رام الله ـ احمد رمضان والوكالات
بدأ هول نتائج العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة يتوالى فصولاً ، وتظهر النتائج فداحة كارثة وحجم الدمار الذي لحق بالقطاع واهله. فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن قطاع غزة بات "منطقة منكوبة" من النواحي الإنسانية والاقتصادية والصحية والاجتماعية جراء العملية العسكرية الإسرائيلية التي استمرت 23 يوما.
وقال الجهاز في تقرير له امس إن "العدوان الإسرائيلي أدى إلى تدمير البنية التحتية لقطاعات الخدمة العامة وتدمير مباني المؤسسات العامة والجمعيات والممتلكات الخاصة، حتى أنها وصلت إلى المؤسسات الصحية والتعليمية والرياضية ومباني وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا)، كما أدى إلى شلل كامل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية".
وذكر التقرير في تقديرات أولية لحجم الدمار في قطاع غزة ان أكثر من 22 ألف مبنى تعرضت للدمار الجزئي أو الكلي وأن إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة في المباني والبنية التحتية وخسائر الاقتصاد الوطني في قطاع غزة بلغت أكثر من مليار وتسعمئة مليون دولار. وأضاف "أن العدوان شمل البشر والحجر والقطاعات الاقتصادية وجميع الفعاليات العامة والممتلكات الخاصة، وقد تم حصر الخسائر في ثلاثة قطاعات رئيسية هي البنية التحتية والمباني، والأنشطة الاقتصادية، والخسائر البشرية".
وفي ما يتعلق بالخسائر في البنية التحتية والمباني، أشار التقرير إلى أن عدد المباني والمنشآت في قطاع غزة بلغ 147437 مبنى، وتبين التقديرات الأولية أن العملية الإسرائيلية أدت حتى نهاية يوم17 كانون الثاني ( يناير) الحالي إلى إلحاق الإضرار بزهاء 14 بالمئة من هذه المباني والمنشآت.
وأوضح أن عدد المنازل السكنية المدمرة يقدر بنحو 4100 بشكل كلي و17000 بشكل جزئي عدا عن تدمير 20 مسجدا و25 من المدارس والجامعات والمستشفيات و31 مقرات أمنية ومجمع للوزارات و16 مبني وزارات وجسرين وخمسة مقرات بلديات وهيئات محلية وملاعب.
ميدانياً ، ورغم اعلان وقف اطلاق النار من الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، فقد توغلت يوم امس وبصورة مفاجئة آليات وجرافات عسكرية اسرائيلية شرق بلدة خزاعة شرق خان يونس جنوب قطاع غزة وشرعت بأعمال تجريف لأراضي المواطنين الفلسطينين.
وافاد شهود بأن أكثر من 13 دبابة وآلية عسكرية وسبع جرافات عسكرية اسرائيلية توغلت فجأة مسافة 800 متر في أراضي المواطنين شرق بلدة خزاعة تحت غطاء كثيف من الطائرات الإسرائيلية والرشاشات الثقيلة باتجاه المواطنين الذين كانوا يتفقدون مزارعهم وبيوتهم المدمرة.
وأحدثت عملية التوغل المفاجئة حالة من الخوف والهلع في صفوف المواطنين والمزارعين، فيما شهدت المنطقة استنفارا في صفوف فصائل المقاومة لصد التوغل.
وبحسب الشهود فإن الجرافات الإسرائيلية قامت بتجريف مساحات من الأراضي تعود لعائلات قديح وعميش.
كما شهدت المنطقة الحدودية المحاذية لمنطقة التوغل حركة نشطة للجيبات العسكرية الاسرائيلية، وتحليق مكثف لطائرات الاستطلاع.
من جهة اخرى،أعلنت مصادر طبية فلسطينية أن طواقم الإسعاف تمكنت امس من انتشال جثامين عشرة شهداء فلسطينيين من تحت أنقاض منازل مدمرة وذلك في اليوم الثاني لتراجع آليات جيش الاحتلال الإسرائيلي من مناطق حدودية لقطاع غزة ليرتفع بذلك عدد الشهداء الذين سقطوا منذ بداية العدوان الاسرائيلي على غزة الى 1310 شهيدا واكثر من 5500 جريح.
وقال الطبيب معاوية حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية " إن الأطقم الطبية انتشلت مزيدا من الشهداء بواقع أربعة في شرق جباليا وستة آخرين من عدة مناطق متفرقة خاصة قرية العطاطرة والزيتون والتفاح".
وكانت الأطقم الطبية انتشلت الاحد جثامين 95 شهيدا فلسطينيا من مناطق متفرقة في قطاع غزة.
وأعلن حسنين ارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بدء العملية الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع والعشرين من كانون الاول (ديسمبر) الفائت الى 1310 والجرحى لأكثر من 5500 آخرين نصفهم من المدنيين.
وأوضح أن من بين الشهداء 418 طفلا و111 امرأة و123 من كبار السن إلى جانب 16 مسعفا وأفرادا من طواقم الدفاع المدني وأربعة صحافيين وخمسة أجانب.
في غضون ذلك، بدأت الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية بالاعلان عن عدد شهدائها وحجم خسائرها نتيجة العدوان الاسرائيلي، حيث أكدت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس أنها تواصل إدخال الأسلحة المختلفة الى قطاع غزة.
وأكد الناطق باسم الكتائب أبو عبيدة في مؤتمر صحافي عقده امس أن كتائب القسام ستطور من قدرتها الصاروخية التي لم تتأثر بحسب قوله بالحرب وأنها لا تزال قادرة على اطلاق المزيد من الصواريخ نحو مستوطنات الاحتلال المحيطة بالقطاع، مهددة بتوسيع مداها واستهداف عمق اكبر.
واعلن ابو عبيدة عن استشهاد 48 من عناصر القسام، موضحاً ان "الخسائر في صفوف قوات الاحتلال غير ما يعلن عنه الاحتلال وهي مقتل 49 جنديا اسرائيليا واصابة المئات وتفجير عدد من ناقلات الجند والدبابات".
من جهتها، اعلنت المقاومة الوطنية التابعة للجبهة الديموقراطية عن سقوط 13 شهيداً ، والوية الناصر صلاح الدين عن استشهاد 17 من اعضائها اثناء الغزو الاسرائيلي.
وفي الضفة الغربية، نظمت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية مسيرة جماهيرية حاشدة شارك فيها الالاف من سائر مدن الضفة الغربية تضامناً مع قطاع غزة، ودعماً للمنظمة بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وقد ردد المتظاهرون شعارات منددة بدولة قطر التي اتهموها بمحاولة تكريس الانقسام الفلسطيني والالتفاف على شرعية المنظمة، كما قام عدد من المتظاهرين بحرق صور امير قطر ورئيس وزرائه وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم أل ثاني.
ما بعد العدوان
وفي شوارع غزة، انتشر شرطيون من "حماس" عند التقاطعات الرئيسية فيما انصرف اخرون الى تنظيم السير. وعاودت متاجر كثيرة فتح ابوابها فيما انهمك عمال من البلدية في جمع النفايات وركام الابنية التي دمرتها الهجمات الاسرائيلية التي خلفت 1300 قتيل فلسطيني على الاقل.
وقال رجل الاعمال ابو ايهاب (55 عاما) وهو يراقب الدمار مغادرا منزله " هذه الحرب اعادتنا خمسين عاما الى الوراء سياسيا وماديا ومعنويا. عدنا الى المربع الاول، كأننا في عام النكبة 1948"، في اشارة الى العام الذي اعلن فيه قيام دولة اسرائيل.
واكد ان "حماس اخطأت، فاي حرب يجب ان يكون لها اهداف سياسية معلنة وامداد استراتيجي وخطط عسكرية وقدرات عسكرية ونوع من توازن القوى. ولكن هنا لا توازن، لقد اعتمدوا على وعود شفوية من ايران وسوريا وطبعا هذه الوعود كاذبة".
واضاف ابو ايهاب "حماس لم تحقق في هذه الحرب اي شيء، اين المقاومة؟. لم يعدوا انفسهم من الناحية الاستراتيجية ولا من الناحية الامنية وتركوا الامور تسير على البركة". وتابع "لا يجرؤ اي مواطن على ابداء رأيه، لكن الناس مستاؤون جدا من اداء حماس وما جلبته من خسارة للشعب".
وقال ابو كريم ابو شريعة (30 عاما) من حي الصبرة في وسط مدينة غزة "جئت الى البنك اقبض الراتب بعد 22 يوما من الحرب. كنا لا نستطيع الخروج من البيت، لكن اليوم سمعت ان البنك فتح ابوابه".
واضاف "الخوف عند اطفالنا منعنا من النوم ولو للحظة. ماذا استفدنا من حماس ومن كل التنظيمات الا الدمار؟ اين النصر الذي يتحدثون عنه؟ لقد شردونا وخربوا بيوتنا".
معبر رفح
وعند معبر رفح بين مصر وقطاع غزة تتقاطع المصائر على وقع هول الحرب. هنا، مدنيون يفرون من القطاع واطباء اجانب جاؤوا للمساعدة وسيارات اسعاف تنقل جرحى فيما اخرى تعيد قتلى.
المعبر المترامي الذي تديره مصر ويحميه سور من الاسلاك الشائكة، يؤدي دورا استراتيجيا لانه نقطة العبور الوحيدة لفلسطينيي غزة التي لا تخضع لمراقبة اسرائيل.
وتعلق فايزة (37 عاما) الجزائرية وهي تعبر الممر الامني للمعبر "لا اصدق انني هنا". تزوجت فلسطينيا قبل عشرة اعوام، ولم تخرج مذذاك من قطاع غزة.
صوتها بطيء ولغتها الفرنسية متلعثمة. لا تزال "مصدومة" بالهجوم الاسرائيلي الذي استمر ثلاثة اسابيع، وتفكر في استشارة طبيب نفسي مع اولادها.
وتروي "طفلتي ابنة الاعوام الاربعة تختبىء تحت الطاولة كلما سمعت هدير طائرة، وطفلي ابن الاعوام الستة بات يبول مجددا في ثيابه لانه يخشى الذهاب الى الحمام. اما انا فما عدت قادرة على النوم ليلا".
وتؤكد ان "الحرب في غزة جعلت الناس حيوانات".
لكن هذه الحرب دفعت الفلسطيني عبدالله كلاب (خمسون عاما) الى سلوك طريق معاكس في اتجاه غزة للقاء اولاده السبعة الذين لجأوا الى مدرسة تابعة للامم المتحدة في خان يونس وسط القطاع، بعدما دمر منزلهم جزئيا في غارة اسرائيلية.
كلاب "ناشط سلمي"، لم يعد الى القطاع منذ اذار/مارس 2006 حين سافر الى السويد، بعد شهر على فوز حماس في الانتخابات التشريعية.
ويقول فيما يستقل حافلة ستعبر به المنطقة الحدودية العازلة "لست خائفا، اريد ان اجتمع باولادي".
من جهته، جاء عمر الطويل الفلسطيني السويدي الى غزة قبل شهرين للزواج من فلسطينية، لكنه علق داخل القطاع جراء الحرب. زوجته باتت تحمل الجنسية السويدية، وتحضه على عدم التحدث الى الصحافيين لدخول الاراضي المصرية في اسرع وقت.
في طريقهما، يلتقيان نحو عشرين طبيبا اردنيا كلفتهم بلادهم التوجه الى مستشفيات غزة للمساعدة.
ويؤكد الجراح علاء السعدي انه لا يعلم الى الان اسم المستشفى الذي سيعمل فيه، مضيفا "اريد فقط ان اساعد الفلسطينيين. انهم يحتاجون الى كل الاختصاصات في ميدان الجراحة".
في احد مواقف المعبر، ينتظر جرحى العبور بعدما تلقوا اسعافات اولية في غزة. وتستعد عشرات سيارات الاسعاف البرتقالية للانتقال الى مستشفيات القاهرة او العريش، اكبر مدينة مصرية بعد الحدود مطلقة العنان لصفاراتها.




















