ربما تأخرت لجنة المتابعة العربية في مطالبة الولايات المتحدة بعرض “جدي” للسلام حتى تعود السلطة الفلسطينية الى المفاوضات. كما ان قرار اللجوء الى مجلس الامن من شأنه ان يزيد الضغط على اسرائيل كي تقبل بتجميد الاستيطان مدخلاً الى المفاوضات ويحرج الديبلوماسية الاميركية التي سلمت بفشلها في احياء عملية السلام.
لكن ماذا بعد ان اعلن العرب كلمتهم في مواجهة التشدد الاسرائيلي وفي مواجهة الاقتراح الاميركي الواهي بالدعوة الى اجراء مفاوضات متوازية مع الفلسطينيين واسرائيل حول قضايا الوضع النهائي؟
والى أي مدى يمكن الفلسطينيين والعرب الذهاب في “التمرد” على الطلب الاميركي بالعودة الى المفاوضات ليس بهدف إنقاذ عملية السلام وإنما بهدف إنقاذ ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما التي لن تكون سعيدة بإضافة فشل آخر الى سلسلة الاخفاقات التي تعانيها في السياسة الخارجية؟
ويمكن طرح هذا التساؤل بصيغة اخرى وعلى الشكل التالي: ألا يحق للفلسطينيين ان يرفضوا الدعوة الاميركية، على غرار ما فعل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو؟ رب قائل إن الرفض الفلسطيني معناه تمكين اسرائيل من المضي في فرض الامر الواقع اكثر في الضفة الغربية والقدس الشرقية وتالياً فإن الوقت لا يلعب لمصلحة الفلسطينيين الذين يتعين عليهم، وفق النسخة الاخيرة من الاقتراحات الاميركية، المسارعة الى الدخول في المفاوضات على القضايا الجوهرية وعدم إضاعة الوقت في انتظار قبول اسرائيل تجميد الاستيطان.
بيد ان الاميركيين لا يقولون للفلسطينيين على اي اساس سيخوضون فيه المفاوضات، وما هو عنوان التفاوض، وهل هو دولة فلسطينية بحدود 1967 والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية؟ ام ان المطلوب التفاوض على الاسس التي يراها نتنياهو مناسبة لاسرائيل ولضمان استمرار ائتلافه الحكومي؟
وفي الوقت الذي يرى الفلسطينيون كل تلك الحوافز الاميركية المقدمة الى اسرائيل وكل ذلك الاهتمام الاميركي بأمن اسرائيل، من أجل مجرد ان يقبل نتنياهو بالتفاوض من دون تجميد الاستيطان، فلماذا ليس من حق الفلسطينيين ان يطالبوا بدورهم ان يدخلوا المفاوضات هذه المرة مع ضمانات اميركية بأن الهدف هو الوصول الى دولة فلسطينية بحدود 1967، لا سيما ان مواضيع الصراع باتت معروفة ومحددة اكثر من مرة، ولن يجدي نفعاً التوصل الى اتفاق على اطار جديد للقضايا الجوهرية وهي القضايا عينها التي سبق وان حددها اتفاق اوسلو لكنها بقيت من دون تنفيذ بسبب عدم وفاء اسرئيل بالتزاماتها؟
لذلك صار لزاماً على الولايات المتحدة، اذا ما كانت جدية في تحركها، ان تتقدم هي بافكارها للحل وألا تكتفي بالاضطلاع بدور ساعي البريد. وبداية الجدية الاميركية تكمن في مثل هذه الخطوة. لكن لا يبدو ان ادارة اوباما في وارد الاقدام عليها نظراً الى المعارضة القوية التي تبديها اسرائيل في هذا المجال.
وما دامت واشنطن لا تجرؤ على مغادرة الموقع الذي حددته لها اسرائيل، فإن عملية التسوية ماتت فعلاً وقد تأخر العرب في ادراك ذلك. والقرار الذي اتخذته لجنة المتابعة العربية بعدم التفاوض الا بوجود عرض اميركي “جدي” هو الرد المناسب على التغاضي الاميركي عن المراوغة الاسرائيلية في عملية التسوية.
باتت الكرة الآن في الملعب الاميركي، فإذا ما كانت ادارة اوباما جدية في السعي الى السلام فعليها ان تغير نهج المسايرة لاسرائيل وتقلع عن تقديم الحوافز ولتجرب مرة اسلوب الضغط لأنه في اي حال سيكون أجدى من دفع الاثمان للدولة العبرية من دون مقابل، وهو اسلوب أثبت عقمه. وفي حال لم تكن الادارة الاميركية قادرة على ممارسة مثل هذا الضغط على تل ابيب فليس عدلاً ان تمارسه على الفلسطينيين فقط!
“النهار”




















