لم يخفِ المستشار الإعلامي لنائبة رئيس “الجبهة الوطنية” الفرنسية مارين لوبن، متعته في 10 كانون الأول الجاري في ليون لدى حديثه عن نسبة المشاهدة العالية التي حقّقتها الأخيرة في الليلة السابقة على قناة “فرانس 2”: ثلاثة إلى أربعة ملايين مشاهد، وهو واحد من أفضل رقمَين حقّقهما برنامج A vous de Juger (الحكم لكم)، ونحو 2500 منتسب جديد إلى الحزب في الساعات التي أعقبت بث الحلقة، كما جاء في “لو جورنال دو ديمانش”. منذ أشهر، تشغل الشعبية التي تتمتع بها ابنة جان-ماري لوبن الطبقة السياسية، ولا سيما اليمين، إنما أيضاً اليسار. ومنذ 9 كانون الأول، ازداد القلق. فقد كان لأحد الأرقام وقع قوي جداً على النفوس. نالت مارين لو بن 27 في المئة من الآراء المؤيّدة، بحسب استقصاء “إيبسوس/لو بوان” لشهر كانون الأول الجاري، بتسجيل زيادة من خمس نقاط.
تجسّد لو بن، وهي محامية مطلّقة شابة وعصرية، استراتيجيا تهدف إلى التخلّص من السمعة السيئة للجبهة الوطنية من أجل توسيع قاعدة ناخبيها. يعلّق سيلفان كريبون، وهو باحث مشارك في مختبر “سوفيابول” في جامعة “باري-ويست” في نانتير “عبر تلميع صورتها، تنجح في رهانها. لا تريد مارين لو بن أن تكون الجبهة الوطنية حزباً احتجاجياً فقط، تريد الوصول إلى السلطة وهذا مستحيل بوجود القوى الحالية للجبهة الوطنية”. ولذلك نأت بنفسها عن “المجموعات الراديكالية والكاريكاتورية والفوضوية”، عن “أشخاص لا يمكن الاتّكال عليهم”، بحسب تعبيرها، “يمنعون الجبهة الوطنية من إبراز برنامجها الاقتصادي والاجتماعي”. تُقدِّم نفسها من جهة مناهضة للعولمة ومعارِضة لـ”الليبرالية المتطرّفة”، وتشجب من جهة أخرى “الهجرة الكثيفة”. وقد استبدلت عداء السامية بعداء الإسلام الذي أصبح “المرجعية المشتركة لليمين الشعبوي والقومي في أوروبا”، كما يقول إروان لوكور، عالم الاجتماع والاختصاصي في اليمين المتطرّف.
فبعد هجومها على الوجبات السريعة الحلال، أطلقت موضوعاً جديداً عبر تشبيه الصلوات التي يؤدّيها المسلمون في الشارع – بسبب عدم وجود أماكن مناسبة للعبادة – بـ”الاحتلال” [قالت في 10 كانون الأول الجاري في ليون خلال اجتماع داخلي للجبهة الوطنية “بالتأكيد، ليست هناك مدرّعات ولا جنود، لكنه احتلال ويلقي بثقله على السكّان”]. يحلّل جان-إيف كامو، وهو باحث في “معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية”: “يعتقد عدد من الأشخاص في اليمين أن الحكومة لم تذهب حتى النهاية في النقاش حول الهوية الوطنية، وهي تتوجّه إليهم”. كان رد الفعل، بعيداً من الاستنكار والشجب، فورياً. فقد تحدّث أمين عام “الاتحاد من أجل حركة شعبية”، جان-فرانسوا كوبيه، عن “خطر انتخابي” وطالب بإعادة إطلاق النقاش حول الهوية الوطنية، وكذلك بتعزيز المسائل الأمنية. وهو رد يُظهر، بحسب إروان لوكور، أن مارين لو بن “دخلت في سباق مع نيكولا ساركوزي والاتحاد من أجل حركة شعبية. سوف تلعب معهم لترى إلى أين هم مستعدّون للوصول في الاستحواذ على المواضيع التي تطرحها الجبهة الوطنية”. [في 15 كانون الأول الجاري، أظهر استطلاع أجرته صحيفة “فرانس-سوار” أن 54 في المئة من أنصار “الاتحاد من أجل حركة شعبية” يؤيدون كلام مارين لو بن عن صلاة المسلمين].
وفي اليسار أيضاً، يتصاعد التشنّج: 27 في المئة من المؤيّدين، “هذا كثير ومقلق”، بحسب رئيس الوزراء الأسبق لوران فابيوس الذي يضيف “تُوسِّع الجبهة الوطنية ميادين اختصاصها من الأمن والهجرة ومسائل الهوية إلى المواضيع الاقتصادية” عبر “التلاعب على المخاوف من تراجع الحالة الاجتماعية للأشخاص” والمشاغل بشأن التوظيف المرتبطة بانتقال المصانع والشركات وتراجع التصنيع. قد تسمح لها هذه المسائل بكسب تأييد ناخبين من الطبقة الوسطى يخشون فقدان مكانتهم ووظيفتهم. بيد أن خطر اجتذاب أصوات من اليسار “يتوقّف على العرض السياسي في الانتخابات الرئاسية: إذا ترشّح شخص مثل جان-لوك ميلانشون، الرئيس المشارك لحزب اليسار، فقد يكون بمثابة متراس”، كما يقول جان-إيف كامو. في مختلف الأحوال، تخشى الأحزاب التقليدية كثيراً رؤية مارين لو بن تسيطر على الناخبين الذين لا يُعتبَرون لا من اليمين ولا من اليسار، إنما يصوّتون بحسب الرهانات والمواقف التي يدافع عنها المرشّحون.
يُقدِّر الاختصاصيون في العلوم السياسية نسبة الناخبين الذين ليست لديهم أي انتماءات حزبية تقليدية بأكثر من 60 في المئة بقليل. في اللحظة الراهنة، تسعى مارين لو بن من خلال خطابها عن الهجرة والإسلام، إلى تحقيق غاية أخرى: أن تبدي آراءها في المواضيع التي تُعتبَر بمثابة طقوس في الحزب فيما تشنّ حملتها للفوز برئاسة الجبهة الوطنية. وفي مواجهتها مرشح آخر هو برونو غولنيش، رفيق جان-ماري لو بن القديم وأحد رموز التقليد. سوف يقسم مؤتمر تور الذي سينعقد في منتصف كانون الثاني المقبل، أنصار “الجبهة الوطنية”. قد يكون فوز ابنة لو بن أكيداً، إلا أنه يتعيّن على نائبة الرئيس أن تطمئن الناخبين الداخليين وتثبت أنها حازمة بقدر منافسها. هذه الحملة هي بمثابة اختبار لما يلي بالنسبة إليها، فهي ترى فيها “تمهيداً للانتخابات الرئاسية”.
“كورييه إنترناسيونال”
ترجمة نسرين ناضر
“النهار”










