الجدال حول القرار بمجلس الأمن بشأن إيقاف النار الإسرائيلية ضد غزة، مُقلق ومخجل. ويأتي القلق من المعايير المزدوجة التي تسلك الولايات المتحدة في آخر عهد بوش الميمون بحسبها. فلا اعتبار للضحايا التي تسقط، والناس الذين يُشرّدون، والأهم بالنسبة لإسرائيل وأميركا أمران: وقف الصواريخ، وضمان عدم تسليح حماس من خلال الأنفاق. وهذه حُجّة أو هاتان حجتان لا تقفان على قدمين. فلا مقارنة بين صواريخ حماس، ونيران إسرائيل. أما تهريب السلاح فقد كانت هناك رقابة عبر المصريين والأوروبيين والإسرائيليين. وما جرى حتى الآن يُشعر بأن أكثر الصواريخ محلية الصُنع، وصواريخ غراد "غنمتها" حماس من السلطة الفلسطينية. والضغط الإسرائيلي الدامي الذي مورس حتى الآن، كاف لنشر مراقبين أو قوات تجعل من الأمرين معاً شيئاً صعباً جداً: إطلاق الصواريخ، وتهريب السلاح. أما أن المماحكة الأميركية مخجلة، فللفارق بين ما يُراد منعه، وما يجري القيام به. والأمر الآخر الأعظم والأفظع في أن إدارة بوش تتسبّب في تدمير مسار التسوية، الذي تقول إنها سعت إليه أو لترميمه بيديها ورجليها!
فالواقع أن إدارة بوش لا تريد بذلك خدمة إسرائيل، بقدر ما تريد إحراج الإدارة الجديدة للرئيس المنتخب. والشيء نفسه فعلته الإدارة مع اختيار الحاكم الجديد لولاية إيلينوي، وهو أسود، ومساعدوه سود أيضاً، لكي تُثير غضب الجمهور على "السود" الذين يوشكون ـ وهم أقلية ـ على احتلال كل المناصب!
سيواجه الرئيس الأميركي الجديد عندما يصل للبيت الأبيض بعد عشرة أيام أزمة كبرى في الشرق الأوسط أرادتها إيران، ونفّذت وقائعها إسرائيل وإدارة بوش الذاهبة أو المنتهية. الإيرانيون أرادوا وللمرة العاشرة إثبات نفوذهم بالمنطقة من العراق الى سوريا الى لبنان وفلسطين، أما الزعماء الإسرائيليون فأرادوا إثبات ثلاثة أمور: أن الجيش الإسرائيلي يملك قوة تدميرية هائلة، تُخيف كل المتربصين، وأنه على الإدارة الجديدة ان تتعامل مع "الأخطار" المحدقة بإسرائيل، ولا تكتفي بالذهاب للتفاوض مع إيران، وأنهم يستحقون النجاح في الانتخابات وليس نتنياهو، باعتبار حرصهم الشديد على أمن الإسرائيليين!
وإذا كان ذلك يُرتّب على إسرائيل وأميركا مسؤوليات صعبة، قد يكون من بينها تدمير فكرة التسوية فضلاً عن مسارها المتعثّر، فإن الاعباء بعد الفلسطينيين المعذبين، تقع على عاتق حماس، وعلى عاتق مصر، وعلى عاتق العرب الآخرين، وبينهم السلطة الفلسطينية. ان تقول حماس ان القطاع محاصر، وان التهدئة ما روعيت من جانب اسرائيل، فهو صحيح. لكن الوضع الذي كان عليه القطاع حتى يوم 19/12/2008 لا يقارن بالوضع الحالي بأي شكل. اي ان الوضع بدون مقاومة حماس، افضل بما لا يقاس مما هو عليه الآن، مع مقاومة حماس والفصائل الاخرى. والذي صبر على الحصار السنة ونصفاً، يستطيع الصبر شهرين مثلاً، مع تصاعد التذمر في المجتمع الدولي للحصار الاسرائيلي على القطاع. كيف فكرت حماس إذن؟، هل فكرت مثل حزب الله عندما شن غارته المشهورة في 12 تموز عام 2006، وهو يحسب ان اسرائيل لن تجيب بأكثر من اشتباك لساعتين او ثلاث، كما قال بعض مسؤوليه في البداية؟ لا أظن ذلك، لان تجربة حزب الله أثبتت غير ذلك، فقد كانت الحكومة الاسرائيلية وقتها في وضع ضعيف، ولا تستطيع تحمّل ضربة مثل تلك. ووضعها يوم 19/12 كان اصعب بكثير، وكانت لدى حكام اسرائيل دوافع لانتهاز الفرصة، تقوية للحكومة في الانتخابات واستعادة لمعنويات الجيش. ولو فرضنا ان حماساً كانت تهيء لمعركة لإثبات الوجود، فقد كان يجب ان تكون علاقاتها أفضل بمصر، وبالعرب الآخرين. وعلى العكس من ذلك، فهي فعلت في الشهرين الماضيين كل ما يمكن ان يسيء لصلاتها مع مصر على الخصوص، ومع العرب على العموم.
وإذا كان الفلسطينيون بغزة سوف ينظرون الى حماس شزراً بسبب الورطة الهائلة الناجمة عن ايقاف التهدئة، فانهم سينظرون بغضب الى مصر، التي أياً تكن مبرراتها؛ فإنها ما استطاعت ان تعبر عنها بطريقة مقنعة. وقد كان على الادارة المصرية، وهي تعلم منذ مدة بما يبيته الاسرائيليون وحماس ان تخرج بذلك الى العلن، فلا تبقي التحذيرات سرية وثنائية، أياً تكن الاعتبارات.
ويتحمل العرب جميعاً أعباء ومسؤوليات، ليس لأنهم لم يحاولوا ايقاف القتال، إذ هم يحاولون ذلك منذ أسبوع بل لأن امكانياتهم للضغط والتأثير ما استخدمت بطريقة مجدية، وبخاصة بعد ان اختلفوا علناً حول القمة الاستثنائية، ها هم يختلفون مرة اخرى، إذ هم يسعون لقرار في مجلس الامن، فتطلق مصر مبادرة تدعي اسرائيل الموافقة عليها، للتقليل من احتمالات صدور قرار عن مجلس الامن بوقف النار والعدوان.
ما عاد مهماً غير امر واحد الآن، وهو وقف اطلاق النار، وخروج العدو من المواطن التي عاد لاحتلالها بغزة. لكن حتى لو حصل وقف النار، فإن الاوضاع لن تعود كما كانت لا بالنسبة لحماس ولا بالنسبة لاسرائيل ولا بالنسبة للعرب.
"المستقبل"




















