بينما تستعد هيلاري رودهام كلينتون لتولي منصب وزيرة الخارجية [كُتِب المقال في 13 كانون الثاني]، تدفع مجموعة من المبعوثين المتخصصين في النزاع العربي-الإسرائيلي منذ عقود، نحو مقاربة أميركية أكثر توازناً وإثباتاً للوجود في منطقة تمزّقها الحرب من جديد.
وجميعهم أعضاء في جماعة وثيقة العرى إنما منقسمة في آرائها سيطرت على النقاش الأميركي حول المشكلة العربية-الإسرائيلية. فقد وضع كل واحد منهم كتاباً يقوّم إخفاقات الماضي ويعرض اقتراحات للرئيس المقبل. ويتفقون جميعاً في الرأي على أنه ينبغي على الولايات المتحدة، مع اشتعال الأوضاع في غزة، أن تدفع من جديد في اتجاه السلام.
لكن هناك اختلافات حادة في وجهات النظر بينهم حول السبيل الأمثل لتحقيق ذلك. وفي قلب النقاش يقع السؤالان الآتيان: هل يجب أن تستمر واشنطن في احتضان إسرائيل وعدم توجيه أي نقد إليها كما كان يحصل خلال إدارة بوش؟ وهل يجب أن تنخرط بعمق في تفاصيل محادثات السلام كما فعلت في ظل بيل كلينتون؟
يعتبر الخبراء أنه مع تكثيف إسرائيل هجماتها ضد مقاتلي "حماس" في غزة، يتعيّن على الإدارة المقبلة أن تضطلع بدور الوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن يجب أن تتفادى تبديد النفوذ الأميركي عبر الاستثمار بقوة أكبر من اللازم في حل واحد.
قال آرون ديفيد ميلر الذي قدّم المشورة لإدارات عدة حول الشرق الأوسط "لقد سمحنا لعلاقتنا المميّزة مع إسرائيل بأن تصبح حصرية. وافقنا على الكثير من الأفكار الإسرائيلية السيئة؛ واختبرنا كل فكرة مع إسرائيل أولاً".
ومن يقّدمون المشورة – ميلر ودنيس روس ومارتن إنديك ودانيال كورتزر – هم أنفسهم خبراء الشرق الأوسط الذين كانوا مستشارين للرئيس كلينتون في مسعاه الطويل والعقيم للتوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وبينما يستعد بعضهم لمباشرة العمل مع السيدة كلينتون، تبرز خصوماتهم وإحباطاتهم وطموحاتهم بقوة إلى الواجهة. لا شك في أن السيدة كلينتون ليست أبداً عديمة الخبرة في موضوع الشرق الأوسط. فهي لديها آراؤها وتجربتها الخاصة المستمدة من السنوات التي كانت فيها سيدة أولى، عندما انخرطت في جهود صنع السلام التي بذلها كلينتون، وانتُقِدت لأنها بدت وكأنها تميل لجهة المصالح الفلسطينية. ولاحقاً، عندما أصبحت سيناتورة عن نيويورك، اشتهرت بمناصرة إسرائيل.
من يعرفون السيدة كلينتون يقولون إنها توّاقة للاستعانة بوجه جديد لتولّي المسألة العربية-الإسرائيلية، ربما من خارج دائرة الخبراء المحنّكين في موضوع الشرق الأوسط. لكن في النقاشات التي تدور في برامج الحوار عبر المحطات الفضائية وفي أعمدة الرأي، يتمحور الحديث باستمرار حول أعضاء هذه المجموعة، وجميعهم يهود وعملوا مع خمسة رؤساء وعشرة وزراء خارجية. ولديهم خبرة ثلاثة عقود في إحدى مناطق العالم الأكثر امتلاء بالأفخاخ السياسية. لكنهم هُمِّشوا في الجزء الأكبر من رئاسة بوش التي وضعت عملية السلام في الشرق الأوسط في مرتبة ثانوية.
روس الذي يؤدّي دوراً مهماً في مسائل الشرق الأوسط منذ إدارة ريغان، هو العضو الأبرز في المجموعة. أما الباقون فقد أدّوا دوراً أكثر تبعية، مع أن إنديك وكورتزر كانا سفيرَين لدى إسرائيل، وميلر كان مستشاراً لستة وزراء خارجية.
ميلر هو أكثر من يتحدّث بحرية بين المستشارين السابقين لأنه لا يملك أي فرصة عملياً لتولّي وظيفة حكومية أخرى. فقد قال إن كلينتون انزعج كثيراً من الانتقادات العلنية له إلى درجة أنه رفض أن يعطيه حديثاً لكتابه بعنوان The Much Too Promised Land (أرض الميعاد الذي طال). وأضاف أنه في مختلف الأحوال، يجب أن تكون هناك حدود لمدّة عمل صانعي السلام في الشرق الأوسط.
غير أن الآخرين لا يزالون في اللعبة. فقد قال مسؤولون إنه من المتوقّع أن يحصل روس، 60 عاماً، على منصب رفيع في وزارة الخارجية يدير من خلاله السياسة حول إيران ويقدّم المشورة حول باقي الشرق الأوسط.
وكورتزر الذي عمل أيضاً سفيراً لدى مصر، كان مستشاراً لباراك أوباما، ويجري تداول اسمه في منصب المبعوث الخاص إلى المحادثات العربية-الإسرائيلية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى إنديك الذي كان مستشاراً للسيدة كلينتون خلال حملتها الانتخابية، مع أن
حظوظه بالحصول على منصب تبدو ضئيلة.
بطلا ميلر هما هنري أي كيسينجر وجيمس بايكر، وزيرا الخارجية اللذان يقول عنهما إنهما تعاملا مع إسرائيل بصلابة إنما بإنصاف. ويعتبر أن احتضان الرئيس كلينتون للقادة الإسرائيليين، وعلى الرغم من أنه انطلق من نيات حسنة، أدّى إلى تقويض قدرة الولايات المتحدة على التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. أما إنديك فيقول إن هذا الكلام هو هراء، ويعتبر أن علاقة واشنطن الوثيقة بإسرائيل أساسية لأنها تؤكّد للفلسطينيين والعرب الآخرين أن للولايات المتحدة تأثيراً على إسرائيل.
إنديك الذي يثني كتابه Innocent Abroad (بريء في الخارج) على التزام الرئيس كلينتون الراسخ بالتوصل إلى اتفاق لكنه ينتقد الشوائب في مقاربته قال: "المدرسة التي تنادي بالتهجم على إسرائيل هي على خطأ كبير لأنها تجعل إسرائيل تتشبّث أكثر بمواقفها". وكتب أن كلينتون غرق كثيراً في التفاصيل مما جعله يضيّع الصورة الأكبر. وأضاف أن تصميمه على توقيع اتفاق قبل تنحيه من منصبه عام 2001 كان غير واقعي لا بل عاد بنتائج عكس المتوخاة، لأنه لا الإسرائيليون ولا الفلسطينيون كانوا يشعرون بالضغوط عينها.
وتابع إنديك أنه في حين يعتبر هو وزملاؤه أنه على الرئيس المقبل أن يدفع نحو السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ينبغي على الولايات المتحدة أن تفعل ذلك بطريقة أكثر واقعية. فقد قال: "يجب أن يتم ذلك بطريقة أقل سذاجة في افتراضاتها، وأكثر تواضعاً في طموحاتها، وفي مقاربتها، وأبعد خيالاً في استباقها للخلل الذي يمكن أن يقع".
أما كورتزر الذي كان على غرار ميلر، مفاوضاً مساعداً في إدارة كلينتون، فقد اعتبر أن الأخير كان أقل انضباطاً أو استراتيجية من سلفه، الرئيس بوش الأب. وأضاف أن البيت الأبيض لم يعدّ العدة جيداً لمؤتمر "كمب ديفيد" في تموز 2000، مما أدّى إلى انهياره من دون التوصل إلى اتفاق بعد أسبوعين. وقال كورتزر في كتابه Negotiating Arab-Israeli Peace (التفاوض على السلام العربي-الإسرائيلي) الذي كتبه مع سكوت بي لازنسكي، إن الولايات المتحدة لم تتواصل أيضاً بما يكفي مع البلدان العربية.
جزء من التوتر بين المستشارين هو شخصي الطابع. يقول أصدقاء لكورتزر وميلر إنه خلال إدارة كلينتون، كان الاثنان يشعران بالغضب لأنهما يتبعان لروس، الديبلوماسي العريق والواثق من نفسه ذي الحدس السياسي القوي.
وانتقادهم لكلينتون هو بدافع الأسى أكثر منه الغضب. فكلينتون صقل سمعة هؤلاء الرجال، واحتل جميعهم مناصب مرموقة في مراكز الدراسات والأبحاث أو الجامعات، ناهيك عن حصولهم على عقود لتأليف كتب. نُشِر كتاب روس
The Missing Peace (السلام المفقود) عام 2004.
يتّفق المستشارون، على الرغم من كل الاختلافات في وجهات النظر بينهم، على أمر واحد: فك الارتباط مع المسائل الإسرائيلية-الفلسطينية الذي مارسه الرئيس بوش في ولايته الأولى كان فاشلاً. فقد قالوا إنه لن يكون أمام إدارة أوباما من خيار سوى الغوص في المسألة. غير أن طريقاً وعراً ينتظر السيدة كلينتون، بحسب إنديك، لأن "أزمة غزة أضعفت كثيراً
الأشخاص الذين من شأنهم أن يصنعوا السلام".
ترجمة نسرين ناضر
"النهار"




















