غزة – فتحي صبّاح
الحياة – 20/01/09//
فيما أخذت الحياة تدب تدريجيا في قطاع غزة المنكوب، بدأت الحقائق المروعة على الارض تتكشف، وأستفاق الفلسطينيون على هول الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي خلال 22 يوماً من العدوان والحرب المفتوحة على مناطق القطاع المختلفة، خصوصاً الأطراف الشمالية والشرقية والجنوبية لمدينة غزة.
وبعد يوم من سريان التهدئة، خرج عشرات آلاف الفلسطينيين من منازل أو مدارس تابعة لـ»وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (اونروا) لتفقد أبنائهم وأقاربهم ومنازلهم وممتلكاتهم، ففوجئوا بحجم الدمار والخراب، وتبين لهم أن أحياء بأكملها أزيلت عن وجه الأرض، وهو ما حدث مع عزبة عبدربه شرق مخيم جباليا للاجئين شمال القطاع. وبدت كلمة «زلزال» أو «تسونامي» عاجزة عن وصف مشهد الدمار الهائل في عزبة عبدربه أو منطقة العطاطرة جنوب غربي بلدة بيت لاهيا أو حي الزيتون جنوب مدينة غزة حيث سويت مئات المنازل بالأرض، ولم يتمكن كثير من المواطنين من التعرف الى المنطقة أو موقع المنازل.
لاحظ «الغزيون» ايضا ان العدوان الاسرائيلي قضى على عائلات بأكملها، من بينها عائلة السموني المنكوبة في حي الزيتون، والتي فقدت أكثر من 50 من أبنائها، من بينهم أسر بأكملها، وفي أحسن الأحوال تبقى من بعض الأسر شخص أو اثنان.
ولم يجد رائد عبد ربه أي أثر لمنزله في العزبة التي تحمل أسم عائلته، واكتفى بالقول ان حياته وحياة عائلته دُمرت ولم يعد له أمل في الحياة، مرددا عبارة «حسبي الله ونعم الوكيل على اليهود والعرب». وبدا شريف الحداد المصاب بجروح متوسطة في حال من الهذيان، فهو لا يعلم ماذا حل بأسرته التي استشهد أربعة من أفرادها هم والداه وشقيقه وشقيقته في قصف استهدف سيارتهم أثناء هروبهم من منزلهم في حي تل الهوا الذي تعرض لقصف عنيف جداً غير مسبوق طوال الأسبوع الاخير من العدوان.
وكانت حصيلة الضحايا ارتفعت امس الى 1315 شهيدا واكثر من 4500 جريح، بينهم المئات فقدوا بعض أطرافهم أو أصيبوا بعاهات دائمة لن تموحها الأيام. كما دمرت قوات الاحتلال نحو 4000 منزل تدميراً كلياً، ونحو 16 الف منزل بدرجات متفاوتة، في خسائر تقدر بأكثر من بليوني دولار.
وفيما انشغل آلاف المواطنين في زيارة أقاربهم من الشهداء وتفقد المصابين والجرحى والمنازل المدمرة والبحث عن اشيائهم وسط الركام، عادت الحياة تدريجاً الى مدينة غزة التي تحولت الى مدينة أشباح طوال الأسابيع الماضية. وفتحت المحال التجارية والبنوك أبوابها وشهدت آلات الصراف الألي فيها ازدحاماً شديداً، فيما اصطف المواطنون في طوابير طويلة لا يوازيها سوى طوابير المواطنين أمام المخابز والأفران. وانتشر رجال شرطة «حماس» عند تقاطعات الطرق الرئيسة في القطاع، فيما انهمك عمال البلدية في جمع النفايات وازالة ركام الابنية المدمرة، كما واصل عمال الاغاثة البحث عن احياء بين الانقاض وانتشال الجثث.
وانقسم الفلسطينيون في القطاع في شأن أسباب الحرب وتداعياتها وآثارها المدمرة، وثار كثير من الأسئلة عن الجريمة التي ارتكبتها اسرائيل، وجدوى المقاومة والدور الذي لعبته في الحرب، والقدرة على الصمود و»الشفاء» من آثار العدوان. وفيما أجمع الفلسطينون على «تجريم» اسرائيل والفظاعات التي ارتكبتها قواتها، حمّل قسم منهم حركة «حماس» جزءاً من المسؤولية عما آلت اليه الأمور، كما صب عدد منهم جام غضبه على الحركة والمقاومة «المزعومة» التي وعدتهم بأن تكون حاضرة في الدفاع عن المواطنين والتصدي لقوات الاحتلال.
وتساءل المحامي أبو ابراهيم عن دور «حماس» والمقاومة وما جلبته الحركة منذ وصلت الى السلطة. وأجاب بينما كان يصرخ غاضباً في مناقشة مع عدد من زملائه في العمل: «لم تجلب سوى الدمار». لكن زميله «أبو أدهم» أصر على أن المقاومة كانت حاضرة وتقاتل بكل قوة. وقال زميل ثان إن القوة الفظيعة التي استخدمتها قوات الاحتلال تعجز عن مواجهتها دول تملك جيوشاً جرارة. واكتفى آخر بالقول إن أهم نتائج الحرب أن اسرائيل لم تستطع أن تهزم أهالي القطاع، مستطردا: «لم يكن لدينا وهم بأن الفصائل تستطيع أن تهزم اسرائيل، على رغم ما أشيع عن استعدادها لقواتها». وقال آخر وقد بدا مكتئباً وحزيناً: «لم أكره اليهود يوماً، لكنهم الان زرعوا حقداً لن ينتهي ما دمت حياً».




















