ليس مستغربا ان تُظهر تركيا إهتماما ملحوظا بمناطق أو دول قريبة أو بعيدة عن حدودها الجغرافية، كمنطقة آسيا الوسطى والجمهوريات فيها، ومنطقة البلقان والنزاعات الدامية التي وقعت بين سكانها، والحروب التي نشبت بهدف تعزيز النفوذ والهيمنة. اذ ان المطلع او المتتبع لمسار السياسة الخارجية في هذا البلد، منذ تولي حزب “العدالة والتنمية” الحكم عام 2002، ومنذ ان شغل احمد داود أوغلو، الذي يُطلق عليه” مهندس السياسة الخارجية التركية “منصب وزير الخارجية بعد ان كان مستشار الشؤون الخارجية لرئيس الوزراء ” رجب طيب اردوغان”، يلاحظ تنامي تيار التدخل عبر سياسة خارجية مرنة ونشطة عبر حوارات ومناقشات تقوم على مبادىء فصلها اوغلو في كتابه “العمق الاستراتيجي “للدولة التركية تهدف جعل بلده قوة كبرى.
من المعروف، ان المسألة البلقانية بدأت بالظهور على اثر تفسخ الاتحاد الفيدرالي اليوغسلافي، في نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتفاقمت مع عمليات التطهير العرقي في البوسنة والتوترات في كوسوفو. خرجت ازمات المنطقة شيئا فشيئا عن إطارها الاقليمي لتحتل مكانا مهماً في مركز النظام الدولي، وتشابكت التدخلات الخارجية الساعية الى بسط النفوذ والهيمنة. وطيلة عقد من الزمن وقعت في العديد من بلدان المنطقة حروب داخلية شرسة فعقدت اتفاقيات بين الاطراف المتنازعة ومع ذلك لم تنته الازمة الا بتدخل القوات المسلحة لمنظمة حلف شمال الاطلسي وفرضت حلا لهذه النزاعات، بحيث ان نهاية العقد الاخير من القرن الماضي شهد نهاية الاتحاد اليوغوسلافي وحلت محله دول اعلنت استقلالها الواحدة عن الاخرى .بقيت الديبلوماسية التركية خلال الحرب الباردة بمنأى عن هذه التطورات ولم تقم بأي نشاط مستقل ملحوظ؛ لكن بعد انتهاء هذه الحرب ابدت الديبلوماسية التركية اهتماما مؤثرا في المنطقة، لا سيما في ازمتي البوسنة والهرسك وكوسوفو. ولدى مجيء حكومة ” العدالة والتنمية” طورت هذه السياسة ودفعتها الى الانغماس الجاد للدفاع عن الارث العثماني، المتمثل في العرق التركي وفي الدين الاسلامي، بإعتبار، كما يقول أوغلو: “ان مصير الدولة العثمانية قد ارتبط بمصير البلقان”. ويضيف حزب “العدالة والتنمية” انه لا يمكن لتركيا ان تكون مؤثرة على الصعيدين الاقليمي والدولي ان لم تحافظ على تأثيرها في منطقة البلقان..
في هذا الاطار اتت قمة اسطنبول التي نظمتها انقرة في 25 نيسان الماضي وجمعت ثلاثة رؤساء التركي والصربي والبوسني، وجاء في البيان الذي تلا القمة وعُرف ب” إعلان اسطنبول”، ان الرؤساء توافقوا على ان يدعم كل منهم الآخر للانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وثانيا ضرورة تحسين المناخ العام في بلدانهم لجذب الاستثمارات الاجنبية لدعم التنمية الاقتصادية التي تشكل مدخلا ضروريا لاي استقرار داخلي. واستتباعا لهذه القمة، وتعبيرا عن اهتمام انقرة للبلقان، وتحت عنوان ” مصالحة شعوب المنطقة “، قام رئيس الوزراء التركي، في 11 تموز الماضي، بزيارة الى سريرينايكا في البوسنة الشرقية للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة عشرة لأبشع مذبحة عرفتها اوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث قتل فيها اكثر من ثمانية الاف مواطن بوسني من الرجال والنساء والاطفال ورميت جثثهم في امكنة متفرقة في المنطقة. ولدى القاء خطابه امام المحتشدين قال اردوغان: ” … رأيت اليوم سيدة بوسنية تصافح الرئيس الصربي بوريس تاديتش، مع انها كانت قد فقدت في المذبحة، منذ 15 عاما، زوجها واثنين من اولادها ( ..). قرأت في عيون هذه السيدة العزم والشهامة.. ما يلزمنا في هذه المنطقة السلام، حتى يكون لدينا امهات مثلها…”. لم يكن هذا الاحتفال, الذي حضره الزعماء المنتخبون الاتراك والصرب جنبا الى جنب، ثمرة الصدفة، بل كان بفضل التحضيرات التي قامت بها الديبلوماسية التركية في البلقان حيث منذ سنة بدأت عملية المصالحة بين الاقاليم السابقة للإمبراطورية العثمانية ومنها البوسنة وصربيا. وهكذا استطاعت تركيا من العودة القوية الى البلقان تحت شعار: احلال الامن وكفالته لكل شخص واحترام التنوع العرقي والثقافي لكل مواطن، وهذه من المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية للدولة التركية.
المستقبل










