نصير الأسعد
ليس ثمة ألغاز "وراء" الحملة المبرمجة المنتظمة على "الكتلة النيابية الوسطية"، أي على الكتلة التي يمكن أن تتشكّل بعد الإنتخابات من نواب مستقلين عن "ثنائية" 14 و8 آذار. كما ليس ثمة ألغاز "وراء" تولّي جنرال الرابية "شخصياً" زمام هذه الحملة.
14 آذار + "الكتلة الوسطية" = 8 آذار أقلية
فبالإضافة إلى "القاعدة الثقافية" التي ترتكز إليها الحملة، أي "ثقافة من ليس معنا هو ضدّنا" بكل أبعادها "الإقصائية" و"الإلغائية"، من الواضح ـ تماماً ـ أن هناك حساباً سياسياً مبسّطاً لدى الجنرال وفريق 8 آذار، تم التوصل بموجبه إلى نتيجة مفادُها أن كتلة 14 آذار النيابية والكتلة النيابية الوسطية ستكوّنان معاً الأكثرية الجديدة في المجلس النيابي المقبل. ستكوّنان الأكثرية الجديدة حتى من دون تحالف بينهما، وبصرف النظر عن "مدى" تلك الأكثرية أي عددها، وعن النسبة العددية بين الكتلتين. وبكلامٍ آخر، فإن الحملة على "الكتلة الوسطية" تنطلق من تقدير أن كتلة 8 آذار النيابية ستكون الأقلية مجدداً في المجلس المقبل وبـ"تراجع" في "عديدها" حتّى قياساً إلى وضعها الحالي، وسيثبت أن ما يروّج له فريق 8 آذار منذ مدة حول فارق ضئيل لا يتجاوز نائباً أو نائبين بين الأكثرية والأقلية، ليس صحيحاً.
المستقلّون.. 14 آذاريّون
إذاً، الحملة هذه تعبير عن إنزعاج شديد من التوازن السياسي ـ الشعبي الحقيقي في البلاد من جهة ومحاولةٌ للضغط على هذا التوازن والتأثير فيه من جهة أخرى. لكنها حملةٌ يقعُ أصحابها ـ حتى من دون أن يريدوا ـ في فخّ الإضطرار إلى الإعتراف ـ ولو مواربة ـ بأن "المستقلّين" إنما هم 14 آذاريّون.. أي أن "الكتلة الوسطية" أقرب إلى 14 آذار وأطروحاتها. وفي المقابل يقتضي الإعتراف بأن فريق 14 آذار "يقرأ" المستقلّين قراءة صحيحة. ذلك أن مَن هو مع مشروع الدولة وكائناً ما كان "إسمه" هو 14 آذاريّ بهذا المعنى.. بالضبط لأن 8 آذار إصطفاف ضد مشروع الدولة. ولما كانت "الكتلة الوسطية" تأخذ من درب مَن يقف ضد مشروع الدولة، بديهيٌ أن يعتبر 8 آذار أنها تأخذ من دربه.
عون يتصدّر الحملة
في "المشهد" اللبناني الحالي، يبدو ميشال عون الأكثر حشرةً بالكتلة الوسطية داخل فريقه السياسي. لكنه في حقيقة الأمر هو ناطق بإسم فريقه في هذا المجال.
لماذا ميشال عون في صدارة الحملة؟
إن المرشّحين إلى الإنتخابات النيابية المقبلة، الذين يمكن أن يلتقوا في إطار "كتلة وسطية" في المجلس النيابي بعد الإنتخابات، معظمهم إن لم يكن كلّهم من المسيحيين الذين قرّروا الترشّح في "الأقضية المسيحية".
ولمّا كان "الزمن الأول" تحوّل، أي لمّا كانت الظروف اليوم مختلفةً عن ظروف إنتخابات العام 2005، فإن هؤلاء المرشّحين المستقلّين يملكون فرصاً كبيرة للفوز بالمقاعد التي يترشّحون عنها، بل من المؤكد أن يفوزوا، بالإستناد إلى عوامل رئيسية ثلاثة. العامل الأول هو أن هؤلاء ذوو شعبية في أقضيتهم ومناطقهم وأصحاب حيثيّات إنتخابية ذات تاريخ. والعامل الثاني هو أن قسماً من هؤلاء شارك في تمكين الجنرال من حصد نسبة عالية من أصوات المسيحيين في الإنتخابات السابقة. والعامل الثالث هو أن التحوّلات في "الشارع المسيحي" إعتراضاً على عون وسياساته وتحالفاته تصبّ لمصلحة المسيحيين المستقلّين ولمصلحة مسيحيي 14 آذار.. بـ"إختلاف نسبي" من قضاء إلى قضاء.
.. لأنه ضمُر وتضاءل
من "حقّ" جنرال الرابية أن يخاف. فهو متيقّن من دون شك أنه لن يعود إلى المجلس المقبل بكتلة من 21 نائباً. ويعرف أن "تسونامي 2005" إنحسر. ويدرك أنه لن يتمثّل بأكثر من حجمه الطبيعي.. وأن "الظاهرة" إنتهت.
أما في ما يعني فريقه السياسي، فإن "الخوف" ليس أقل. عون خائف بسبب تضاؤل حجمه. وبسبب تداعي البنيان الذي "شيّده" تحت عنوان "أنا زعيم المسيحيين لانني أمثّل 70 في المئة منهم". لكن فريقه السياسي خائف لسببَين مباشرين رئيسَّيين. أولهما أن تضاؤل عون يعني تضاؤل كتلة 8 آذار كأقلية. وثانيهما أن تضاؤل عون بما هو "الجناح المسيحي لـ8 آذار" يعني سقوط "السند المسيحي" لمشروع 8 آذار خارج الدولة وضد الدولة.
في ضوء كل ما تقدم، يتضح أن الحملة على "الكتلة الوسطية" إنما هي مؤشر إلى "شعور" 8 آذار بالهزيمة في الإنتخابات المقبلة. ثمة جانب "إيجابي" إذ يكشف 8 آذار "مشاعره". بيد أن ثمة جانباً خطيراً بمقياس أن المكابرة على الهزيمة يمكن أن تقود هذا الفريق إلى منزلقات.
الضغط على سليمان لـ "إبعاده"
في هذا الإطار، وعلى قاعدة أن ليس من "شيم" هذا الفريق الإقرار بـ"الحقيقة الشعبية" وبالهزيمة تالياً، يمكن وضع الحملة على "الكتلة الوسطية" بين إحتمالين. الإحتمال الأول، وإنطلاقاً من أن "الكتلة الوسطية" لا بد أن تتحلّق حول رئيس الجمهورية ميشال سليمان بعد تشكُّلها لتصبح "كتلة الرئيس"، هو أن تكون الحملة هادفة إلى الضغط على الرئيس سليمان لـ"إبعاده" عن الإنتخابات النيابية. لا يريد فريق 8 آذار الإقتناع بان سليمان كرئيس للجمهورية سيسهر على نزاهة الإنتخابات ولن يتدخل في مجرياتها. يريده أن يمنع مرشحين مستعدين للتحلّق حوله من الترشّح أصلاً. لكأن هؤلاء المرشحين لا تاريخ لهم ولا حيثية. أما الإحتمال الثاني، فهو أن تكون الحملة مندرجة في سياق إستهداف الإنتخابات نفسها أي تعطيل حصولها. إما ضغط لـ"تغيير" النتائج التي لا يمكن تغييرها. وإما تفجير للعملية السياسية. وفي الحالتين إستهدافٌ لرئيس الجمهورية. فما العمل عندما يكون فريق 8 آذار راغباً إما بحسم نتائج الإنتخابات مسبقاً لصالحه، وإما بحسم "مصير" الإنتخابات في حدّ ذاتها؟
إما حسم النتائج مسبقاً وإما حسم الإنتخابات!
ليس خافياً أن الضغط على الرئيس سليمان لن يجدي نفعاً. لأن الرئيس لا يملك أن يمنع مرشحين من الترشّح. ولأنه لا يحق له ذلك. ولأن من حق هؤلاء المرشحين الترشّح وتشكيل كتلة فيما بعد. والأهم أن من حق الرئيس حتى لو لم يقل ذلك أن يستند إلى كتلة نيابية "ناتجة" عن عملية إنتخابية ديموقراطية. ولذلك لن يجدي الضغط نفعاً، ولو دخل النظام المخابراتي السوري على الخط وهدد وتوعد.. وقد حصل ذلك بالفعل.
لذا، فإن حصول الإنتخابات لا يزال "التحدي" الأكبر في الأسابيع القليلة المقبلة.




















