واشنطن – من هشام ملحم :
بكلمات قوية، مؤثرة، صريحة وبليغة، وان تكن اقل شاعرية وجمالية من كلمات ملهمه وبطله ابراهام لينكولن، رسم الرئيس باراك اوباما
بفرشاة عريضة رؤيته لاميركا ودورها في العالم، ولطموحاته "لاعادة صنع اميركا" واستنهاض روحها الخلاقة بعد الشكوك العميقة التي احاطت بـ"الحلم الاميركي" في السنوات الاخيرة، واكد بوضوح ان عهده سوف يكون بممارساته ومسلماته قطيعة واضحة مع ارث سلفه جورج بوش وسياساته داخلياً وخارجياً.
كان اوباما واضحاً في دحضه للسياسات الاقتصادية والسياسية لبوش، بدءاً من الرأسمالية غير الملجومة، وانتهاء برموز "الحرب على الارهاب" من ابو غريب الى غوانتانامو، مؤكداً ان اميركا في عهده ستستعيد مركزها القيادي ليس بالقوة العسكرية، بل بالتحالفات والقيم. أوباما كان واضحاً ايضاً في رغبته في فتح صفحة جديدة مع العالم كله، وعندما مد يده الى العالم الاسلامي للسير على طريق آخر مبني على الاحترام المتبادل، وان يكن طالب زعماء العالم الاسلامي بتحمل مسؤولياتهم عن اوضاع مجتمعاتهم وحضهم على تخفيف قبضتهم على شعوبهم.
وتحدث بنبرة وقورة عكست خطورة تحديات توأمي الحروب والكساد الاقتصادي التي تعيشها البلاد والتي تتطلب كما قال "القرارات الشجاعة والحاسمة". الرئيس الرابع والاربعون للولايات المتحدة لا يختلف عن اسلافه باسمه وبخلفيته فحسب، بل يختلف عنهم ايضا بنظرته الى أميركا المتغيرة والى العالم المتغير في السنوات والعقود الاخيرة، وهو ما عبر عنه بقوله "ان العالم تغير ويجب ان نتغير معه". وليس غريبا ان ينظر رئيس اسمه باراك حسين اوباما الى العالم بطريقة تختلف عن نظرة رئيس اسمه جورج دبليو بوش، لاسباب تتعلق ليس فقط بالسيرة الذاتية لكل منهما بل باختلاف الرؤية بينهما.
في البرد القارس قال اوباما نحو مليوني نسمة، في أكبر تجمع بشري تشهده العاصمة الاميركية في تاريخها، انه ورث عن بوش حربين مرهقتين وازمة اقتصادية اثارت تساؤلات خطيرة عما يعتبره البعض حتمية انهيار التجربة الاميركية الفريدة. واضاف في تفنيد غير مباشر ولكن واضح لارث بوش الذي جلس خلفه على المنصة: "لقد جئنا اليوم، لنعلن انتهاء المظالم الصغيرة، والوعود الكاذبة، وتراشق الاتهامات والعقائد التي ولى زمنها، وهي أمور خنقت سياستنا لوقت طويل جداً". وكان بوش قد ادعى بعد انتخابه انه سيعمل على توحيد البلاد، لكن سياساته ادت الى تعميق الشروخ الاجتماعية والسياسية فيها.
يتوقع الاميركيون من خطب التنصيب ان تكون شاعرية وجمالية وملهمة، وان تكون الخطب عن "حال الاتحاد" التي يلقيها الرئيس مطلع كل سنة بمثابة النثر، لان الرئيس يتطرق فيها تفصيلاً الى سياساته وبرامجه والى الموازنة والانفاق والعجز وغيرها من الهموم اليومية للحكم. في خطاب تنصيبه، حاول اوباما الجمع بين الشعر والنثر. تحدث عن الوعد والامل بغد افضل، واستنهض الروح الخلاقة التي هي جزء عضوي من الذاكرة الجماعية للاميركيين، للتغلب على الازمنة الصعبة التي تمر بها البلاد. وقال: "في هذا اليوم نجتمع هنا لاننا اخترنا الامل بدل الخوف، ووحدة الهدف بدل الصراع والخلاف".
تحدث أوباما عن المبادئ والمسلمات والقيم التي سينطلق منها لمعالجة تحديات الاقتصاد وحربي العراق وافغانستان، ومعالجة القضايا الدولية الاخرى، لكنه لم يتطرق الى تفاصيل خطته لاحياء الاقتصاد، كما ان الاشارة الى العراق وافغانستان كانت عابرة. تحدث عن ضرورة اتخاذ القرارات الحاسمة لاعادة بناء الاقتصاد وايجاد الوظائف، وبناء الجسور والطرق، وتحدث عن مركزية الاستثمار في العلوم والتقنيات وخصوصاً في مجال الصحة العامة (في نقد ضمني لرفض ادارة بوش الاستثمار في ابحاث طبية وجينية معينة) كما تحدث عن ايمانه بضرورة ايجاد بدائل من الطاقة التقليدية.
وتطرق الى مسألة خلافية رئيسية بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، وهي طبيعة دور الحكومة في الاقتصاد والمجتمع. وقال في نقض واضح لاعلان الرئيس الراحل رونالد ريغان في خطاب تنصيبه ان الحكومة هي مصدر المشاكل وليست مصدر الحلول، وربما في نقد اقل لاعلان الرئيس السابق بيل كلينتون ان "حقبة الحكومة الكبيرة قد ولت"، ان "السؤال المطروح الآن ليس اذا كانت حكومتنا كبيرة جداً ام صغيرة جداً، بل اذا كانت تعمل، اذا كانت تساعد العائلات على العثور على وظائف بأجر لائق، وتؤمن لها رعاية صحية تستطيع تحمل تكاليفها، وتقاعداً يسمح بحياة كريمة". وطالب المواطنين بمحاسبة الحكومة ووعد الاميركيين باتخاذ القرارات في وضح النهار، لانها الطريقة الوحيدة لاستعادة ثقة المواطنين بحكومتهم.
واكد اوباما عملياً نهاية حقبة بوش وتحديداً مبدأ بوش واستراتيجية الحروب الاستباقية واستخدام القوة من جانب واحد حين قال "اما بالنسبة الى دفاعنا المشترك، فإننا نرفض الخيار بين امننا ومثلنا. وتذكروا ان اجيالاً سابقة واجهت الفاشية والشيوعية ليس بالصواريخ والدبابات فحسب، انما بالتحالفات القوية والاقتناعات الثابثة. لقد فهموا ان قوتنا وحدها لا تستطيع حمايتنا، كما لا تخولنا ان نفعل ما يحلو لنا". وفي اشارة الى انه سيتمسك بالدستور الاميركي وحكم القانون، قال اوباما ان مؤسسي الجمهورية الاميركية "الذين واجهوا مصاعب لا يمكننا ان نتخيلها، صاغوا ميثاقا يضمن سلطة القانون وحقوق الانسان، ميثاقا تم تطويره بدماء الاجيال اللاحقة". ووعد العالم بقدوم اميركا جديدة، قائلاً: "ولكل الشعوب والحكومات الاخرى التي تشاهدنا اليوم، من أكبر العواصم الى القرية الصغيرة التي ولد فيها ابي، اعرفوا ان اميركا صديقة لكل امة ولكل رجل وامرأة وولد يسعى الى مستقبل قوامه السلام والكرامة، واننا جاهزون كي نقود من جديد".
وعن العراق وافغانستان كان اوباما مقتضبا وان لخص جوهر سياسته بقوله: "سنباشر بترك العراق لاهله بطريقه مسؤولة، ونرسي سلاماً مكتسباً بجهد في افغانستان".
وفي اشارة ضمنية الى البرامج النووية التي تعترض عليها واشنطن في ايران وكوريا الشمالية، قال: "سنعمل مع الاصدقاء القدامى والاعداء السابقين بلا كلل لخفض التهديد النووي، ووقف خطر الاحتباس الحراري الذي يهدد الكوكب".
ومد باراك حسين اوباما يده الى العالم الاسلامي قائلاً: "وللعالم الاسلامي نقول، نريد طريقاً جديداً الى الامام بالاستناد الى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل"، لكنه بدا كأنه يوجه تحذيرا ضمنيا الى الحكومات والجماعات المتطرفة والمتشددة في العالم الاسلامي اذ قال: "ولأولئك القادة في العالم الذين يسعون الى ذر النزاعات او تحميل الغرب المسؤولية عن امراض مجتمعاتها، يجب ان تعرفوا ان شعوبكم سوف تحكم عليكم استنادا الى ما ستبنونه، لا الى ما تدمرونه".
"النهار"




















