تكاد حرب غزة، وأكثر من حرب العام 2006، أن تُعمي الأبصار والبصائر. بيد أن أفظع ما فيها أنها تشير الى أننا لم نتعلم من الدروس السابقة شيئاً. فرداً على التحرك العربي باتجاه مجلس الأمن، والمبادرة المصرية، سارعت قطر (وسوريا) للدعوة الى قمة عربية استثنائية بحجة دعم غزة والنضال الفلسطيني. لكن في الحقيقة لتعميق الانقسام العربي، واجتراح دور تفيد منه قوى إقليمية ودولية. ولمنع الانقسام، وتثبيت المسار العربي في الاتجاه السليم، والحيلولة دون سقوط مجلس التعاون الخليجي تحت وطأة الضغوط الإيرانية، سارع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لدعوة قادة مجلس التعاون للاجتماع امس الخميس، أي قبل قمة قطر المفترضة بيوم واحد. وعادت قطر بعد أن فشلت في جمع النصاب للقمة لتوضيح موقفها في كلمة للأخير ليل الأربعاء ـ الخميس. وكانت الحجة أن أحداث غزة المأسوية من الأهمية بحيث تستحق اجتماعاً خاصاً بدلاً من "التشاور" على هامش قمة الكويت. وما كان واضحاً بعد ذلك ما دام الأمر بهذه الأهمية، ما هي مقترحات قطر بالتحديد لإنقاذ غزة، باستثناء أنه ينوي التبرع بـ250 مليون دولار للقطاع المنكوب. بيد أن اللافت هو ما أشار إليه رئيس دولة قطر من ضرورات الإجماع على مقاطعة إسرائيل، والقول بشكل ما (ربما لأغراضه الجماهيرية، أو للغرض الرئيسي الذي من أجله يُراد عقد القمة بالدوحة) انه ينبغي الخروج من مبادرة السلام العربية!
ولمن لا يعرف فإن مبادرة السلام العربية للسلام الشامل، تقوم بمجملها على القرارات الدولية التي لم تطبّقها إسرائيل او طبقتها بشكل مجتزأ. فإذا خرج العرب منها فإلى أي سقف، ثم ما هي البدائل؟ فالمبادرة وضعت العرب للمرة الأولى في العمل الديبلوماسي /السياسي في مواقع الهجوم، والكرة كلها في ملعب إسرائيل. وغزة التي يصر عليها الآن هي جزء من القرار الدولي رقم 242، والآخر رقم 338. لكن من جهة أخرى، وكما سبق القول؛ فإن إسرائيل لم تأبه بشكل عام للقرارات الدولية. ولذا فقد يجب علينا التفكير في الدوائر الاستراتيجية وفي أعمال مؤتمرات القمة، وبعد الخروج من مأزق غزة، في كيفية الذهاب الى طريق ثالث إن أمكن غير المسار التسووي الذي جرى سلوكه حتى الآن وبالكيفية التي جرى العمل عليها، مثل المصالحات الجزئية، واتفاقيات وقف إطلاق النار، والعلاقات السرية أو غير الرسمية مع إسرائيل. فالمبادرة العربية للسلام الشامل هي رؤية استراتيجية يوصل إليها بآليات قد تتضمن المقاومة كما تتضمن أو تحتمل المسارات الأخرى التي ما أجدت حتى الآن.
إن ما أقصده أن التفكير القطري يجري في سياقين كلاهما لا يراعي المصلحة العربية: سياق الإمعان في قسمة الفلسطينيين، وشرذمتهم ـ وسياق خفض سقف المبادرة العربية الى حدود شيء مثل خارطة الطريق أو اتفاقيات السلام المنفرد، لكي يقال بعد ذلك إنها لم تُجد وينبغي الخروج منها بما يتلاءم مع النهج الذي عبّر عنه السيد حسن نصرالله غالباً، وتحدث عنه رئيس الجمهورية الإسلامية محمود أحمدي نجاد، وبعض قادة حماس قبل الغزو الإسرائيلي وبعده.
ومن هنا فإن المحاولة القطرية الجديدة أو الدوحة-2 هي ولا شك عمل من ضمن المحور الإيراني ولصالحه. في الدوحة-1 قالوا لفريق 14 آذار اللبناني إنكم مغلوبون ومحتلّون، ولا بد من الانقاذ وخفض السقف، وقَبول دخول 8 آذار للحكومة، وقانون الانتخابات الفظيع. واليوم يقولون العكس لكن الموصل الى النتيجة نفسها. فاللهجة في الدوحة-2 عالية بحجة الدفاع عن أهل غزة، ونُصرة نهج المقاومة والتحرير. لكن المقصد هو نفسه الذي كان في الدوحة-1: تقسيم الفلسطينيين لصالح حماس، وإظهار مصر (والسعودية) بمظهر المستسلمين، وإيران ومن لفّ لفّها في مظهر المقاومين والمجاهدين. وعن ذلك عبّر نجاد في مؤتمره الصحافي بالأمس حين دعا الى إسقاط النظام المصري لأنه أنجز صُلحاً مع إسرائيل، ولأنه الآن لا يدعم المقاومة الحماسية. إنما المقصود إضعاف المحاولات العربية للتوحّد والخروج من المأزق، ومنع الامتدادات الدولية والإقليمية بداخل العالم العربي. وقد سبق للعبقري المجاور لقطر وزير خارجية البحرين أن اقترح جامعة إقليمية (تكون بديلاً للجامعة العربية) تضمّ فيما تضمّ تركيا وإيران وإسرائيل. وكان الرُباعي القطري الفرنسي التركي السوري قد اجتمع بدمشق قبل شهرين للغرض نفسه: أي التوتير مع مصر والسعودية، وتشجيع المفاوضات السورية مع إسرائيل، وتشجيع "المقاومات" في الوقت نفسه! فقولوا لنا كيف يكون ذلك، ولماذا تحالفات الأقليات السياسية والإثنية والطائفية، بديلاً للجماعة العربية الواحدة، والاستراتيجية العربية الواحدة؟ وكيف أيها المناضلون تريدون مصارعة إسرائيل، ولكم علاقات معها، وتريدون مصارعتها بالقدر نفسه الذي تحرصون فيه على مصارعة مصر والسعودية، وهل هناك عرب وعروبة من دون مصر والسعودية؟!
إذا كان هناك خلافٌ وانقسامٌ ناجمٌ عن تبعية أطراف عربية لدول إقليمية وجهات دولية؛ فينبغي أن يُقال ذلك علناً ومن دون تردّد، وأن يجري التعامل على هذا الأساس وعلناً، بدلاً من التكاذب بشأن التضامن العربي، والتضامن مع المقاومة. فقد تكون "حماس" بحاجة الى تحالفات مع إيران وسوريا والإسلاميين لمتابعة نضالها على طريقتها. لكنني لا أفهم، لماذا يكون علينا أن نُسلّم لهذه الدولة أو تلك بالدخول في محور رأسه محمود أحمدي نجاد، وبغرض زعزعة الداخل العربي، بحجة مصارعة إسرائيل، ثم يقال لنا: مقاصدنا حسنة، وأنتم تظلموننا، فحسْبُنا الله ونعم الوكيل؛ ونحن لا هُم؛ أللهم فاشهد.
"المستقبل"




















