أمّا وأنَّ عمليةَ السلام تمرُّ في لحظةٍ صعبة، بحسبِ الرئيسِ الفلسطيني محمود عباس، كما أنَّ الانكشافَ الأميركي باتَ شديدَ الوضوح، على صعيدِ غيابِ الدور المتوازنِ المراهنِ عليه، فإنَّ المسألةَ تبدأ وتنتهي في الجانبِ الفلسطيني، والذي عليهِ بالضرورةِ إعادةُ أولوياتِه وتنظيمُ أوراقِه، أقله ليتوقفَ الانحدارُ المريع في المشهدِ الفلسطينيِّ، ومن تفاصيلِه الانقسامُ الحادثُ بين سلطةٍ مدنيةٍ لا حولَ ولا قوة لها في الضفة الغربية، وسلطةٍ عاجزةٍ محاصرةٍ لا تقدرُ على توفيرِ الاحتياجاتِ الملحّةِ لأهالي قطاع غزة.
ومن تفاصيله أيضاً غيابُ روحِ المبادرةِ وافتقادُ بدائلَ ينبغي أنْ تكونَ في ظلِّ تأزم عمليةِ التسويةِ، إذ يتأكَّدُ، للمرّةِ المليون ربما، أنَّ إسرائيلَ ليست في واردِ تقديمِ الاستحقاقاتِ المطالبةِ بها في ما يتعلقُ بهذه العملية.
وعندما لا يكونُ في وسعِ القيادةِ الفلسطينية، بعد إصرارٍ إسرائيليٍّ على الاستمرارِ بالاستيطانِ والتهويدِ في القدس وعمومِ الأراضي المحتلة، وبعد إشهارِ الولاياتِ المتحدّة تخليها عن مطلبِ تجميدِ الاستيطان لاستئنافِ المفاوضات، غير التوجّه إلى لجنةٍ في جامعةِ الدول العربيةِ معطلةِ الفاعليةِ، وإلى معاودةِ الحوارِ العبثيِّ مع الإدارة الأميركية، فإننا نكونُ أمام مداراةٍ فلسطينيةٍ ليأسٍ شديدٍ تغالبُهُ قيادةُ منظمة التحرير، وهي تبحثُ عمّا ينقذُها مما هي فيه، ومما صار عليهِ حالُها.
عندما نقولُ بدائلَ وأولوياتٍ فلسطينية، نجدُ أنفسَنا مدفوعين إلى التذكيرِ بوجوبِ إنهاءِ حالةِ الانقسامِ المؤسفة، وتحقيقِ المصالحةِ بين حركتي فتح وحماس، باعتبارها ضرورةً فلسطينية، لا تُحتمها فقط حقائقُ الاحتلال الإسرائيلي ونهبه اليومي للأراضي الفلسطينية وجرائم التقتيل التي يرتكبها في غزة وغيرها، بل أيضاً لأنَّ الانقسام حالةٌ شاذةٌ من المعيبِ استمرارُها واستعصاءُ إنهائِها منذ أزيدَ من ثلاث سنوات، سيما وأنّ مصالحَ فصائليةً هي التي تتغلب على المصلحةِ الوطنيةِ الفلسطينيةِ العليا، وتمنعُ وصولَ جولاتِ الحوارِ بين الطرفين إلى النجاح المشتهى.
ويذهبُ الحديث عن أولوياتٍ فلسطينية إلى وجوبِ اجتراحِ صيغةِ إجماعٍ وطنيٍّ شاملٍ، على خياراتٍ مغايرةٍ للانصرافِ إلى التفاوضِ سبيلاً وحيداً لإنجاز التحرر الفلسطيني، لا تكون انتحاريةً تودي بما تراكمَ من إنجازاتٍ وطنيةٍ، لكنها تُبقي في الوقت نفسِه أوراقَ المبادرةِ في يدِ الجانب الفلسطيني، سيما إذا ارتكزت على أهميةِ صمودِ الفلسطيني في أرضه، وتثميرِ كفاحِه الطويل ومسيرةِ نضاله من أجل نيلِ حقوقه في الاستقلال.




















