واشنطن – جويس كرم
الحياة – 14/01/09//
غابت لهجة التحدي والخطاب الايديولوجي الذي طبع السياسة الخارجية الأميركية في الاعوام الثمانية الماضية عن شهادة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية المقبلة أمام الكونغرس. واطلقت كلينتون مفهوم استخدام «القوة الذكية» في السياسة الخارجية لبلادها، والتي تستند الى الآليات «البراغماتية والديبلوماسية»، متعهدة «نمطاً مختلفاً» للتعامل مع ايران وعملا دؤوبا لانعاش عملية السلام في الشرق الاوسط وتحقيق «الطموحات المشروعة للفلسطينيين»، ورص التحالفات و «ضمان مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة».
وعلى مدى خمس ساعات من الأخذ والرد، وافقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بالإجماع على تولي كلينتون حقيبة الخارجية خلفا لكوندوليزا رايس، لتدير التحديات الجمة التي تواجهها واشنطن والإرث الثقيل الموروث من ادارة جورج بوش، هذا الارث الذي عرفته الوزيرة الجديدة بحربي العراق وأفغانستان ومخاطر الحرب على الارهاب والأزمات المتشعبة بين غزة ودارفور والكونغو واسلام أباد.
ورسمت كلينتون، في كلمتها أمام اللجنة وفي حضور ابنتها تشيلسي كلينتون ومستشارتها الأقرب السفيرة السابقة ويندي شرمان، منعطفا في سياسة واشنطن بإعلانها «الافتراق عن الايديولوجية الصلبة والسياسة الانفرادية» والتي أتى بها المحافظون الجدد وصقور ادارة بوش العام 2000، مؤكدة أن «أميركا لا يمكن أن تحل الأزمات الضاغطة (في العالم) في شكل منفرد، كما لا يمكن أن يحل العالم تلك الأزمات من دون أميركا».
وعرفت كلينتون التي من المنتظر أن تضاعف موزانة الخارجية ودورها، بالتعاون مع وزير الدفاع روبرت غيتس، استراتيجيتها بأنها «مزاوجة بين المبدأ والبراغماتية، ولن تعتمد على الايديولوجية المتصلبة أو على العواطف والسياسات المتحيزة». ودعت الى انخراط وتعاون فاعل مع روسيا وتحسين الشراكة مع الصين، وتمتين العلاقة مع الدول الأوروبية، خصوصا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا و «الديموقراطيات الجديدة»، وإرساء نمط أكثر تعاونا في الأمم المتحدة لحل الأزمات، أو العمل مع الحلفاء خارج اطار المنظمة حين يعجز هذا التعاون عن تحقيق أهدافه.
وعن الشرق الأوسط، قالت الوزيرة إنه «فيما نركز على العراق وباكستان وأفغانستان، يجب أن نتبع نهج القوة الذكية في الشرق الأوسط»، وفي شكل «يتعامل مع حاجات اسرائيل الأمنية وفي الوقت نفسه مع الطموحات السياسية والاقتصادية والسياسية المشروعة للفلسطينيين». وفي أول تعليق للادارة الجديدة على التطورات في غزة، أكدت كلينتون أنه «لا يمكننا التخلي عن السلام» وأن أوباما «يفهم ويتعاطف مع رغبة اسرائيل في الدفاع عن نفسها من صواريخ حماس» انما في الوقت نفسه «نعي ونتذكر (عبر هذه الأزمة) الثمن المأسوي للنزاع في الشرق الأوسط والذي يدفعه مدنيون فلسطينيون واسرائيليون». وأشارت كلينتون الى أن ما يجري انما «يزيد اصرارنا واستثمار كل جهد في البحث عن اتفاق سلام نهائي يأتي بالأمن لاسرائيل وعلاقات ايجابية مع جيرانها»، كما يعني «الاستقلال والنمو الاقتصادي والامن للفلسطينيين في دولتهم».
كما تعتمد الاستراتيجية الاميركية في الشرق الأوسط على التعامل «بفعالية مع ايران لإنهاء برنامجها النووي ودعمها الارهاب واقناع ايران وسورية بالعدول عن سلوكهما الخطير والتوجه نحو نهج أكثر بناء اقليميا». ويتم ذلك، بحسب الوزيرة، عبر استشارات واسعة مع الحلفاء في «مصر والأردن والسعودية ودول عربية أخرى وشركائنا في الخليج» لتنسيق «تحرك متجانس» نحو حل الأزمات في المنطقة. واعتبرت كلينتون أن حيازة ايران على سلاح نووي امر «غير مقبول» وأن كل الخيارات تبقى على الطاولة، بما فيها الخيار العسكري. لكنها تحدثت عن «نمط مختلف في التعامل مع طهران»، يعتمد انخراطا ديبلوماسيا مكثفا و «بالتنسيق مع حلفاء واشنطن».
ورفضت كلينتون الاجابة عن سؤال رئيس اللجنة السيناتور جون كيري عن اعادة السفير الأميركي الى دمشق، مشيرة الى أن الادارة الجديدة «في صدد القيام بمراجعة شاملة للملفات».
كما كررت الوزيرة التزام الرئيس المنتخب الانسحاب من العراق، طبقا للاتفاق الأمني الجديدة، وتحويل الاهتمام الى أفغانستان مع تردي الوضع الأمني هناك، معتبرة أن الحرب على الارهاب تستلزم «استراتجية شاملة لتحسين عمل الاستخبارات والديبلوماسية والمعدات العسكرية لهزيمة القاعدة ومجموعات متطرفة أخرى».
في موازاة، حذر رئيس أركان الجيوش الأميركية الأميرال مايكل مولن من «العسكرة المتزايدة» للسياسة الخارجية لواشنطن، مقترحاً إيجاد مقاربة مدنية للمشاكل الدولية. وقال مولن في كلمة ألقاها أمام مركز «نيكسون سنتر» للبحوث: «يجب ان نظهر مزيداً من الإرادة لكسر هذه الحلقة، والاعتراف بأن القوات المسلحة لا تشكل بالضرورة الخيار الأفضل للإدارة».




















