ليس من شك في أن العدوان الاسرائيلي الغاشم على غزة المتواصل بضراوة منذ تسعة عشر يوما قد حقق هدفا واحدا وهو تسجيل رقم قياسي في اعداد الشهداء والجرحى المدنيين من النساء والاطفال والمسنين والرجال الابرياء في قطاع غزة الذين زاد عدد الذين امكن الوصول اليهم او وصولهم الى المستشفيات عن خمسة الاف مواطن بينما من المتوقع أن يكون الرقم الفعلي لضحايا العدوان المجنون على قطاع غزة اعلى من ذلك بكثير لان هناك من بقيت جثثهم تحت الركام وهناك من حال الاحتلال دون الوصول إليهم او انتشالهم من مواقع العمليات العسكرية.
واذا كان هدف قتل الابرياء او اصابتهم بتشويهات واعاقات وعاهات مزمنة هو السبيل إلى ترميم الردع الاسرائيلي الذي هشمته حرب تموز 2006 فمن المؤكد أن هذا النوع هو اكثر الانواع وحشية وأقلها تأثيرا على المدى الطويل لانه يزرع الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام داخل نفوس الاجيال الناشئة والطفولية من ابناء فلسطين وهم الذين يشكلون ثلاثة ارباع مواطني قطاع غزة وبالتالي فإن الردع باستخدام ورقة ترويع وقتل المدنيين هو الوصفة المؤكدة لاستمرارية الصراع بل وتصعيده إلى مستويات مخيفة خلال سنوات قلائل اي عندما يصبح هؤلاء الاطفال والصبية الغزيون شبابا ورجالا او نساء في المستقبل القريب.
والاشكالية أن اسرائيل مصرة على أن يكون ردعها للعرب من خلال القوة العسكرية المطلقة وحتى حين يتهاوى هذا الردع فإن المسؤولين الاسرائيليين يبذلون قصارى جهودهم وينفقون الاموال الطائلة سعيا وراء اوهام استعادته في الوقت الذي تخلى فيه الجانب العربي والفلسطيني الرسمي على الاقل عن خيار الكفاح المسلح واعلن عن السلام والمفاوضات خيارا استراتيجيا وحيدا وليس ادل على ذلك من أن احداث غزة المأساوية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ العربي الحديث لم تدفع بالحكومات العربية إلى سحب مبادرتها السلمية أو حتى تعليق هذه المبادرة إلى حين انتهاء العدوان الاسرائيلي الراهن على قطاع غزة في اقل تقدير.
وليس هناك من مبرر على الاطلاق لاستهداف المدنيين وهدم المنازل بالقذائف والصواريخ المستمرة على قطاع غزة دون انقطاع حتى في الساعات القليلة التي تعلنها اسرائيل كفترات تهدئة حتى لو كان هناك مقاتلون فلسطينيون وسط السكان المدنيين كما تدعي اسرائيل وكما نفت الهيئات الدولية فالمدنيون لا يحملون السلاح ومن واجب الدول المحاربة أن تبذل قصارى جهدها بموجب المواثيق الدولية لحماية المدنيين وعدم الاعتداء على ممتلكاتهم على العكس من تصرفات اسرائيل التي تستخدم القصف العشوائي فتقتل الابرياء وتدمر المنازل والمنشآت وتستولي بالقوة على البيوت لتتخذ منها مواقع عسكرية وثكنات للجنود.
إن الصورة النهائية لما بعد هذه الحرب العدوانية بدأت تتضح ملامحها من الان فلن تحقق اسرائيل نصرا في قطاع غزة حتى لو استطاعت احتلالها بالكامل لان الاحتلال مصيره الى الزوال مهما طال امره كما أن ارادة الشعب الفلسطيني وتصميمه على نيل حقوقه مهما كانت الوسائل والسبل لا يمكن احتواؤها او كسرها وسيتحقق السلام العادل والشامل على الرغم من المماطلات في مفاوضات السلام مع السلطة الفلسطينية من جهة، والعدوان الغاشم على غزة من الجهة الاخرى.




















