حين ألقى باراك أوباما خطاب تنصيبه، كان رجل مجهول يقف بين الحشود يولي الأمر اهتماماً كبيراً. بشعره القصير ووجهه الطفولي، يمكن المرء أن يعتقد أنه لم يكن في المكان الصحيح وسط كل تلك الشخصيات القيادية. غير أن الشاب يستحق أكثر من سواه أن يكون شاهداً على تلك اللحظة في التاريخ، فهو ساهم في كتابة الخطاب.
إنه جون فافرو (27 سنة)، وهو كما يقول عنه أوباما نفسه، قارئ أفكاره. وهو أصغر واضع خطب أساسي في تاريخ البيت الأبيض.
وأوباما المتمرس في فنون الخطابة تأثر بشدة بخطاب تنصيب ابراهام لينكولن. وهو يدرك أنه كان عليه بعدما خاضت أميركا حربين في أفغانستان والعراق، وفي ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، أن يبدأ عهده بكلمات تحفز الأميركيين وتحركهم، وأن يحدد لهم ماذا عليهم أن يتوقعوا منه في الأيام المئة الأولى لعهده. وأن يعيد حس المسؤولية، بمعنى تحقيق المحاسبة في واشنطن وتحريك المسؤولية لدى الأشخاص العاديين ليشعروا أنهم معنيون. وقال كبير الموظفين الجديد رام ايمانويل ان اوباما يتحدث عن "ثقافة المسؤولية" التي "لا تُطلب فقط من الشعب الأميركي، إذ على قادته أن يشكلوا المثال له".
وللتعبير عن تلك الأفكار الرئيسية، اتكل أوباما على فافرو، وقد التقاه مصادفة قبل أربع سنوات حين كان الشاب يعمل في حملة المرشح الديموقراطي السابق للرئاسة السناتور جون كيري. ومذذاك، درس فافرو أو "فافز" كما يلقبه أصدقاؤه نمط خطب أوباما، وحفظ عن ظهر قلب خطابه عام 2004 أمام مؤتمر الحزب الديموقراطي الذي سلط الأضواء على أوباما. ويُقال إنه يحمل سيرة الرئيس الجديد "أحلام من أبي" حيثما ذهب. ولذلك، حين جلس فافرو في تشرين الثاني ليكتب المسودة الأولى لخطاب أداء اليمين، كان في وسعه أن يعبر بسهولة عن أفكار أوباما.
وخلال الحملة الانتخابية كان فافرو يبقى مستيقظاً حتى الثالثة فجراً يومياً طوال 18 شهراً، يعد لخطب اليوم التالي بتناول جرعات من الكافيين عبر قهوة الاسبريسو السريعة أو شراب الطاقة "رد بول".
وقد وضع أحد الخطب التي ساعدت أوباما على تحقيق الفوز في ايوا في مقهى في دي موين. وفي ختام الحملة الرئاسية، وضع خطابين، للنصر والهزيمة. وحين صدرت النتيجة، وجه رسالة بالبريد الالكتروني إلى صديقه كتب فيها: "يا صاح، لقد فزنا. يا إلهي".
وقد سببت له تصرفاته المتهورة التي تعكس صغر سنه إحراجاً كبيراً. ففي كانون الأول، نشرت له صور في الموقع الاجتماعي على شبكة الانترنت "فايسبوك" يسخر مع صديق له من صورة لصقت على قطعة كرتون لمنافسة أوباما السابقة السناتورة هيلاري كلينتون، وقد بدا يضع يده على صدرها.
ومع ان أوباما نفسه كاتب جيد، فإن عمله مع "قارئ أفكاره" عملية مثمرة تقوم على التعاون. وقد تبادلا إبداء الملاحظات وإدخال التعديلات على خطاب اليمين أربعاً أو خمس مرات، بعد اجتماع أولي دام أربع ساعات تحدث فيه أوباما عن رؤيته، بينما كان فافرو يدون الملاحظات على جهاز الكومبيوتر المحمول الخاص به. ثم مضى الشاب وانكب على الأبحاث أسابيع. وأجرى أفراد فريقه مقابلات مع مؤرخين وواضعي خطب، ودرسوا أزمات سابقة واستمعوا إلى خطب مماثلة. وحين صار جاهزاً، ذهب فافرو إلى مقهى لسلسلة "ستارباكس" في واشنطن ووضع المسودة الأولى".
"الغارديان" عن الانترنت




















