الحياة – 18/01/09//
دارت مناقشة مهمة في إحدى الندوات الفكرية التي عقدت في القاهرة أخيراً حول لماذا لا يتفق العرب؟ وهل هناك علة أساسية في الشخصية العربية تجعل مسألة الاتفاق على هدف واحد أو وسيلة محددة لتحقيقه من الصعوبة بمكان؟
والواقع أن هذه الأسئلة التي تتكرر كثيراً وخصوصاً في أوقات الأزمات تحتاج إلى منهجية محددة للإجابة عليها.
غير أن ممارسة التفكير المنهجي تبدو صعبة ونحن نشهد عبر شاشات التلفزيون حرب الإبادة الهمجية التي تشنها دولة إسرائيل العنصرية ضد شعبنا العربي الفلسطيني.
وهذه الحرب البربرية في ذاتها مهما قدمت لها إسرائيل من ذرائع وما أدت إليه من سقوط آلاف الشهداء والجرحى تجعلنا نتساءل أين مجلس الأمن وقراراته الحاسمة ليس في مجرد وقف إطلاق النار ولكن في رد العدوان عن الشعب الفلسطيني، وذلك بإصدار قرار قاطع يفرض عقوبات ضد إسرائيل، لأنها خرقت كل قواعد القانون الدولي، وخالفت نصوص القانون الدولي الإنساني؟
ليس ذلك فقط، بل إنه يمكن توجيه اتهامات ضد إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، تجعل إحالة المسؤولين فيها على المحكمة الجنائية الدولية مسألة مشروعة.
ونشير هنا إلى ظاهرة ازدواجية المعايير الفجة، التي تتبعها هذه المحكمة الجنائية الدولية. ففي الوقت الذي نشطت فيه لكي تصدر قراراً بإيقاف الرئيس السوداني عمر البشير بصدد حوادث دارفور، إذا بها تصمت صمتاً مريباً إزاء جرائم الحرب الإسرائيلية.
ولعلنا في هذا المقام نسأل بعض نشطاء حقوق الإنسان في مصر وغيرها من البلاد العربية الذين أصدروا بيانات يؤيدون فيها إيقاف البشير، هل يجرؤون اليوم ويصدرون مواقف مشابهة لإدانة اسرائيل والولايات المتحدة التي تواطأت معها لشن حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة؟ أم أن التمويل الأميريكي لبرامج حقوق الإنسان يمنعهم من قول كلمة الحق؟
وفي هذا الصدد فإن الإنسان ليعجب من حجم التنطع الأميركي والزعم بأن الولايات المتحدة هي حامية حقوق الإنسان في العالم! كيف ذلك وسجلها الدموي في تمزيق الشعب العراقي ماثل للعيان، وانحيازها المطلق لإسرائيل أصبح مضرب الأمثال في الانتهازية السياسية؟
غير أن الأحداث الدامية في غزة لا ينبغي أبداً أن تصرفنا عن التفكير المنهجي، وإلا سادت صيحات الجماهير الهادرة التي تطلقها العواطف الجياشة وعمق التعاطف مع الشعب الفلسطيني، على العقلانية الواجبة.
وإذا أردنا أن نجيب عن السؤال الذي طرحناه في صدر المقال عن عجز العرب عن الاتفاق لقلنا إن منهج الإجابة عن هذا السؤال المهم مثلث الجوانب، بمعنى أنه لا بد أن يعتمد على ثلاثية اللحظة التاريخية وطبيعة الموقف ونمط التيار الأساسي السائد في حقبة ما.
في ضوء ذلك يمكن القول إن العرب – على عكس ما يوصفون به من نزعة طبيعية للاختلاف والتشرذم – أجمعوا تماماً في عدد من أهم الوقائع التاريخية التي مرت بها الأمة العربية منذ أواخر الأربعينات حتى الآن.
ولنراجع معاً السجل التاريخي.
اتفق العرب جميعاً على شن حرب ضد العصابات الصهيونية التي أعلنت إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 ودخل الجيش المصري والجيش الأردني والجيش العراقي الحرب في فلسطين دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في أرضه التاريخية.
واتفق العرب حين قامت إسرائيل وفرنسا وبريطانيا بشن ما سمي «العدوان الثلاثي» على مصر وشاركت الحكومات العربية جميعاً في مساندة مصر، بل إن الشعوب العربية لم تتأخر بإجراءات ملموسة عن الدخول في معركة الدفاع عن مصر.
واتفق العرب جميعاً على مساندة الجزائر في حربها التحريرية المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي.
وحتى حين هزمت مصر في حرب حزيران (يونيو) عام 1967 أجمعت الدول العربية، حتى من كان منها في صراع مع مصر مثل المملكة العربية السعودية وذلك في مؤتمر الخرطوم على مساندة مصر بالكامل مالياً ومعنوياً وعسكرياً.
والإجماع العربي نفسه حدث في حرب تشرين الأول (أكتوبر) المجيدة التي شنتها مصر وسورية ضد إسرائيل. ولا يمكن أن ننسى هنا القرار التاريخي الذي أصدره المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز بوقف ضخ البترول مساندة لمصر.
في ضوء هذه الوقائع التاريخية الثابتة لا يمكن قبول التعميمات الجارفة التي تزعم أن من طبيعة العرب ألا يتفقوا على أهداف محددة. غير أن ذلك لا يمنع أن الدول العربية اختلفت في مواقف تاريخية أخرى. وذلك – كما قلنا من قبل – لأن اللحظة التاريخية وطبيعة الموقف ونوع التفكير السياسي السائد قد تسهم في عدم الاتفاق.
ومن أبرز الوقائع التاريخية التي أدت إلى خلاف عنيف بين الدول العربية اتفاقية كامب دايفيد التي وقعتها مصر وإسرائيل لحل الصراع العربي – الإسرائيلي، والتي بناء عليها وقعت معاهدة الصلح الإسرائيلية – المصرية.
ويبدو أن اللحظة التاريخية التي وقعت فيها اتفاقية كامب دايفيد لم تكن مؤاتية لكل البلاد العربية لكي توافق على الصلح مع اسرائيل. كما أن طبيعة الموقف ذاته، وهو ترك الصراع والتصالح في ظل تفكير سياسي سائد يقوم على أن لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل، أدت إلى اشتعال الخلاف.
وكما نعرف فإن جبهة المعارضة لكامب دايفيد التي أطلقت على نفسها «جبهة الصمود والتصدي» أصدرت قرارات بمقاطعة مصر، ومعارضة خطتها في إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل.
ولسنا هنا في مقام التقييم التاريخي لكي نقرر من كان المصيب ومن كان المخطئ، ولكننا أردنا فقط أن نقدم وقائع تاريخية حدث فيها خلاف أساسي بين الدول العربية حول مسألة مهمة وخطيرة هي الصلح مع إسرائيل، وهو خلاف منطقي في الواقع، لأن فكرة الصلح التي دافع عنها الرئيس أنور السادات جاءت مضادة للتيار السياسي الذي كان سائداً والذي كان يرى عدم الاعتراف باسرائيل، وعدم التفاوض معها، ومتابعة الصراع لإقرار حق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولته المستقلة حتى لو استمر عشرات السنين.
ومن ناحية أخرى لماذا يتوقع أن تتفق الدول العربية جميعاً حول المواقف الدولية والإقليمية نفسها رغم اختلاف نظمها السياسية، وتنوع نمط علاقاتها الدولية مع الدول الكبرى؟
إن الذين ينادون بضرورة أن نتفق لأننا «عرب» يغفلون حقائق أساسية في مجال التحليل السياسي المعاصر. فكل دولة لها مصالحها الخاصة التي تدافع عنها، وهذه مسألة مشروعة حتى لو بدا ذلك مضاداً لتيار عربي جماهيري عام.
ولنتذكر واقعة اعتداء دولة العراق برئاسة صدام حسين على الكويت وغزوه لها، وما أدى إليه هذا الاعتداء من هدم مذهب الأمن القومي العربي الذي كان يقوم على أساس أن إسرائيل هي مصدر التهديد الأول.
كان من المنطقي بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي بناء على تحالف دولي شاركت فيه دول عربية، أن تبحث دولة الكويت بعد هزيمة الجيش العراقي عن ضمانات لأمنها القومي، ولذلك عقدت اتفاقات أمن مع الولايات المتحدة الأميركية ومع بريطانيا.
في هذا الموقف لا يمكن في الواقع الزعم أن الكويت خالفت إجماعاً عربياً ما، لأن الدول العربية لم تستطع أن تمنع العراق من غزوها عسكرياً، ولا أن تجبره على الانسحاب.
ومن هنا يمكن القول إنه بدلاً من الحديث المجرد عن الاتفاق بين العرب والاختلاف في ما بينهم، يجب أن نقرأ مكونات النظام الإقليمي العربي بدقة، وأن نحدد نمط تحالفات كل دولة مع الدول العظمى وبواعث هذه التحالفات وضروراتها، ومدى إضرارها بالأمن القومي العربي لو كان هناك اتفاق محدد على صيغته. ومن ناحية أخرى لا بد من الالتفات إلى حقيقة بسيطة – وإن كانت مهمة – وهي أن النخبة السياسية الحاكمة في بلد ما هي التي تحدد – صواباً أو خطأ – طبيعة مصالح الدولة التي تمثلها.
في كثير من الأحيان فإن هذا التحديد ينطلق من اعتبارات موضوعية تهدف إلى حماية الأمن القومي من الاختراق، مثل حماية حدود الدولة، والتحديد الدقيق لمصادر تهديد هذا الأمن من دون تهويل أو تهوين.
وفي بعض الأحيان تنحرف النخبة السياسية الحاكمة في إدراكها للواقع، فتبتدع مصالح وطنية للدفاع عنها، وبناء على ذلك يمكن أن تشن الحرب على دولة ما. تماماً مثلما زعمت إدارة الرئيس بوش أن العراق يمثل خطراً ملحاً على الأمن القومي الأميركي لأنه يمتلك أسلحة دمار شامل، ما يبرر شن الحرب عليه وغزوه عسكرياً. وبالإضافة إلى ذلك أهمية إسقاط نظام العراق الديكتاتوري لتحويله بالقوة العسكرية إلى نظام ديموقراطي عربي جدير بأن يحتذى!
هكذا تفعل الأوهام أحياناً حين تعصف بعقلانية الزعماء السياسيين وتوردهم – كما حدث لأميركا – موارد الهلاك!
* كاتب مصري




















