– عكا
تباهت وزارة الخارجية الإسرائيلية في موقعها الإلكتروني بتولي إسرائيل هذه السنة (2010) رئاسة ما يسمى “قوة المهمات الخاصة الدولية للتعاون حول التربية المتعلقة بالمحرقة (الهولوكوست) وتخليد الذكرى والأبحاث” (ITF) من خلال رئيس الكنيست الأسبق دان تيخون، وكذلك بأن هذه “القوة” ستحتفل بالذكرى السنوية لتأسيسها وستعقد الاجتماع السنوي لكامل هيئتها خلال الفترة ما بين 13- 16 من كانون الأول الجاري في مدينة حيفا.
وقد أنشئت (ITF) عام 1998 بمبادرة من رئيس الوزراء السويدي آنذاك غوران بيرسون، وتضم في عضويتها حاليا 27 دولة، تلتزم كلها بتطبيق السياسات والبرامج الوطنية دعما للتربية الخاصة بالمحرقة وتخليد الذكرى والأبحاث، وتتفق في ما بينها على أهمية تشجيع جميع الأرشيفات – سواء العامة أو الخاصة – لجعل الموادّ المتعلقة بالمحرقة التي تملكها أكثر سهولةً في الوصول إليها. كما أنها تشجع أشكالا مناسبة من تخليد ذكراها، فضلاً عن قيامها بتشكيل لجان متخصصة في ما يخصّ “معاداة السامية” و”إنكار المحرقة” وموضوعات أخرى..
ولا شك في أن هذا التباهي يوفّر مدخلاً لملامسة الوجود الطاغي للمحرقة في كينونة إسرائيل الراهنة، والذي دفع رئيسًا سابقًا آخر للكنيست، هو أبرهام بورغ، قبل بضعة أعوام، إلى تأليف كتاب خاص في هذا الشأن بعنوان “لننتصر على هتلر” انتقد فيه كون المحرقة تحدِّد شكل التصرفات والتفكير والاستخلاص، وفي آخر المطاف تصوغ هوية إسرائيل برمَّتها. وقال، من جملة أمور أخرى، إنه يتم استغلال ذكرى الضحايا كمبرِّر للسياسة الإسرائيلية عامة، ولسياسة التهجير والاحتلال والقمع في فلسطين خاصة. وكتب أنَّ “كلَّ شيء مسموح لنا، لأنَّنا عانينا من المحرقة، ولا يجوز لأحد أن يقول لنا ما يجب علينا فعله”. كذلك فإنه بواسطة الإشارة إلى الماضي المتمركز من حول المحرقة يتم في الوقت الحاضر الحفاظ على “الشعور بالتهديد المستمر”، على الرغم من أنه لم يعد ثمة ما يبرِّره منذ فترة طويلة.
وفي كل عام تحيي إسرائيل، بفارق بضعة أيام، يومين للذكرى هما يوم ضحايا المحرقة النازية ويوم الجنود الذين سقطوا في حروب إسرائيل. وتربط الصيغة الرسمية للحكومة وجهاز الدعاية والتربية والتعليم في إسرائيل بين “يومي الذكرى” هذين في إطار مقاربة ملخصها “من الكارثة إلى البعث”، على نحو يوحي أن أولئك قتلوا حين لم يستطيعوا القتال وأن هؤلاء قتلوا كـ “أبطال في الحرب”، ما يحيل إلى استنتاج واضح فحواه: كي لا تقع محرقة أخرى هناك حاجة للكثير من الجنود المستعدين لأن يقتلوا من أجل دولة إسرائيل. وهذه الطريقة ما زال معمولا بها حتى الآن، فالشبان الإسرائيليون المقبلون على التجنيد يؤخذون في مجموعات منظمة، بتشجيع من الحكومة والجيش في إسرائيل، إلى معسكر الإبادة أوشفيتز (في بولندا)، ويعودون من هناك وهم أكثر استعدادًا للتطوع للوحدات القتالية في الجيش. وقد أثبتت المحرقة حتى الآن نفسها كشعبة تجنيد ناجعة جدًا للجيش الإسرائيلي.
ويرمز يوما الذكرى إلى عبادة الموت الإسرائيلية… لكن في المراسم الرسمية ليوم ذكرى المحرقة يكثر الخطباء الرسميون من التحدث باسم ملايين الضحايا. ويبدو أن من المريح التحدث باسم الأموات، إذ يستطيع كل متحدث رسمي أن يلصق بهم مواقفه وتطلعاته، بينما لا يستطيع هؤلاء الرد. ولعله الوضع المرغوب فيه لزعماء إسرائيل، الذين حولوا المحرقة إلى سلاح سياسي فعال، وإلى مصدر لا يخيب للحصول على الأموال. غير أن ما يفسد الأمر في المراسم الرسمية لذكرى المحرقة هم الناجون الذين بقوا على قيد الحياة، ويعيش عشرات الآلاف منهم في إسرائيل في فقر مدقع، بعضهم لا يستطيع حتى تمويل شراء الدواء، ذلك بأن حكومة إسرائيل غير مستعدة لإعطائهم ما يستحقون الحصول عليه من مخصص حكومي يؤمن لهم عيشا إنسانيا كريما، علما بأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حصلت على مليارات كثيرة من الدولارات على حساب المحرقة، لكنها تلقي لهم من حين إلى آخر بالفتات لإسكات احتجاجهم الفاضح.
وعلى ذكر أوشفيتز لا بُدّ من ذكر مصطلح “حدود أوشفيتز” الذي صكه وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق آبا إيبان بعد حرب حزيران 1967 ووصف فيه حدود إسرائيل حتى تلك الحرب بأنها أشبه بحدود معسكر الإبادة هذا. ومؤخرًا استعار وزير البنى التحتية الإسرائيلية عوزي لانداو (من حزب “إسرائيل بيتنا”) هذا الوصف ليقول أمام آلاف المستوطنين الذين تظاهروا في القدس ضد تجميد البناء الاستيطاني إن على الحكومة الإسرائيلية رفض قيام دولة فلسطينية، مشيرًا إلى أن “من يقول بأنه يهتم بأمن إسرائيل وفي الوقت ذاته يطالبها بالعودة إلى خطوط وقف إطلاق النار للعام 1967 فإنه يقول عمليا بأن نعود إلى الحدود التي وصفها إيبان بأنها حدود أوشفيتز” – معسكر الإبادة الذي ما انفك يشكل المولد الرئيسي لذهنية المواجهة في إسرائيل حين تجيّره لتعزيز قوة الجيش والتمسك بسياسة التوسع الإقليمية.
“النهار”




















