كلما شعرت إسرائيل بانتهاء حقبة ما من صراعها مع البيئة العربية المجاورة، انفتح عليها باب حقبة جديدة أكثر هولا وخطورة.
في المخطط العام، كان الصهاينة يعتقدون أن تخلصهم من مصر سيطلق يدهم في الوضع العربي عامة وأوضاع جيرانهم خاصة. لهذا ركزوا، بمعونة حاسمة جدا من امريكا، شريكهم في الإستراتيجية العامة المعادية للعرب، على مصر، التي قالوا إنها تشكل سبعين بالمائة من القوة العربية، وأن غيابها سيبدل معطيات الصراع التاريخي الدائر في المنطقة من أساسها. ونجحوا بالفعل في فصلها طيلة عقود ثلاثة ونصف عن بقية العرب.
كما وضعوها في مسائل مهمة ضدهم، حتى نشأ اقتناع عربي ومصري/ شعبي قوي بأن التقاطعات التاريخية بين مصالح مصر والمصالح العربية تشهد تحولات جذرية في طبيعتها ذاتها، وآمن قطاع واسع من الرأي العام العربي والمصري، الذي راقب عن كثب تصرفات حكومة مبارك في مسألتي مياه النيل/ العلاقة مع السودان والحرب ضد غزة، أن نخبة الحكم المصري تخلت حتى عن مصالح مصر ذاتها، بما في ذلك الحيوية منها كمياه النيل، التي لا حياة لمصر بدونها، بمعنى الكلمة الحرفي. هذا كله كان له معنى واحد هو تحول صارخ عن دور أي دور وطني للنظام، وأنه اسقط أدواره جميعها، وفي مقدمها دوره الاجتماعي والفرص الديمقراطية: الأول عبر تجاهل مشكلات الشعب الحقيقية كالبطالة والجوع، والثاني من خلال تجديد رئاسة مبارك لمرة سادسة، مع أنه أعلن عام 1981 أن كل من يرشح نفسه أكثر من دورتين رئاسيتين يكون خائنا لمصر، ثم عبر لعبة التوريث التي بدت خطيرة إلى درجة داهمة، تحول الدولة إلى ملكية وراثية، أو ما صار يسمي بتعبير ساخر ‘ جملكية ‘( جمهورية / ملكية )، يريد حكمها حتى بعد موته!.
هذا الرهان الإسرائيلي على إخراج مصر من العالم العربي، ثم على تطويقها ومحاصرتها وإرباكها وإضعافها، بدأ يفشل، أو صار مهددا بالفشل على أقل تقدير، بسبب الانتفاضة الشعبية الهائلة ضد النظام، واحتمال انتقال مصر إلى وضع جديد مغاير تماما لوضعها الراهن، يرجح أن يعيدها إلى دورها التاريخي، الذي بدأ مع حكام مصر الفراعنة، الذين كانوا يرسلون جيوشهم أو يخرجون على رأسها حتى إلى شمال سورية وفي أعماق منطقة الأناضول، بمجرد أن يدخل غاز إلى المنطقة، لاعتقادهم أن أمن مصر يبدأ من هنا، وصولا إلى نظام جمال عبد الناصر، الذي رفع دور مصر القومي والإقليمي إلى ذروته، ليس فقط بتحقيق وحدة سياسية أقامت دولة موحدة بين مصر وسورية عام 1958، بل كذلك بالاندفاع إلى صد الخطر الإسرائيلي عن سورية عام 1967، وما سبق ذلك وتلاه من معارك هائلة في المجال العربي، طواها السادات مقابل انضوائه في إطار سياسي علائقي مختلف: أمريكي/ إسرائيلي، من المؤكد أنه لن يبقى على ما كان عليه بعد أيامنا، نتيجة الغليان الشعبي الذي يعصف بمصر ويرجح أن ينتقل إلى بلدان عربية أخرى، بينها بلد عقد ‘سلاما’ مع إسرائيل سيكون من الصعب جدا عليه مواصلة سياسته الراهنة تجاه إسرائيل، هو الأردن.
لن تستطيع مصر، حتى إن أمكن إنقاذ نظامها الحالي، الاستمرار في قبول تهميشها قوميا ووطنيا. ولن يكون بوسع أي طرف يحكمها متابعة السياسات العربية نفسها والمواقف ذاتها، التي اعتمدها نظامها في مسألة حياة وموت كمسألة مياه النيل وجنوب السودان، فضلا عن مواقفه تجاه الشؤون العربية المختلفة : من العراق، إلى الخليج فاليمن وشمال أفريقيا العربي إلى أفريقيا جنوب الصحراء، فضلا عن الشؤون الدولية، ومواقفه من أوضاع مصر الداخلية، التي اتسمت في زمن مبارك بصفات جعلتها تبدو غريبة عن وطنها وشعبها والعرب، كثيرا ما قارنها المصريون مع سياسات الاحتلال البريطاني في مطالع القرن الماضي، التي اتصفت بقدر كبير من الشدة، وقامت على الإيقاع بين المصريين وإثارة الفتن في صفوفهم، و’على حكم من يحكمون مصر’، حسب قول مندوب بريطانيا السامي اللورد كرومويل، في رد على سؤال حول أسلوبه في السيطرة على بلاد النيل.
بعودة مصر إلى العالم العربي، ستجد إسرائيل نفسها في مواجهة المعضلة التي أرقتها وأقلقتها دوما: عنيت تطويقها من جميع الجهات بدول عربية معادية، ودخول القوة المصرية، التي تعتبر العاشرة في العالم، كما يقول خبراء كثيرون، على خط توازن القوى بين العرب والعدو، وسط مخاطر تأتي من الشرق والشمال، وظهور عاملين جديدين في الصراع ضدها، هما: مقاومة قاتلتها بنجاح في لبنان، ودولة تنادي بالقضاء عليها، تعمل على امتلاك سلاح نووي هي إيران، فمن المرجح أن يفضي تغيير دور الجيش المصري من إسرائيل إلى طرح تحديات أمنية شديدة الخطورة عليها، ستأتي من خاصرتها الجنوبية، وتضاف إلى تغيير مهم سيشهده موقف مصر من علاقاتها الحالية مع امريكا، التي جعلتها جزءا عضويا من إستراتيجيتها المعادية لبقية العرب والعاملة للسيطرة عليهم. ولا شك في أنها ستنعكس على سياسات واشنطن، وستعزز ما تتعرض له من تحديات وصعوبات هنا وهناك، وما ستشهده من إرباكات قبل أن تستعيد توازنها أو يتبين لها إلى أين ستذهب أمور المنطقة، وماذا يجب عليها أن تفعل لاحتوائها أو التصدي لها.
ثمة تحول تاريخي فائق الأهمية بانتظار منطقتنا العربية، ستكون إسرائيل هدفه الرئيس وضحيته. وقد عبر رئيس وزرائها الحالي، نتنياهو، عن قلقها في اتصالات مكثفة أجراها مع قادة امريكا وبريطانيا وربما غيرهما من دول غربية، كما في زيارته إلى منطقة الحدود المحاذية لمصر بصحبة جنرالاته الكبار، وأخيرا في تصريح أطلقه البارحة وجدده اليوم (الثلاثاء والأربعاء الماضيين) يطالب حكام من يعتقد أنهم سيكونون حكام مصر الجدد باحترام معاهدات السلام التي عقدتها مع بلاده، بينما تصاعدت التحذيرات المهددة من صحافة العدو وأحزابه وقادته، وفيها من الخوف والقلق الكثير، وغير المسبوق، والثقة بأن أيام مبارك غدت معدودة.
ومع أن أحدا من قادة التمرد الشعبي المصري لم يقل شيئا حول سياسات النظام الجديد تجاه إسرائيل والسلام، فإن من المؤكد أن مصر القادمة لن تتمكن من مواصلة سياسات النظام الحالية، سواء تجاه فلسطين أو البلدان العربية الأخرى، أو في أفريقيا، وأنها ستجد نفسها مجبرة على العمل لاستعادة دورها القيادي في العالم العربي، بعد أن فقدته مقابل قيد إستراتيجي أسموه معاهدة سلام، ونعلم جميعا أنه سيضعها مجددا في مواجهة الولايات المتحدة والعدو، خاصة وأنه يرجح أن تسترد بصورة مؤكدة مكانها من وطنها العربي، ودفاعها عن مصالحه ودفع الظلم عنه، قبل كل شيء في فلسطين: النقطة المركزية في الصراع مع إسرائيل.
كلما شعر العدو بالراحة، نتيجة تردي الوضع العربي، وضعف النظم العربية، وانقسام العالم العربي على نفسه، وتناقض سياساته وحكامه، ظهر تطور عربي في موقع ما من عالم العرب، يعيد تذكير الصهاينة بكونهم كيانا غريبا عن منطقة لن تقبل بهم أو تستكين لوجودهم فيها، فكيف إذا كانوا يتصرفون وكأنهم صاروا سادتها، الذين يجب عليها الخضوع لهم دون قيد أو شرط!.
واليوم، لا شك في أن إسرائيل تجد نفسها أمام معضلة جد صعبة هي تبدل دور مصر من نفسها وعالمها العربي والعالم، لا شك في أنه سيفرض على العدو فصلا جديدا في صراعه مع العرب، لن تكون مصر بعيدة عنه، بل في قلبه، مع ما سينجم عن ذلك من مشكلات عويصة ستجد نفسها في مواجهتها، علما بأنها لن تشبه ما سبق لها أن واجهته، لأن نظام مصر الجديد لن يشبه على الأرجح النظم التي سبق لها أن واجهتها، وهزمتها… عبثا، كما تؤكد انتفاضة شعب مصر الحالية، التي ستعيد إسرائيل إلى نقطة صفرية في علاقاتها مع مصر، مع ما تضمره من احتمالات وممكنات لا سيطرة لها عليها، في مصر استعادت قرارها!.
يعلن الصهاينة عن قلقهم من تطورات مصر بصورة لا لبس فيها. لو كنت مكانهم لا سمح الله لقلقت كثيرا، فما يجري قد يكون بداية النهاية للمشروع الإجرامي، الذي يقبع اليوم في فلسطين، وقد يقتلعه التحرر العربي من جذوره في زمن غير بعيد، إن سارت الأمور إلى نهايتها المأمولة!.
‘ كاتب وسياسي من سورية




















