كيف يميّز بين صاروخ "مقاوم" و"ممانع" يُطلق من جنوب لبنان على شمال إسرائيل وبين صاروخ "مشبوه" و"عميل" يُطلق أيضاً من جنوب لبنان ويوجّه نحو شمال إسرائيل؟!
ما يكون المعيار الذي على أساسه يقام التضاد بين هذا الصاروخ وذاك، فيدرج الأوّل في صف الكرامة ويلحق الثاني بركب الخيانة؟
لا جواب لدى الأكثرية الحكومية. عندها أنّ الأمور ليست مطروحة هكذا. في عرفها أنّ كلّ خرق لمندرجات القرار 1701 مذموم، ويعرّض لبنان للكارثة، وأنّ القرار 1701 ليس كتفاهم نيسان، أي أنه لا يمكن تبرير خرقه من الجهة اللبنانية ما أن يخرق من الجهة الإسرائيلية.
لا جواب كذلك الأمر لدى معارضة الثلث الحكوميّ المعطّل والمقاومة المسلّحة. إلا أنّ الأمور عندها مطروحة على هذا النحو.
لم تمتلك المعارضة المقاومة الممانعة معياراً محدّداً تميّز على أساسه بين الصاروخ الوطنيّ والصاروخ المشبوه، إلا أنّها قالت في البدء إن الصاروخ لكي يكون وطنيّاً ينبغي أن تتبنّاه المقاومة، والصاروخ لكي يصنّف مشبوهاً ينبغي أن تلعنه الممانعة، أما الصاروخ الذي لا تتبنّاه الممانعة ولا تلعنه فمؤجّل الحكم فيه إلى يوم يبعثون.
ثم أدخلت الممانعة فرع لبنان معطى كلامياً جديداً. قالت إن ثمّة صواريخ يمكن احتسابها في منزلة بين منزلتين. لا يؤدّي عدم تبنّيها إلى الحطّ من شأنها، ولا يؤدّي تحبيذها إلى تبنّيها. هي صواريخ وطنيّة ممانعة في "الباطن"، وعميلة ومشبوهة في "الظاهر". وحدها الممانعة بإمكانها التبرّؤ من هذه الصواريخ إن شاءت، وبمقدورها أيضاً الامتناع عن التعليق. أما الشركاء الآخرون في الوطن، فهم إذا تبرّأوا من هذه الصواريخ وضعوا أنفسهم في خانة الاتهام والعمالة.
لكن، عندما يُفتقد المعيار الذي يرجع إليه للتفريق بين صاروخ مقاوم وآخر مشبوه، أفلا يعني ذلك الافتقاد إلى معيار واضح للتفريق بين الوطنية ونقيضها، وبين الممانعة وما يضادها؟
أهل الممانعة يقولون إنّ لسان قيادييهم هو المعيار. هو المرجع الحصري لكل تمييز، وليس فقط لتقرير حال الحرب من حال السلم. لا معيار للمقاومة إلا تصريح المقاومة نفسها. مثل هذا التصريح هو معيار الانتصار أو الهزيمة، الصدق أو الكذب، الإخلاص أو التواطؤ.
في هذه الحالة لسنا أمام معيار. نحن أمام "ممانعة حادثة باليقين"، أي بزعم قدرة مطلقة على التمييز بين الصاروخ الوطني والصاروخ المشبوه، مع أنّهما من نفس النوع وينطلقان من نفس الجهة ويتبعان نفس الوجه، أو بين النظام الممانع والنظام المتواطئ، مع أنّه من المبهم إيجاد القرائن على ما يقدّمه الأول ويحجبه الثاني عن أبناء غزّة.
فمن أين يأتي هذا اليقين؟ اليقين الذي على أساسه يقال لفلان بأنّه وطني، ولفلان بأنّه عميل، وكذلك يميّز بين الصواريخ؟!
لعلنا هنا أمام ما هو أكثر خطورة من المعيار ومن اليقين. الممانعة تؤكّد أنّها البيّنة الوحيدة التي يفصل على أساسها بين الحق والباطل في كلّ شيء، مع اللعب في نفس الوقت بورقة التباس الحق باطلاً والباطل حقاً، أي لعبة "الالتباس البنّاء" كما في حال الصواريخ.
فبالضد من الفطرة التي تقول إنّه ينبغي على اللبنانيين أن يطمئنوا بعضهم بعضاً، يصرّ أهل "الالتباس البنّاء" على نسف كل إجماع وطنيّ بدعوى أنّه لا يجوز طمأنة إسرائيل من خلال تقديم معيار واحد يمكن على أساسه محاكمة كل الصواريخ المعدّة للإطلاق أو المُنطلقة بالفعل، في هذه المرحلة بالتحديد.
فإذا كانت طمأنة اللبنانيّ للبنانيّ هي خدمة مجانية لإسرائيل على ما تراه الممانعة، فإن إخافة إسرائيل، على طريقة الممانعة، هي من قبيل ترهيب اللبنانيّ للبنانيّ، وترهيب السوريّ والإيرانيّ للبنانيّ.
فالممانعة ترى أن قوّتها رهن ببقائها موضع خشية ورعب من كل اللبنانيين، سواء كانوا من الجمهور المؤمن بها، أو من الجمهور الجاحد بها أو الذي فتر إيمانه بها عبر السنين. الخشية والرّعب من الممانعة هما الإجماع الوحيد الذي يمكن أن يتحقّق بين اللبنانيين، وهو محقّق اليوم بالفعل، على ما تراه المقاومة.
والخشية والرّعب تتطلّبان أن تكون قوة الممانعة في التباسها، وقوة الصاروخ المشارك في الأزمة الإقليمية في التباسه، فلا يعرف أحد إن كان صاروخاً وطنياً أو صاروخاً مشبوهاً، ثم يحيطك الممانعون علماً بأنّه صاروخ وطنيّ في "الباطن" ومشبوه في "الظاهر".
والحال انّ المقاومة التي لا تؤمن بضرورة طمأنة مجتمعها، بل تحرّم على لبنانيّ أن يطمئن لبنانياًَ آخر، لا تعود مجرّد "مقاومة إيمانية" كما تصف علاقتها بالأيديولوجيا الدينية التي تنتمي إليها. تصبح أيضاً "مقاومة باطنية": غير ملتزمة بشرع ولو كان شرعها، ولا حدود بينها وبين الحقيقة لأنّها الحقيقة الحقيقة في كلّ شيء، الحقيقة التي تغلّف نفسها بالالتباس، والتي يلتبس أمرها على الداخل أكثر مما يلتبس على العدو.
.. مع ذلك تسابقت قنوات "الممانعين" الإعلامية قبل قنوات "المعتدلين" على طمأنة البال بأن العدو رجع صباحاً عن قراره وقف الدراسة في نهاريا، وبالتالي فإن أيّام فتح الجبهة الشمالية لإسرائيل لم تنقضِ بعد. في لحظة عابرة برز الممانعون هم أيضاً كمحبّين للحياة.. تلك الحياة التي صارت عندهم بمثابة التهمة، يوجّهها المذيع الممانع لضيفه الممانع وهو يتصنّع "الموضوعية" ويقول: لكن ما رأيك بمنطق جماعة "نريد أن نعيش؟".
ليست إرادة العيش في طمأنينة وسلامة تهمة. الرغبة في سلام يعمّ المنطقة بأسرها هي أيضاً ليست تهمة. في زمن التباس الصاروخ الوطني والصاروخ العميل فإنّ الحياة والسلام أفقان أساسيان للخروج من المحنة.
"المستقبل"




















