تقف منطقتنا على مشارف تغيرات كبرى، لوقوفها عند نهاية مرحلة وبداية أخرى يبدو أنها ستختلف عنها في أشياء كثيرة، أهمها تلك التي تتصل بالحكم وطرقه وقواه، والدولة وأبنيتها وأساليب إدارتها وارتباطاتها الداخلية. ويتناقص يوميا عدد من يشكون في حقيقة التغيير الذي يتخلق أمام أعين العالم، في بلدان عربية عدة عامة وتونس ومصر خاصة. ولعل استجابة حكام كانوا يرشحون أنفسهم للبقاء في السلطة مدى الحياة، وسبق أن أوعزوا لبرلمانهم بإقرار التعديلات القانونية الضرورية لذلك، كالرئيس علي عبد الله صالح في اليمن، لمطلب عدم ترشيح أنفسهم من جديد، وتعهدهم أن لا يورثوا السلطة لأحد من أسرهم أو أحزابهم، خير دليل على الجو الجديد، الذي بدأ ينتشر في وطن العرب، معبرا عن تبدل موازين القوى بين الحكومات والشعوب، لو تنبأ احد قبل أشهر قليلة بأنه سيحدث في المنطقة، لقال سامعوه إنه يحلم ولسخروا منه. هذا التبدل في المزاج الداخلي، وهو في تقديري استراتيجي، سيكون من الصعب إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبله، وإلا زاد من يتابع هذا الهدف الأمور تعقيدا، وزج بوطنه ونفسه في مأزق لا مخرج منه، أقل تكاليفه مذبحة لا يعرف أحد عدد ضحاياها ومداها، من المستبعد أن يكون لحاكم أو محكوم الجرأة على القيام بها.
وهناك تبدل نلاحظه في المزاج الخارجي أيضا، نتج عن ركون القوى الخارجية إلى استقرار النظم العربية، واستبعادها وقوع تغيير مباغت فيها، وعن خطأ المعلومات التي جمعتها أجهزة الاستخبارات التابعة لها حول الواقع العربي. ومن تابع مواقف الدول الغربية من الحدث التونسي، لاحظ ما شابها من اضطراب وحيرة وتناقض، وكيف غيرت سلوكها خلال أقل من شهر من النقيض إلى النقيض، فعرضت في أيام التمرد الشعبي العون على حكومة زين العابدين بن علي، ثم تراجعت عن عروضها عندما بدأت ترى حقيقة ما يجري على الأرض، وتخلت أخيرا عنه وتركته يسقط.
بادرت الدول الغربية، وخاصة منها أميركا، إلى تحرك أسرع في مصر، خشية أن يفلت زمام الأمور من أيديها إذا ما نجح انقلاب ليست على تماس معه. ورغم نكتة القوى الموالية لمبارك عن كون الموقف الشعبي جزءا من «مؤامرة « أميركية تريد التخلص من مبارك ونظامه، فإن أميركا تعرف أكثر من أي أحد آخر معنى التحول الاستراتيجي الخطير، الجاري في العالم العربي، والمناهض لسياساتها، للأسباب التالية:
1- تحدثت أميركا دوما عن الاستقرار باعتباره هدفها الرئيس في المنطقة العربية. والاستقرار يعني بكل بساطة استمرار الوضع القائم، الذي يقال إن الولايات المتحدة عملت على قيامه، ثم ضمنته منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، ووضعت مخابراتها ومساعداتها العسكرية والمالية، وتنسيقها السياسي والأمني، في خدمته. وأكد كبار قادتها في تصريحات لا حصر لها أنهم يؤيدون النظم القائمة ضد البديل الحتمي، البديل الإسلامي القادم حتما إلى الحكم، إن اهتزت الحكومات القائمة أو ضعفت. الحل هو إذاً الاستقرار، مع إجراء إصلاحات تقوي السلطة وتجعلها قادرة على الصمود في وجه الخطر، وعلى تقليصه تدريجيا، بالسياسة وتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والقمع المكثف. لم يعلن أحد في واشنطن رغبته في تغيير نظم مستقرة كنظامي تونس ومصر، بل بادرت أميركا إلى دعم نظم ضعيفة كالنظام اليمني، عبر تدخل عسكري مباشر وعلني، ومؤتمرات دولية عقدت في الخارج الأوروبي والأميركي. وكما قال الأميركيون منذ كيسنجر إلى أوباما إنهم يفضلون التعامل مع أشخاص بدل التعامل مع شعوب، وإنهم ضد عودة المنطقة إلى المرحلة التي سبقت طي صفحة الثورة القومية العربية، الذي بدأ بانفصال الوحدة بين سوريا ومصر عام 1961 وتواصل من خلال هزيمة عام 1967، وتواصل بعد ذلك إلى ما شاء الله.
2- ليس التغيير مصلحة إسرائيلية. وما ليس مصلحة إسرائيلية ليس مصلحة أميركية أو غربية أيضا. إسرائيل تريد استمرار انهيار وضعف العرب، لأنهما يزيدان تفوقها عليهم، فليس من المعقول أن تؤيد تطورا لا تعلم إلى أين يقود، تعرف أن حملته والداعين إليه أعداء يضمرون لها كرها شديدا، ويقاومون نظامهم لأسباب كثيرة بينها موقفه منها، وسلامه معها، وتراخيه في دعم خصومها وأعدائها من العرب، وإخراج جيشه وشعبه من موازين القوى معها، وتركها تفعل ما تشاء في محيطيها القريب والبعيد. ليس من المعقول أيضا أن تتطلع إلى إسقاط نظام لعب طيلة عقود ثلاثة دور حاجز أمني رد عنها مخاطر انخراط عرب أفريقيا، وعلى رأسهم شعب مصر وجيشها القوي، في الصراع التاريخي الدائر على فلسطين، بعد أن كان قوة الصراع الرئيسة ضدها خلال عقدين على وجه التقريب.
3- وهذا هو العامل الأكثر أهمية : إن سقوط النظام العربي القائم، أو حدوث اختراقات فيه، أو تحوله إلى نظام مختلط، ستنشب فيه صراعات بين بلدان محكومة ديموقراطيا وأخرى معادية لها، وأخيرا انتقال البلدان العربية إلى نظام مسنود شعبيا ومجتمعيا يهدد بإعادة الوضع العربي إلى ما كان سائدا قبل احتواء الثورة القومية العربية، التي عانت أميركا الأمرين منها وصارعتها صراعا مريرا قبل أن تتمكن من إسقاطها، وتخاف أن تكون رداً عربياً تاريخياً جديداً على جريمة الانفصال وهزيمة حزيران، وما تلاهما من تطورات مديدة قادت إلى تمرد تحمله لأول مرة في تاريخ العرب قوة بقيت غائبة عن مسرح التاريخ، ولعبت أدوارها إما بالواسطة أو بصورة غير مباشرة، سواء عن طريق الجيش أو الأحزاب، هي المجتمع العربي بفئاته وقواه المختلفة، تطرح منظوراتها تحت حيثية جديدة هي النظام الديموقراطي كهدف، والحرية الفردية والشخصية كوسيلة، والاستقلال الوطني كغاية، مع ما يجب أن يترتب على ذلك بالنسبة إلى استعادة الحركة القومية المعادية للغرب وإسرائيل، وإعادة طرح مسألة الثروة العربية، وخاصة منها النفطية، وأدوار النظم التي تحرسها، والمال العربي وموقعه من تنمية الأمة، والعلاقات العربية/ العربية، وعلاقات العرب مع العالم، ودور الجماهير الشعبية في الصراع مع العدو الإسرائيلي، ومكان العرب كقوة هي الأقوى في الإقليم والشرق الأوسط، لن تراهن أي قوة إقليمية بعد ذلك على إضعافهم، ولعب دور يتطلب غيابهم أو تغييبهم، كما هو حاصل اليوم في أكثر من مكان، مع ما سيؤدي إليه هذا النهوض القومي/ الشعبي من طي وإنهاء الصراع المذهبي والطائفي، الذي انفجر على امتداد المنطقة بعد أفول العصر القومي وصعود نجم الحركات والدول الإسلامية.
هل لأميركا وإسرائيل مصلحة في تحول على هذا القدر من الجذرية والعمق والاتساع، لن يترك سياسة على حالها: دولية كانت أم إقليمية أم قومية أم محلية؟. ألا يبدل هذا التحول مجمل العلاقات الدولية، ومكانة دول العالم في عالمنا الراهن، ويمثل تحديا بالغ الخطورة لمصالح وسياسات الغرب عموما وأميركا خصوصا عندنا وفي العالم؟. وبأي شكل سيواجهه أعداء العرب، وهو الذي سيواجههما بتشكيلة تاريخية جديدة، وبسياسات تقوم على حداثة مفتوحة على تقدم اجتماعي وقومي لم يعرفه تاريخ منطقتنا من قبل، وترسي واقع العرب على أولوية مجتمع يحمل تحرره الذاتي، والمواطنة وحقوق الإنسان بما هما ركيزة الحياة القانونية والسياسية، وبنية الدولة وعلاقاتها مع مواطنيها ومجتمعها ومؤسساتها، والسلطة، التي ستكون سلطة من انتخبوها؟.
ماذا يعني هذا؟. هناك، بكل اختصار مصالح دولية وصهيونية ومحلية كبيرة إلى درجة تجعل التحول مسألة على قدر عظيم من الصعوبة، بعكس ما توحي به سهولة التغيير النسبية في تونس، وتؤكده مقاومة مبارك ونظامه للشعب في مصر، وتبدعه مخيلتهما من جرائم ضد محتجين مسالمين، يمثلون فئات المجتمع المصري مجتمعة. لقد أزفت ساعة التحول. هذا مؤكد، لكنه سيكون طويلا ومعقدا ومكلفا جدا، لأن أعداءه سيكونون له بالمرصاد: قبل بدايته، وبعد نجاحه، وبعده. والهدف: هو منع حدوث ما سبق عرضه من مستجدات ستبدل الظرف العالمي برمته، انطلاقا من منطقة جديدة ستكثف وقائعها سياسات وصراعات العالم اليومية لفترة يعرف الله وحده كم ستكون طويلة!




















