المستقبل – الاحد 18 كانون الثاني 2009 – العدد 3193 – نوافذ – صفحة 15
تبحث حنة ارندت في كتابها "في الثورة" الصادرة ترجمته حديثاً عن المنظمة العربية للترجمة في معنى الثورة وجوهرها، لذلك هي تستعيد تاريخها منذ عصر الإغريق والرومان وحتى زمن الثورتين الأميركية والفرنسية وتاثيرهما المباشر على حياة العالم منذ تلك اللحظة. فتقول أن كلمة الثورة مستمدة من علم الفلك وكانت مطابقة في معانيها للذي يجري على أرض الواقع في الزمن الإغريقي حيث أنها تحصل وتدور بين مجموعة من الدوائر البشرية الذين يكونون متساوين في الظروف من حيث الملكية للارض والعبيد دون أن يتم أي تغيير في ما خص بقية أفراد الشعب أو المدينة ـ الدولة.
أللهم إلا ما ذهب إليه أفلاطون من حيث أنها تتجدد مع بروز عنصر الشباب وتسلم مقاليد السلطة من الجيل الذي سبقه.
أما في العصور الوسطى فتقوم ارندت بانصاف مكيافيلي عبر إعادة إلقاء النظر على فلسفته التي كانت أيضاً بمعنى ما تجديدية دون أن تتخذ من ارهاصات سنة الثورة مثالاً لها. وتكمن فلسفته في الأسس العلمانية التي كان يدافع عنها عبر إعادة توحيد إيطاليا وفقاً للنموذج الفرنسي أو الاسباني وابعاد سلطة الكنيسة عن الحكم المدني، لذلك هو دعا الذين يودون دخول مضمار السياسة أن يبتعدوا عن الطيبة، أي أن يبتعدوا عن سلطة الكنيسة، وهي مقولة تترجم نفسها في الثورة الفرنسية من خلال التعريف الذي أعطاه روبسبيار لهذه الثورة من أنها تستمد روحها من تفكير مكيافيلي نفسه.
لم تعطَ الثورة معناها الفعلي الذي نعرفه اليوم إلا عندما أخذت القارة الجديدة والمكتشفة، أي أميركا، بسن قوانين حكمها وبعد أن أخذت هذه القارة تغير من خلال الخيرات والثروات الآخذة في التحقق هناك لمختلف المستعمرين الجدد والتي أعادت النظر في الفلسفة القائمة حتى ذلك التاريخ، أن مسألة الغنى والفقر مسألة دائمة وأبدية أكان ذلك بالمعنى الطبيعي أو بالمعنى الالهي، وهو ما أثر تأثيراً مباشراً في أوروبا وتحديداً في فرنسا، الأمر الذي دفع الأمور باتجاهات ثورية تقلب منطق الثورات رأساً على عقب.
إن تأثيرات الثورة الفرنسية شملت في جملة تأثيراتها ميدان الفلسفة التي شكل هيغل بفلسفته فاصلاً أو قطعاً مع الفلسفة بنسختها القديمة التي ما كانت ترى أن لها دوراً في الشؤون الإنسانية وتجاربها، مستمداً نظريته "الضرورة والحرية" من خلال تجارب الثورة الفرنسية وما أعقبها من أحداث وثورات ارتدادية ومتعاقبة، وهو بهذا المعنى، عبر تركيزه على التأمل والتفكر في فلسفته، أعطى للعالم الجديد فلسفة للتاريخ خاصة مستمدة من خلال رؤية المشاهد للاحداث وليس الفاعل فيها.
لقد كان لنظرية هيغل السحر الذي لا يقاوم على باقي ثورات القرن التاسع عشر وعلى جزء كبير من القرن العشرين، إلا أن الفاعلين بهذه الثورات لم يعبأوا للحرية وغدت الضرورة هي القسم الأساسي من الفكر السياسي والثوري خلال هذه المرحلة. فطبقاً لنظرية هيغل أنه من رحم الثورة والثورة المضادة (من الرابع عشر من تموز أي الثورة الفرنسية إلى الثالث عشر من بروميير وإعادة الملكية) ولدت الحركة الديالكتيكية الجدلية والحركة المضادة للتاريخ التي تحمل البشر فوق سيل لا يقاوم هو أشبه بالتيار الذي يتدفق تحت السطح وعليهم أن يستسلموا له في اللحظة التي يحاولون فيها إقامة الحرية على الأرض، وهي بطبيعة الحال مفارقة فظيعة بحسب قول أرندت من الناحية الإنسانية ولا مجال لها في مجمل بحوث الفكر الحديث.
أما ثورة أكتوبر المثال الأبرز في القرن العشرين للثورات التي تأثرت بالضرورة التاريخية وسحرت عقول البشر فقد أصاب الواقعين تحت سحرها القنوط تماماً مثلما أصاب معاصري الثورة الفرنسية. إلا أن المأساة الكامنة في هذه الثورة أن ليس التجارب هي التي علمت الدرس بل القيام عمداً بوضع نموذج لمسار عمل يقوم على تجارب عصر مضى وحدث انقضى. تحاول الكاتبة التمييز بين ثورتين جرى أثر اندلاعهما في القرن 18 اعطاء معنى كلمة "ثورة" مفهومها الحديث وهما الثورة الأميركية والثورة الفرنسية. وتقول أرندت انه منذ اللحظة الأولى جرى اهمال الدروس التي أعطتها الثورة الأميركية بعكس الثورة الفرنسية الني جرى اتباع أثرها من قبل كل الثورات التي أتت من بعدها، ولا سيما الثورتان الروسية والصينية واللتان أدتا في نهاية المطاف إلى الاخفاق ذاته الذي منيت به الثورة الفرنسية.
هذا الاخفاق الذي ترده الكاتبة إلى أمر أساسي ويتعلق بطبيعة تعريف دور الشعب أو الجماهير وطبيعتها ودورها. فالثورة الفرنسية اعتبرت أنه لا بد من تحرير الناس وإحقاق السعادة على المستوى المعيشي والمستوى السياسي انطلاقاً من مقولة روسو التي تقول إن الإنسان ولد بطبيعته حراً وطيباً وأن المجتمع انما يحوله إلى شخص سيء وبهذا المعنى يمكن فهم الموقف السلبي من الحضارة الغربية التي سادت في القرن الثامن عشر وما تلاه وأنه بتحرير الإنسان ورده إلى طبيعته إنما نعيد وضع الأمور في نصابها. لذلك اعتبرت أن مصدر السلطة والقانون إنما ينبعان من المصدر ذاته، أي من الشعب هذا الشعب المردود إلى طبيعته الماقبل سياسية والذي أزاح الملك وهو نفسه الذي أزاح الثوار وتحديداً اليعاقبة نتيجة المأزق الذي وقع فيه هؤلاء وخصوصاً لجهة تغليبهم منطق إحقاق السعادة بمعناها المعيشي والذي فشلوا فيه فشلاً ذريعاً، إضافة إلى اصطدامهم بالمعنى الفعلي مع الكومونات التي تشكلت من العمال والطوائف في محاولتهم المشاركة في القرار السياسي. أما الثورة الأميركية فتلاحظ الكاتبة إنها أصلاً بلاد تتوافر فيها شروط مختلفة عن الشروط التي دفعت بالثوار في فرنسا للقيام بثورتهم. فالوفرة والامكانات الكبيرة المتاحة في تلك البلاد كان لها الأثر الأبلغ في التأثير على ضفة الأطلسي الأوروبية التي أعادت النظر بمقولة الثبات الأبدي لمسألتي الغنى والفقر. إلا أن الآباء المؤسسين لأميركا عرفوا دور الشعب ونظروا إليه كأفراد يتحلى كل من أفراده بشخصيته القانونية الاعتبارية أي ان له حقوقاً وعليه واجبات. ومنشأ هذا التعريف مرده إلى طبيعة التنظيمات الإدارية التي عرفها المستعمرون الأوائل في أميركا في الأحياء والقرى التي أقاموا فيها فور وصولهم إليها الأمر الذي وفر الكثير على باني الدولة وسهل تنظيم شؤونها عبر تعريفهم المختلف لمبدأ الحرية للمواطنين من خلال اعتبارهم مصدر السلطة بهيئاتهم المبنية والتي عززوها في كل ولاية من الولايات الأولى للولايات المتحدة ولم يأخذوا منها لصالح الحكومة الفيدرالية، بل اعتبروا أن لا بد من زيادة سلطات الولايات وتوسيع صلاحيات الحكومة الفيدرالية.
أما القانون فإنما مصدره الدستور الذي يتم التوافق عليه من أصغر حلقة في هذه الهيئات إلى أعلاها في الولايات ثم على مستوى الإتحاد بحيث يصبح الدستور، إذا ما اتفق عليه طبقاً لرأي أحد المؤسسين، راية أو نصباً يحترمه الجميع ويقدره الأمر الذي يعزز من شأن تسيير شؤون الدولة والمواطنين انطلاقاً من هذه المبادئ. تقول الكاتبة أن الثورات وتجاربها بمعناها الحديث وخصوصاً تلك المتأثرة بالتجربة الفرنسية قد أثبتت فشلها لجهة عقم المحاولة في تغيير أوضاع سياسية عبر تثوير الشعب. هذه الثورات التي رأت فيها أنه لا امكانية لقيامها لولا حالة التعفن التي يكون قد وصل إليها النظام وأن بإمكان حفنة من الأشخاص المتحدين اتحاداً جيداً أن يقودوا ثورة شعب برمته. وتلفت أرندت في ختام كتابها إلى ملاحظة جديرة بالاهتمام حول أسباب اهمال تجربة الثورة الأميركية أكان من الأميركيين أنفسهم أو من باقي الثورات فترده إلى حالة النسيان لدى الأميركيين الذين حاولوا التشديد في صراعهم مع الدولة السوفياتية في الحرب الباردة على مسألة الرفاهية الموجودة في أميركا نفسها معتبرة أنها مسألة لا علاقة لها بطبيعة النظام الأميركي إنما مردها إلى غنى تلك القارة ووفرة الخيرات فيها وأن هذه النظرة السلبية من قبل الأميركيين، إضافة إلى الهجرة الأوروبية إلى أميركا في القرن 19 و20، من فقراء أوروبا إنما وطدت مفهوم الفقر للحرية والسعادة بصفته يتعلق بالرفاهية وليس بالحرية السياسية، هذه الحرية التي جرى الابتعاد عنها واهمال القيمة التي تعطيها للإنسان. من هنا ترى ضرورة في إعادة تجديد روح الثورة الأميركية عبر احياء اللجان في القرى والأحياء لإعادة مشاركتهم في العملية السياسية وهو ما طالب به أحد المؤسسين الأميركيين الأوائل ولو بخجل حفاظاً على روح التجديد الدائمة في تلك الثورة.




















