… قمة الرياض تؤكد وحدة الصف وتؤيد المبادرة المصرية واستشهاد صيام في يوم القصف المجنون
غزة، الناصرة، القاهرة، نيويورك
شهد العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة امس يوماً مجنوناً من القصف الذي طاول مجمعاً للأمم المتحدة ومبنى إعلامياً ومستشفى للهلال الاحمر الفلسطيني، وحصد مزيدا من الضحايا وصل عددهم منذ بدء العدوان الى نحة الف ومئة، بينهم وزير داخلية حركة «حماس» سعيد صيام الذي قتل مع ابنه وشقيقه في غارة على مدينة غزة، في حين توغلت المدرعات والقوات الخاصة الاسرائيلية مئات الامتار جنوب غربي مدينة غزة، وباتت تهدد وسط المدينة المحاصرة.
وعقد زعماء دول مجلس التعاون الخليجي قمة في الرياض تلبية لطلب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز ودرست سبل مواجهة استمرار العدوان الاسرائيلي على القطاع.
وأكّد وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، في مؤتمر صحافي عقب انتهاء القمة ليل أمس، أن القادة ركّزوا على تكثيف الجهود الخليجية، وتوحيدها لمواجهة التحديات، وعلى وحدة الموقف العربي والعمل سوياً لإنجاح قمة الكويت، وإعادة اللُحمة في جو من الوئام.
وفي رد على سؤال عن مبادرة السلام العربية، قال الوزوير السعودي: «المبادرة صالحة ولكن الطرف الاسرائيلي يتقاعس ويماطل لأنه لا يريد السلام ويبحث عن كسب المزيد من الأراضي». وأضاف: «إن المبادرة مكّنت العرب من اختراق مؤيدي اسرائيل حول العالم». وشدد على ضرورة أن تكون لأي قمة يراد لها النجاح جدول أعمال واضح لتكون هناك قرارات أكثر وضوحاً لكي لا تفقد القمة صدقيتها».
وأكد سعود الفيصل أن كل دول مجلس التعاون الخليجي أيدت المبادرة المصرية، وتمنت لها التوفيق، وإذا ما كان هناك ما يمكن لدول المجلس تقديمه لهذه المبادرة فلن يتردد أحد في ذلك.
وقال الامين العام للامم المتحدة بان كي مون انه يتوقع ان تتخذ اسرائيل قريبا قرارا مهما في شأن وقف النار.
وقال بان الذي اجرى محادثات مع المسؤولين الاسرئيليين امس ودعاهم الى وضع نهاية فورية للهجوم على القطاع: «فهمت ان الحكومة الاسرائيلية ستتخذ اليوم (امس) قرارا مهما في شأن وقف النار. وآمل بان يكون هو القرار الصائب». وقال مسؤول اسرائيلي ان الزعماء الاسرائيليين سيتخذون قرارا في شأن خطوتهم التالية بعد الاستماع الى المستشار الامني لوزارة الدفاع الذي اجتمع مع الوسطاء المصريين في القاهرة في وقت سابق امس.
ونقلت وكالة «رويترز» ليلا عن «حماس» ومصادر ديبلوماسية في غزة ان الحركة أبلغت مصر أنها ستوافق على وقف اطلاق النار لمدة عام قابل للتجديد في القطاع، اذا سحبت اسرائيل كل قواتها منه خلال ما بين خمسة وسبعة أيام وأعادت فتح المعابر الحدودية على الفور. وبحسب المصادر، طالبت «حماس» في اقتراحها بأن تضمن مصر والمجتمع الدولي استمرار فتح كل المعابر الحدودية المؤدية الى غزة، وابدت استعدادها لقبول نشر مراقبين أتراك. لكنها اعترضت على اقتراح بتمركز قوات من حرس الرئاسة التابع للرئيس محمود عباس في معبر رفح.
كما تريد «حماس» أيضا أن يشمل اتفاق الهدنة عقد مؤتمر خاص باعادة الاعمار.
في هذا الوقت، قالت اسرائيل انها تلقت وعدا من الولايات المتحدة بضمانات أمنية لمنع تهريب الاسلحة الى القطاع، في استجابة لاحد مطالبها الرئيسية للقبول بوقف النار، بينما اجرى مستشار وزارة الدفاع عاموس غلعاد محادثات لساعات في القاهرة التي اطلعته على ردود «حماس» على المبادرة المصرية التي لا تزال تصطدم بالخلاف على مدة التهدئة وترتيبات الانسحاب الاسرائيلي وآلية مراقبة الحدود.
ويجتمع في الكويت اليوم وزراء خارجية الدول العربية، تمهيدا للقاء الرسمي، وليس التشاوري، والذي يعقده القادة العرب الاثنين المقبل للبحث في الوضع في غزة. لكن الدوحة واصلت في هذا الوقت استعدادتها لاستقبال «القمة الطارئة» رغم عدم اكتمال النصاب. ووصل الى العاصمة القطرية امس عدد من الزعماء العرب الذين سيجرون مشاورات في حال لم تنعقد القمة.
ميدانيا، وبعد يوم من القصف المجنون على مناطق مختلفة من القطاع، ومحاصرة مدنيين بالنيران التي تصبتها الطائرات والدبابات والمدافع، شنت الطائرات الاسرائيلية مساء غارة على منزل شقيق صيام في حي اليرموك شمال مدينة غزة، فقتل مع ابنه وشقيقه. ونعت «حماس» القيادي الشهيد، واكدت انها ستنتقم لمقتله.
وقال ناطق باسم الجيش الاسرائيلي انه «في اطار عملية مشتركة للجيش الاسرائيلي والشين بيت (جهاز الامن الداخلي) قصفت طائرات منزلا» في غزة كان في داخله صيام وشقيقه أياد وشخص ثالث.
وصيام الذي كان كثيرون يعتبرونه من الوجوه المتشددة في «حماس» انشأ لدى توليه حقيبة الداخلية في حكومة اسماعيل هنية «القوة التنفيذية»، وهي قوة امنية تأتمر مباشرة به، وأدت دورا حاسما في اطاحة سلطة الرئيس محمود عباس في غزة. وهو عضو في «المكتب السياسي» للحركة وتعرض للسجن مرات عدة على ايدي القوات الاسرائيلية.
على الصعيد السياسي، ذكر مصدر مصري موثوق به لـ «الحياة» ان غلعاد ابلغ رئيس الاستخبارات المصرية الوزير عمر سليمان خلال محادثاتهما في القاهرة امس بأن «إسرائيل لا يمكن أن تنسحب من قطاع غزة وتضع جدولا زمنيا لهذا الانسحاب، طالما أن حماس ترفض تهدئة طويلة الأمد»، موضحا ان الدولة العبرية تربط الموافقة على جدول زمني بإيجاد آلية تمنع تهريب الأسلحة وتضمن وقف اطلاق الصواريخ. ونقل عن الاسرائيليين مطالبتهم بوجود قوات دولية على معبر فيلادلفي لمنع تهريب الاسلحة.
واشار المصدر الى ان الجانب المصري ابلغ غلعاد بموقف «حماس» التي سلمت قيادتها أول من أمس خلال اجتماع مع اللواء عمر قناوي كبير مساعدي الوزير سليمان ورقة تتضمن أربع نقاط، هي: وقف إطلاق النار مع انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة وكسر الحصار وتشغيل المعابر ثم الاتفاق على تهدئة تتراوح ما بين ستة شهور وسنة.
وقال المصدر ان «المصريين يتلقون رسائل استغاثة من كوادر للحركة في غزة ومن رؤساء مؤسسات ومن شخصيات فلسطينية لها مكانتها، وانهم بناء لذلك نصحوا وفد الحركة بالموافقة على المبادرة المصرية والقبول بالتهدئة وتغليب المصلحة الوطنية حتى يمكن وقف العدوان وحقن دماء الفلسطينيين».
ووصف المصدر اللقاء الأخير الذي جمع المسؤولين المصريين بقيادات الحركة بأنه كان «عاصفا» وأن مساعد الوزير سليمان حدثهم بلهجة حادة، كاشفا أن «الوزير سليمان لم يستقبلهم ولم يجر محادثات معهم، مكتفياً بالاجتماع الذي عقدوه مع مسؤولين برئاسة كبير مساعديه». وكشف أن «حماس» لا تريد «قوات دولية أو قوات من حرس الرئاسة بل تريد قوات تركية».
وفي دمشق، اكد رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» خالد مشعل ان أي تهدئة يجب ان تفي بمطالب الحركة التي لخصها بانها وقف العدوان اولا، وانسحاب القوات الاسرائيلية على الفور ثانيا، ورفع الحصار ثالثا، واعادة فتح جميع المعابر الحدودية ولا سيما معبر رفح رابعا. واكد ان حركته لن تقبل أي تحرك سياسي لا يفي بهذه المطالب.
من جانبه، قال نائب الأمين العام لحركة «الجهاد الاسلامي» زياد نخالة لـ «الحياة» انه «لا يمكننا التحدث عن تهدئة تحت النيران الاسرائيلية، والمطلوب من الدول العربية وقف المجزرة الجارية في غزة»، مشددا على رفض قوى المقاومة تهدئة طويلة الأمد، وقال إن «مصر طرحت تهدئة لمدة 15 عاما ونحن نرى أن ذلك بمثابة اتفاقية كامب ديفيد جديدة في ظل استمرار وجود الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية».
وارسلت اسرائيل وكيل وزارة الخارجية أهارون أبراموفتش الى واشنطن للحصول على «مظلة» اميركية لاي اتفاق ضمانات على الحدود المصرية مع قطاع غزة. وكشفت صحيفة «هآرتس» أن أبراموفيتش قام بزيارة خاطفة الى واشنطن للتباحث مع مسؤولين في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين وفي وكالات الاستخبارات الأميركية في سبل صوغ ضمانات أميركية لمراقبة دخول أسلحة إلى القطاع وفي المحاور التي تمر هذه الأسلحة فيها ومصادرها، على أن يتم تشديد الرقابة في البحر لمنع وصول صواريخ وأسلحة من دول أفريقية وصواريخ بعيدة المدى من ايران، إلى سيناء ومنها إلى قطاع غزة عبر الأنفاق. وتطالب إسرائيل بأن تشارك دول اوروبية و»حلف شمال الأطلسي» في عملية المراقبة.
وأفادت أوساط سياسية رفيعة ان إسرائيل تستعجل التوقيع على المذكرة قبل نهاية ولاية الرئيس الحالي جورج بوش، لتكون المذكرة ملزمة لإدارة الرئيس الجديد باراك أوباما. وأضافت أنه في حال تم التوصل الى مسودة اتفاق فإن وزيرة الخارجية تسيبي ليفني قد تتوجه إلى واشنطن اليوم للتوقيع رسمياً على اتفاق رسمي مع نظيرتها كوندوليزا رايس.
وبالفعل، اعلن مسؤول في مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ان واشنطن مستعدة لتقديم مثل هذه الضمانات، واوضح ان «رايس قالت ان الولايات المتحدة مستعدة للمساهمة في حل لقضية تهريب الاسلحة وتوقيع اتفاق حول هذه المسألة».
واجرى الامين العام للامم المتحدة محادثات في القدس المحتلة ورام الله امس، وابدى استياءه الشديد لاستهداف مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا) في غزة، وقدم له المسؤولون الاسرائيليون اعتذارهم متذرعين بان القصف جاء ردا على اطلاق نار استهدف قواتهم من المجمع المذكور، وهو ما نفته الامم المتحدة بشكل قاطع.
وقال بان ان الوضع الانساني في غزة لم يعد يطاق وانه لا بد من وقف اطلاق نار فوري ثم التفاوض حول تسوية جديدة لتهدئة طويلة الامد، وانتقد ايضا اطلاق الصواريخ على اسرائيل وطالب بضمان عدم اعادة تسليح حركة «حماس».
وفي نيويورك، حاولت إسرائيل قطع الطريق على انعقاد الدورة العاشرة الاستثنائية للجمعية العامة لبحث الأوضاع في غزة بذريعة تجاوز الجمعية العامة قانونياً صلاحياتها فيما مجلس الأمن منعقد لتناول المسألة، إلا أن الرأي القانوني للأمم المتحدة أحبط محاولات إسرائيل، وانعقدت الجمعية العامة أمس للاستماع إلى أكثر من 46 متحدثاً بينهم رئيس الجمعية القس ميغيل ديسكوتو ونائبه الأمين العام أشار – روز ميغيرو.
وتحدى ديسكوتو المندوب الإسرائيلي قائلاً: «ليتكم تكونون بهذا القدر من الدقة في تنفيذكم قرارات الأمم المتحدة التي صدرت طوال أربعين سنة». وأضاف: «انه لأمر مثير للسخرية أن تحاول إسرائيل اسكات الجمعية العامة وعزيمة الشعوب»، واصفاً اتهام إسرائيل له بأنه حاول اسكاتها، بأنه مجرد «كذبة». وأعلن «لن نسمح لكم أن تقطعوا الطريق على انعقاد الدورة، ذلك لأن لا شيء على الاطلاق يمنع الجمعية العامة من وضع ثقلها وراء قرار لمجلس الأمن مهما كان ضعيفاً، لا سيما عندما يُهمل تماماً».
وازاء تحدي إسرائيل قانونية استئناف الدورة الاستثنائية بسبب اصدار مجلس الأمن قراره في شأن غزة ولم يعطله استخدام أي دولة دائمة العضوية حق الفيتو، توجهت استراتيجية رئيس الجمعية العامة – بدعم من 118 دولة عضو في حركة عدم الانحياز – إلى الاكتفاء بغصدار قرار للجمعية العامة يركز على أولوية وقف اطلاق النار وتنفيذ القرار 1860 والحال الإنسانية الملحة في غزة.
ودعمت الدائرة القانونية للأمم المتحدة حق رئيس الجمعية العامة باستئناف الدورة الاستثنائية إذا تلقى طلباً من دول أعضاء، وأوضحت أنه يتمتع بهذه الصلاحية، وفي حال تحدي دولة ما لهذه الصلاحية، يمكن طرح التحدي إلى التصويت، حسبما قال سكرتير الجمعية العامة ناقلاً الرأي القانوني إلى المندوب الإسرائيلي. عندئذ تراجع المندوب الإسرائيلي بعدما حاول ثلاث مرات ولم يطلب التصويت تحدياً لممارسة الرئيس صلاحيته.




















