركة الجوية الإسرائيلية، ونشروا ما يوازي سبع فرق مدرّعات ومشاة على عتبة إسرائيل. وقد وقّعت مصر سلسلة من المواثيق العسكرية مع سوريا والأردن وأرسلت جنوداً إلى الضفة الغربية. وراحت الإذاعات العربية تصدح برسائل عن دمار إسرائيل الوشيك.
بدأ الإسرائيليون، أو بالأحرى اليهود الإسرائيليون، يشعرون إلى حد كبير كما شعر أهاليهم في تلك الأيام الكارثية. إسرائيل هي الآن دولة أقوى وأكثر ازدهاراً بكثير. فعام 1967، كان هناك نحو مليونَي يهودي فقط في البلاد – الآن هناك نحو 5.5 ملايين يهودي – ولم يكن الجيش يملك أسلحة نووية. غير أن السواد الأعظم من السكان ينظر إلى المستقبل بتوجّس شديد.
للتوجّس مصدران عامان وأربعة أسباب محدّدة. المشكلتان العامتان بسيطتان. أولاً، على الرغم من الآمال الإسرائيلية منذ عام 1948 ومن معاهدتَي السلام الموقّعتَين مع مصر والأردن عام 1979 وعام 1994 على التوالي، لم يقبل العالم العربي والعالم الإسلامي الأوسع فعلياً قيام إسرائيل ولا يزالان يعارضان وجودها.
ثانياً، يخفّض الرأي العام في الغرب (وفي الديموقراطيات، ليست الحكومات بعيدة جداً عن الرأي العام) تدريجاً دعمه لإسرائيل بينما ينظر الغرب شزراً إلى معاملة الدولة اليهودية لجيرانها وسجنائها الفلسطينيين. تتحوّل المحرقة أكثر فأكثر ذكرى باهتة وغير فاعلة، وتزداد الدول العربية نفوذاً وإثباتاً لوجودها.
تواجه إسرائيل على وجه الخصوص مزيجاً من تهديدات قصوى. في الشرق، تبذل إيران جهوداً محمومة لتطوير مشروعها النووي الذي يعتبر معظم الإسرائيليين ومعظم الوكالات الاستخبارية في العالم أنه يرمي إلى إنتاج أسلحة نووية. يسبّب هذا، إلى جانب التهديدات العلنية بتدمير إسرائيل التي يطلقها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد – وإنكاره للمحرقة ولوجود المثلية الجنسية في إيران، مما يسلّط الضوء على افتقاره إلى العقلانية – التوتّر للقادة السياسيين والعسكريين في إسرائيل.
وفي الشمال، أعاد التنظيم الأصولي اللبناني "حزب الله" الذي يتعهّد أيضاً بتدمير إسرائيل وهو بمثابة وكيل لإيران، التدجّج بالسلاح منذ حربه مع إسرائيل عام 2006. بحسب تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، يملك "حزب الله" الآن ترسانة من 30 ألف إلى 40 ألف صاروخ روسي الصنع زوّدته بها سوريا وإيران – وهو ضعف العدد الذي كان يملكه عام 2006. باستطاعة بعض الصواريخ أن تصل إلى تل أبيب وديمونا حيث يقع المفاعل النووي الإسرائيلي. إذا اندلعت حرب بين إسرائيل وإيران، يمكن أن نتوقّع انضمام "حزب الله" إليها (وقد ينضم أيضاً إلى النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني المتجدّد).
وفي الجنوب، تواجه إسرائيل حركة "حماس" الإسلامية التي تسيطر على قطاع غزة ويتعهّد ميثاقها بتدمير إسرائيل وإخضاع كل شبر من فلسطين للحكم الإسلامي والشريعة الإسلامية. لدى "حماس" اليوم جيش من آلاف العناصر. وتملك أيضاً ترسانة كبيرة من الصواريخ – صواريخ "قسّام" محلية الصنع، و"كاتيوشا" روسية الصنع تحصل عليها الحركة بتمويل إيراني، وصواريخ "غراد" تُهرَّب عبر أنفاق من سيناء، ويغضّ المصريون إلى حد كبير الطرف عن هذا التهريب.
في حزيران الماضي، وافقت إسرائيل و"حماس" على هدنة لمدّة ستة أشهر. وقد انتهكت الفصائل المسلّحة في غزة دورياً هذا الهدوء غير المستقرّ عبر إطلاق صواريخ في اتجاه المستوطنات الحدودية في إسرائيل. وردّت الأخيرة بوقف شحنات الإمدادات المتّجهة إلى غزة بصورة دورية.
في تشرين الثاني ومطلع كانون الأول [الماضي]، كثّفت "حماس" هجماتها الصاروخية، ثم أعلنت رسمياً وبصورة أحادية انتهاء الهدنة. فأطلق الرأي العام والحكومة في إسرائيل يد وزير الدفاع إيهود باراك. وكانت خطوته الأولى الهجوم الجوي الشديد الفاعلية الذي بدأته إسرائيل ضد "حماس" يوم السبت [27 كانون الأول]. تحوّلت معظم المجمّعات الأمنية والحكومية التابعة لحركة "حماس" ركاماً، ولقي مئات المقاتلين من "حماس" مصرعهم.
غير أن الهجوم لن يحلّ المشكلة الأساسية التي يطرحها قطاع غزة الذي يقطنه 1.5 مليون فلسطيني مفقَر ويائس يحكمهم نظام متطرّف وتحاصرهم أسياج ومعابر حدودية تسيطر عليها إسرائيل ومصر.
إذا شنّت إسرائيل عملية برية واسعة النطاق لاجتياح قطاع غزة وتدمير "حماس"، فسوف تغرق على الأرجح في مستنقع أزقّة مخيّمات اللاجئين قبل تحقيق هدفها (وحتى لو تحقّقت هذه الأهداف بطريقة ما، لن يكون تجدّد الحكم الإسرائيلي على غزة لأجل غير مسمّى مستساغاً للمعنيين كافة).
في الأغلب سوف تحصل توغّلات صغيرة ومحدودة بهدف كبح إطلاق الصواريخ والقضاء على مقاتلي "حماس". لكن من المستبعد أيضاً أن تؤدّي هذه التوغّلات إلى إخضاع المنظمة – مع أنها قد تمارس ضغوطاً كافية في نهاية المطاف للتوصّل إلى هدنة موقّتة متجدّدة بوساطة تركية أو مصرية. يبدو أن هذا أكثر ما يمكن الطموح إليه، مع أن تجدّد الهجمات الصاروخية على جنوب إسرائيل ما إن تتعافى "حماس" من الضربة هو أمر أكيد تماماً مثل اليقين بتعاقب الليل والنهار.
التهديد الفوري الرابع لوجود إسرائيل داخلي، وتشكّله الأقلية العربية في البلاد. في العقدين الماضيين، أصبح المواطنون العرب في إسرائيل البالغ عددهم 1.3 مليون نسمة متشدّدين في مواقفهم، ويجاهر عدد كبير منهم علناً بأنه صاحب هوية فلسطينية ويتبنّى الأهداف الوطنية الفلسطينية. يقول الناطقون باسمهم إن ولاءهم هو لشعبهم وليس لدولتهم، إسرائيل. أظهر عدد كبير من قادة المجتمع العربي الإسرائيلي الذين يفيدون من الديموقراطية الإسرائيلية، دعماً علنياً إلى حد ما ل"حزب الله" عام 2006 ولا يزالون يطالبون ب"استقلال ذاتي" (من نوع أو آخر) وبحلّ الدولة اليهودية.
الديموغرافيا، إن لم يكن النصر العربي في المعركة، هي التي تحمل بزور حل الدولة اليهودية. معدّلات الولادة في صفوف العرب الإسرائيليين هي من الأعلى في العالم، مع أربعة أو خمسة أولاد لكل عائلة (مقارنة بولدين أو ثلاثة أولاد لكل عائلة لدى اليهود الإسرائيليين). إذا استمرّت النزعات الحالية، فمن شأن العرب أن يشكّلوا غالبية مواطني إسرائيل بحلول سنة 2040 أو 2050. ففي غضون خمس إلى عشر سنوات، سوف يشكّل الفلسطينيون (العرب الإسرائيليون إلى جانب من يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة)، غالبية سكّان فلسطين (الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط).
الاحتكاك بين العرب الإسرائيليين واليهود الإسرائيليين هو عامل سياسي قوي. عام 2000، في بدء الانتفاضة الثانية، قام آلاف الشبان العرب بأعمال شغب على الطرقات السريعة الرئيسة وفي المدن المختلطة إتنياً في إسرائيل، تعاطفاً مع إخوتهم في الأراضي.
وفي الأسبوعين الأخيرين، تكرّرت أعمال الشغب هذه، ولو على نطاق أصغر. يخشى يهود إسرائيل تعرّضهم لمزيد من العنف والإرهاب على يد العرب الإسرائيليين في المستقبل. ويرى معظم اليهود في الأقلية العربية طابوراً خامساً محتملاً.
القاسم المشترك بين هذه التهديدات هو أنها غير تقليدية. بين 1948 و1982، تعاملت إسرائيل بصورة جيدة نسبياً مع التهديد من الجيوش العربية النظامية. وبالفعل، ألحقت بها هزائم متكرّرة. غير أن التهديد النووي الإيراني وصعود منظّمات مثل "حماس" و"حزب الله" تعمل عبر الحدود الدولية ومن قلب مناطق مدنية ذات كثافة سكانية عالية، وتململ العرب الإسرائيليين المتزايد من الدولة وتماهيهم مع أعدائها، تشكّل مجموعة مختلفة كلياً من التحديات. وهي تحدّيات يبدو أن القادة والرأي العام في إسرائيل يجدون أن مواجهتها صعبة جداً، انطلاقاً من تقيّدهم بمعايير السلوك الديموقراطية والليبرالية الغربية.
أدّى شعور إسرائيل بإطباق الجدران عليها إلى رد فعل عنيف الأسبوع الماضي. نظراً إلى الوقائع الجديدة، لن يكون مفاجئاً إذا أعقب ذلك مزيد من الانفجارات القوية.
(ترجمة نسرين ناضر)
"النهار"




















