أشار "البيان الختامي لقمة الدوحة "، إلى "قمة غزة الطارئة" التي عقدت في الدوحة بتاريخ كانون الثاني لإدانة العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة. لكن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية اللبنانية أشار في اليوم نفسه إلى مشاركة الرئيس ميشال سليمان "في الاجتماع التضامني مع غزة في الدوحة".
فهل كان هناك مجرد اختلاف في الشكل أم في المضمون؟
كانت موافقة الرئيس اللبناني على المشاركة في قمة الدوحة أو أية قمة عربية أخرى مشروطة بأن تكون مكتملة النصاب القانوني، مع التحفظ على "قمة بمن حضر" لأنها تخالف ميثاق الجامعة العربية. وأكدت وجهة النظر اللبنانية على تباين واضح في توصيف القمة.مما استدعى تحفظا رسميا من جانب لبنان على البند العاشر من البيان الختامي. وذلك لأسباب ترتبط وثيقا ببنية النظام السياسي اللبناني وآليات عمله التي تختلف جذريا عن الآليات المتبعة في الدول العربية الأخرى التي حضرت القمة.
فلبنان جمهورية ذات نظام ديموقراطي لا يستطيع رئيس الجمهورية اتخاذ القرارات منفردا دون العودة إلى المنظمات الديموقراطية التي بني عليها النظام السياسي التوافقي في لبنان. وقد وافق رئيس الجمهورية على جميع بنود البيان الختامي الاحد عشر باستثناء البند العاشر الذي دعا إلى تجاوز مبادرة السلام العربية السابقة واعتبارها منتهية المفاعيل وبحكم الميتة. فأبدى الرئيس اللبناني تحفظه على هذه الفقرة لأن المبادرة العربية للسلام أقرت في القمة العربية التي انعقدت في بيروت عام 2002، وحظيت بإجماع عربي قل نظيره في القمم العربية . ولا يعود التحفظ لأسباب شخصية بل لمبادئ أساسية ذات صلة ببنية النظام التوافقي في لبنان ومنها مبدأ الحفاظ على الإجماع الوطني، والعيش المشترك،واحترام آلية العمل التي حددها اتفاق الطائف والدستور اللبناني الجديد الذي بني على أساسه. فقد كان هناك إجماع لبناني على أهمية المبادرة العربية لقمة بيروت يصعب تجاوزه دون تعريض ركائز الوحدة الوطنية في لبنان لخطر التجاذبات السياسية المقلقة. مرد ذلك إلى أن المبادرة رفضت صراحة مبدأ توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم. وهي مسألة حيوية وبالغة الأهمية بالنسبة للبنانيين على اختلاف توجهاتهم السياسية. وبالتالي، لا يمكن تجاوز تلك المبادرة ومقرراتها دون إيجاد بديل أرقى منها يساعد على تعزيز الوحدة الوطنية بين اللبنانيين وليس الإضرار بها.وذلك يتطلب مجددا الإجماع العربي ليس فقط حول مسألة العدوان على غزة بل على استراتيجية عربية شاملة وموحّدة لمواجهة مجمل التحديات المطروحة على العالم العربي. لذا كان الرئيس اللبناني محقا في الإصرار على التمسك بمبادرة السلام العربية في بيروت لأنها ما زالت صالحة لجمع العرب حول مبادئ عملية قابلة للتطبيق فهي تكشف عن نوايا إسرائيل الحقيقية حول مسألة السلام الشامل في منطقة الشرق الأوسط.
أما التسرع في الإعلان عن موتها في ظروف التفكك العربي المريع في المرحلة الراهنة فيضع لبنان منفردا على حافة حرب مدمرة في مواجهة إسرائيل دون أن تكون للدول العربية إستراتيجية موحدة ومدروسة للقتال الشامل معها. علما أن الرئيس اللبناني أكد في خطابه أمام لقاء الدوحة على استعداد لبنان الدائم لبذل كل جهد ممكن من أجل التوفيق بين المواقف العربية وتوحيدها، والعمل معا على حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني انطلاقاً من وعي لبنان الثابت بأهمية دوره التوفيقي بين العرب.كما أن تضحيات اللبنانيين لا حدود لها من أجل الدفاع عن عروبة لبنان والتزامه القضايا القومية العربية،خاصة القضية الفلسطينية.وهي محط إكبار وتقدير من جميع العرب، على المستويين الرسمي والشعبي على السواء.
يضاف إلى ذلك تمسك الرئيس اللبناني بالقوانين المرعية الإجراء في انعقاد القمم العربية. فكان من أوائل الداعين إلى تحويل القمة العربية إلى لقاء تشاوري لنصرة سكان غزة وفلسطين في حال لم يكتمل النصاب القانوني للقمة وفق ميثاق جامعة الدول العربية. وندد بعدوان إسرائيل الوحشي على قطاع غزة واستمرارها فيه، وطالب بالانسحاب الفوري وغير المشروط والشامل لقوات الاحتلال. لكنه أوضح للقادة المجتمعين في الدوحة أن تمسك لبنان بمبادرة السلام العربية يعود إلى أنها وثيقة عربية تتبنى حق العودة للاجئين الفلسطينيين.وهي مسألة وطنية ذات حساسية مفرطة لدى اللبنانيين لأن مقدمة الدستور اللبناني نصت على رفض التوطين.
وقد اتخذ موقفا جريئا وواضحا في الدوحة لتجنيب لبنان النزاعات العربية – العربية، والعمل على تعزيز التضامن العربي الشامل مع الفلسطينيين، والحرص على موقف عربي موحد على غرار التضامن اللبناني – الفلسطيني في لبنان دفاعا عن شعب غزة. فلبنان على استعداد دائم للمشاركة في أي قمة عربية عاجلة شرط تحصينها بنصاب قانوني وفق ميثاق جامعة الدول العربية حتى لا يسبب انعقادها بمزيد من الانقسام العربي. أما تعليق مبادرة السلام العربية أو دفنها فيوقع رئيس الجمهورية في مأزق دستوري لأنه تبناها في خطاب القسم أمام مجلس النواب اللبناني كما تبناها البيان الوزاري الصادر باسم حكومة الوحدة الوطنية الحالية التي تشكلت على قاعدة اتفاق الدوحة في أيار 2008 . ورئيس الجمهورية مؤتمن على النظام الديموقراطي المعمول به في لبنان. وليست لديه صلاحيات دستورية لإلغاء مبادرة السلام العربية أو الإعلان عن موتها بصورة فردية دون العودة إلى السلطة التنفيذية في لبنان والتي يمثلها مجلس الوزراء مجتمعا وفق بنود اتفاق الطائف. وقد أشادت قوى لبنانية وعربية بحكمة الرئيس ميشال سليمان في قمة الدوحة،لتجنيب لبنان الانقسامات الداخلية. وكان حريصا على مبدأ التضامن العربي الذي يشكل بندا ثابتا في سياسة لبنان الخارجية التي حدد توجهاتها الميثاق الوطني.ولبنان اليوم بأمس الحاجة إلى الابتعاد عن سياسة المحاور العربية والإقليمية،حفاظا على السلم الأهلي، والاستقرار الداخلي، والوحدة الوطنية .




















