أقر البرلمان الإسرائيلي الأسبوع الماضي وبصورة نهائية ما بات يعرف بـ”قانون الاستفتاء العام” الذي ينص على إجراء استفتاء في حالة إجازة الكنيست بأغلبية تقل عن الثلثين – ثمانين عضواً – أي اتفاق سلام ينص على الانسحاب من مناطق عربية محتلة تم فرض السيادة الإسرائيلية عليها في إشارة الى الجولان والقدس المحتلتين.
يعبر القانون بخلفياته وتداعياته عن المشهد السياسي الحالي في إسرائيل من دون تزييف أو تجميل والذي يمكن اختصار معالمه الرئيسية وخطوطه العريضة على النحو التالي:
يؤكد القانون حقيقة التآكل التدريجي ولكن المتواصل في النظام الديموقراطي الداخلي الهش الذي تم إرساؤه منذ ستين عاماً تقريباً، وأن إسرائيل هي ديموقراطية لليهود ويهودية للعرب حسب القاعدة الشائعة والصحيحة ولكن من الواضح أن الشق الأول لهذه القاعدة ما فتئ يتضعضع بشكل بطيء ولكن تدريجي ومتواصل مقابل تكريس الشق الثاني، وليس أدل على ذلك من حزمة القوانين العنصرية التي أقرتها الكنيست في دورتها الصيفية الماضية والتي تعتبر الأكثر عنصرية وتحريضاً ضد العرب وعموماً تبدو الدولة العبرية متجهة نحو المزيد من الفاشية والعنصرية والمرحلة الحالية تشبه مرحلة ما قبل صعود النازية في ألمانيا – ثلاثينات القرن الماضي – كما قال ذات مرة رئيس الكنيست المعتزل ابراهام بورغ.
يُظهر القانون كذلك مدى سيطرة وهيمنة اليمين المتطرف والعنصري على مقاليد الحياة السياسية والحزبية في إسرائيل، وهو بات يتحكم بالكنيست كما يشاء ويمرر القوانين وفق أجندته العنصرية فكرياً والمتطرفة سياسياً، وهذه الهيمنة مرشحة للاستمرار على المدى المنظور وحتى البعيد في ظل الانزياح المستمر للشارع الإسرائيلي نحو التطرف والانغلاق وغياب معسكر السلام واليسار وفق المعيار الإسرائيلي الداخلي طبعاً.
في ما يتعلق باليمين أيضاً فقد طرح في تسعينات القرن الماضي قاعدة السلام مقابل السلام كرد على عبارة الأرض مقابل السلام التي قامت على أساسها عملية التسوية – مدريد وأوسلو – آنذاك بمعنى أن إسرائيل غير مضطرة نتيجة لقوتها والضعف العربي المقابل، إضافة الى الدعم الغربي لها وتحديداً الأميركي، الى تقديم تنازلات وهي تتواضع عندما تقبل مجرد التوقيع على اتفاقات سلام مع الدول العربية مقابل حزمة إغراءات وتعويضات مادية وسياسية لهذه الدول. عملية التسوية انهارت وهي عملياً وصلت الى طريق مسدود لأن حكومات “الوسط اليسار- في إسرئيل أطلقت القاعدة الثانية وقصدت عملياً الأولى التي لا يمكن لأي مسؤول فلسطيني أن يقبل بها، علماً أن أفضل ما يفعله اليمين الإسرائيلي الآن هو عرض أو بالأحرى فضح السياسات الإسرائيلية على حقيقتها من دون التجميل أو التزوير التقليدي لحكومات العمل وكاديما خلال العقد الأخير.
قانون الاستفتاء الذي أيده مكتب رئيس الوزراء نتنياهو، بل وتحول الى غرفة عمليات لحشد التأييد وضمان الغالبية له، يعبر في السياق أيضاً عن جوهر التصور الإسرائيلي لأي تسوية محتملة مع الفلسطينيين حيث لا حديث عن حق العودة، ولا مجال للعودة الى حدود الرابع من حزيران، ولا تفاوض حول القدس العاصمة الأبدية ليس للدولة اليهودية بل ليهود العالم أجمع وما يتبقى ليس سوى الحكم الذاتي الموسع وهو الحل التاريخي لليمين مع تحديث أو تغليف براق وخادع تحت ستار حل الدولتين أي دولة يهودية الى جانب كيان فلسطيني يسمى مجازاً دولة من دون حق العودة ومن دون القدس ولا يقوم على كافة الأراضي التي احتلت في العام 1967.
بناء على ما سبق من معطيات فإن الاستنتاج الأهم الذي يمكن بل يجب الخروج به هو استحالة التوصل الى تسوية مع إسرائيل ككل ومع هذه الحكومة تحديداً مرة أخرى تثبت لنا حكومة نتنياهو أن وجهتها ليست نحو السلام بأي حال من الأحوال ووجهتها في الحقيقة نحو الحرب وتأجيج الأجواء في فلسطين والمنطقة- بل والعالم أيضاً – وبالتالي علينا كفلسطينيين وعرب مغادرة وهم التسوية معها التي لم ولن تؤدي الى أي نتيجة لا الآن ولا في المستقبل أيضاً..
() مدير مركز شرق المتوسط للإعلام




















