الحياة – 18/01/09//
لئن كان ظاهر كتاب «نقد ثقافة التخلف» للناقد والمفكر جابر عصفور (الشركة المصرية للنشر العربي والدولي- 2008) يوحي بأنه جمع لمقالات نشرت في الصحافة العربية، فباطنه يؤكد خلاف ذلك تماماً، لأن المقالات هنا منتقاة بعناية وحرص بالغين، وهي مرتبة ترتيباً دقيقاً. فالترتيب والانتقاء لا يخضعان لعامل الصدفة، بل ينضويان تحت وصف بلاغي لا تنقصه الأناقة؛ الطي والنشر، إذ ينطوي الكتاب على فكرة رئيسة قوامها المقابلة بين مجموعة من الثنائيات: الاتباع والإبداع، العقل والنقل، الرقابة والحرية، التديين والتمدين، المرأة والرجل، السلطة والعامة… وتتكفل المقالات بنشر هذه الثنائيات من خلال تحليل عميق يربط جناح الماضي بجناح الحاضر، مستخلصاً من التراث دروساً وعبراً، ومتأملاً في حال «حداثة» ملتبسة، لكأنها تعيد الكرة التي أوصلتنا إلى ذاك «الظلام الذي خيم طويلاً حتى مشارف النهضة العربية الحديثة، تلك التي لم تبدأ إلا بعد أن سعت إلى إعادة الاعتبار للعقل وفتح باب الاجتهاد وتحطيم السلاسل الجامدة للتقليد، ولا يزال السعي مستمراً».
ولا يخفى أن ثمة انقطاعاً حقيقياً يتطلب استمرار السعي، وأن دورةً بدأت في عصر النهضة ثم انفرط عقدها، الأمر الذي يبرر زيارة الشيخ المستنير محمد عبده للنظر في دوره المهم وفي ما «أسسه هذا الشيخ من فصل للمقال في ما بين الحكمة والشريعة ومبادئ المجتمع المدني من اتصال»، لتتكشف صورة بهية عما أمكن إنجازه، آن اجتمعت العقلانية مع الاجتهاد، وتم تحديث أنظمة التعليم، وتأصيل مبادئ الدولة المدنية، وغيرها من الأمور التي لم يكن الطريق معبداً إليها، ففي دائرة المؤسسة الأزهرية مثلاً، كان النموذج المناقض – نموذج الشيخ التقليدي – يظهر ممانعةً كبرى، ما دفع الشيخ محمد عبده إلى «التفكير في إنشاء معهد علمي جديد، مدني الطابع في معنى أو آخر، لنشر فكر الإصلاح وإشاعة أفكار النهضة»، ليغدو التفكير واقعاً. فقد أنشئت الجامعة المصرية نتيجةً لاتصال الشيخ بأحمد باشا المنشاوي، وغيره من رجالات النهضة وعلى رأسهم قاسم أمين الذي «قيل إنه استعان بالشيخ محمد عبده في بعض فصول كتابه تحرير المرأة».
الكلام عن المرأة وتحريرها، يحيل على مجموعة من المقالات المكرسة لها، فيها ما فيها من بحث وتحليل لدلالات ما قيل عنها :«إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول»، وأثره السلبي في المجتمع، لتكون نتيجة قول مماثل «نُقلَ» من دون إعمال العقل (مناسبة القول وسياقه)، متوافقةً مع قول ثان لا يقل عنه تخلفاً: «لا تسكنوا النساء العلالي ولا تعلموهن الكتابة»، الأمر الذي يضعه عصفور في إطار أوسع، فيرى في هذه المقولات وغيرها، سمة رئيسة للمجتمع ذي البنية البطريركية – مستعيراً تعبير هشام شرابي – الذي يتميز بتراتبية صارمة، تضع الرجل قبل الأنثى، والحاكم قبل الرعاع، ويكون الأسبق في الوجود أسبق في الرتبة، على نحو يزيد ويعمق من أثر «الاتباع»، هذه الكلمة التي تتردد أكثر من مرة في ثنايا الكتاب، وهي لا تأتي منبتة الصلة عن دلالتها في المعاجم أولاً، حيث «تشير في كل أحوالها إلى علاقة بين طرفين يرتد ثانيهما إلى أولهما»، ولا عن سياقها التاريخي. فالمذهب الاتباعي «يتطابق في منظور تأويلاته الدينية وتصوراته الاعتقادية مع مذهب تاريخي بعينه هو المذهب السلفي»، من حيث هو يتمتع بـ «العناصر التصورية المائزة التي صيغت مع التولد التاريخي للمذهب السلفي»، بحيث يلاحظ جابر عصفور أن «العنصر التكويني للاتباع المذهبي يظل على ما هو عليه حين ينتقل إلى الدوائر المدنية، لا يفارق خصائصه المائزة التي يخلفها في ذهن الإنسان الأتباعي».
وهكذا «تسري مبادئ الاتباع وآلياته وقيمه من الدائرة الدينية إلى الدائرة المدنية، حتى مع عدم وجود تطابق بين السبب والنتيجة، الأمر الذي يؤصل نزوعاً يغلب على كل المجالات السياسية والاجتماعية والتعليمية والفكرية والإبداعية والإعلامية في ما أسميه ثقافة الاتباع»، التي تقتات من الماضوية و«لا تتصور مستقبلها إلا بصفته عوداً على بدء». وهو ما يرفع الماضي إلى مصاف المقدس الذي لا يجوز المس به، بل يجب النسج على منواله فهو الأسبق والأصح، ما يجعل كل انحراف «يدخل في تصنيف البدعة التي تفضي إلى الضلالة المفضية، بدورها، إلى النار على المستوى الاعتقادي، أو إلى الخراب على المستوى المدني». وبذلك يصبح الخروج عما سلف بدعةً تستوجب العقاب والعزل، وصولاً إلى تكفير المختلف ونبذه من خلال الترهيب الذي يزدهر، لتستوي الرقابة على العرش في مجتمع يحكمه «سلاطين الظلم الذين كانوا، تراثياً، أكثرية ناتجة من مساوئ الحكم الفردي المطلق الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من التسلط والفساد».
ومن خلال هذا المنظور يقرأ جابر عصفور طائفةً من الحكايا التراثية، ليستخلص منها فكرةً تفتح باب الأمل وتظهر انحياز الناقد للعقل وإعماله، «فالكتابة كانت تكمل مهمة هذه الذاكرة». وبقطع النظر عن صحة الحكايا أم لا، تبقى دلالتها القوية – التي يفككها جابر عصفور من خلال التشديد على تقنية «مسرحة» سرد الحكاية – ماثلةً لعيان القارئ، تشير إلى الظلم ومسبباته، وإلى أثره في نفوس «العامة»، وصولاً إلى رد فعلهم وربما إلى تحايلهم بالمجاز على رفض الظلم. وليست «مسرحة» سرد الحكاية، نافلةً بل هي جوهرية، إذ تفضي إلى طريقين: طريق التمتع بالحكاية من خلال مراياها التي «نشرها» عصفور، وطريق الإسقاط على الواقع، التي تتخذ هنا رتبة «الطي»، فتعين القارئ على المقارنة بين أمس ظالم وحاضر ظالم أيضاً، وتدربه على المساءلة النقدية، ليقيسَ بالعقل لا بالنقل.
هكذا، تغدو الأمور مفهومةً أكثر، ومنسجمةً، إذ تبين أن انتفاء الحرية وتسلط الرقابة والقمع والظلم وغياب الديموقراطية، تنبع كلها من البنية البطريركية ذاتها، التي تدور في دائرتين لدولتين «متشابهتين»: الدولة التسلطية والدولة الدينية، تنهلان معاً من معين مشترك، يقول بالتراتبية، والماضوية، والجمود، والتقليد، والعداء للمختلف. ومن هنا تتزايد عوائق التغيير والتجديد والإبداع، وترفدها الفتاوى ودعاوى الحسبة التي لم توفر كاتباً أو مثقفاً، بدءاً من نجيب محفوظ، إلى صفوت الشريف، وأحمد عبد المعطي حجازي، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمنعم رمضان، وعمرو موسى، وسواهم.
وإن كان القارئ قد «ألف» قراءة أخبار من هذا النوع، وظن فيها ما ظن من اتباع أو إبداع، فإن في «نقد ثقافة التخلف»، حكاية تقول: «أن الرئيس المؤمن محمد أنور السادات الذي رفع شعار دولة العلم والإيمان فكر فعلياً في إرجاع مومياوات الفراعنة إلى قبورها، وإعادة دفنها وأعلن عن ذلك استجابةً إلى فتاوى بعض علماء الأزهر الذين أكدوا أن عرض جثث الموتى حرام لما فيه من امتهان للموت. وكاد الرئيس المؤمن أن ينفذ ما أعلن عنه، لولا أن رده العقلاء إلى رشده، وأبعدوه عن منحدر المجاملات التي كان يقدمها لحلفائه الجدد من الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية التي أراد أن يستقوي بها في مواجهة التيارات اليسارية والليبرالية والقومية التي اختلف معها وسعى إلى قمعها بأيدي خصومها الاعتقاديين».
وليست هذه «الحكاية» منفصلة عن سياق واقع عربي الملامح، لا يخص «أم الدنيا» وحدها، بل يمتد من المحيط إلى الخليج. وعند ورود كلمة «الحكاية»، تأتي شهرزاد، التي يخصها جابر عصفور بواحد من أجمل المقالات وأكثرها متعةً وإشراقاً وبعثاً للتفاؤل. وفيه ينتصر الناقد بالتحليل العلمي لأفكاره «المستنيرة»، وقوامها، القلم والتمدن والإنسانية: «شهرزاد هي ابنة المدينة في أصل التسمية… والزمن الذي يتحرك فيه الجميع هو زمن المدينة…. في أفق الحكايات المفتوح كالسؤال. هذا الأفق هو مهاد الجدارية الهائلة التي تتصدرها شهرزاد بصفتها أمثولة المرأة الجديدة التي تدين بوجودها إلى المدينة، والتي تمسك بيمينها القلم علامة على هذا الوجود. وتحفظ في ذاكرتها ما يصلها بميراث مدينة الإنسانية». هكذا لا تطوى حكاية «نقد ثقافة التخلف» إلا بعد أن تنتشر أفكاره المستنيرة في عقل القارئ وقلبه في آن.




















