معاريف
قبل شهرين، انتخب مواطنو الولايات المتحدة من بدا لهم المرشح الأفضل والأنسب للحلول مكان جورج بوش، واول من امس نصّبوه زعيما للعالم الحر. ومع أن مراسم الاحتفال هي نفسها التي تجري منذ سنين طويلة، لكن من المؤثر دائما رؤية مليونين من الناس، من ابناء جميع الاديان وجميع الاعراق، يلبسون الوان دولتهم ويلوحون باعلام بلدهم بفخر.
في هذه الأثناء، يجدر بنا ان نخرج سريعا قدر المستطاع من النشوة التي سيطرت على الخطاب العام، كما لو أن براك حسين اوباما سيكون "رئيسا جيدا لاسرائيل"، ويجب على السياسيين وعلى متخذي القرارات ان يحذروا الرئيس الجديد. فمن الواجب قول الحقيقة: اسرائيل كانت تستطيع ان تكون اكثر اطمئنانا لو انتخب جون ماكين، أو أي مرشح جمهوري آخر، لرئاسة اقوى قوة في العالم، ولو لم يُنتخب اوباما او اي مرشح ديمقراطي اخر.
حتى لو تجاهلنا الاراء الخطرة للحركات اليسارية في اسرائيل وفي العالم، التي تملك النظرة ذاتها تجاه حل النزاع في الشرق الاوسط، فان هذا بالضبط هو وقت التذكير بان رونالد ريغن، وبوش الاب، وبوش الابن، وهم ثلاثة رؤساء جمهوريون، كانوا افضل الزعماء بالنسبة لاسرائيل وبالنسبة للعالم الحر.
تحدث الديمقراطيان جيمي كارتر وبيل كلينتون، بلهجة عالية عن التزامهما لاسرائيل، لكنهما في واقع الامر رأيا كل شيء بمنظار اميركي ضيق، وأحيانا مسيء . يبدو كارتر في السنين الاخيرة مؤيدا لدول عربية متطرفة، وثمة من يعرفونه انه شبه معاد للسامية. يخطىء من ينسب إلى مزارع الفول السوداني الفضل في اتفاق السلام مع مصر ، لانه لم يكن من الممكن التوصل الى ذلك الاتفاق من غير السادات وبيغن، الذي كان لعب فيه رئيس الولايات المتحدة دور المراقب وبصعوبة.
محظور أن ننسى بأن كلينتون هو الرئيس الاميركي الذي أتاح المجال في سني ولايته الثمانية، لنمو الارهاب والاسلام المتطرف، ولوصوله إلى أوجه من خلال الطلعات الجوية الانتحارية ضد برجي التوأمين، حتى وإن نُفذ الهجوم فعليا في بداية ولاية بوش الابن.
صحيح إذا أن اوباما لا يمثل خطرا على اسرائيل في هذه الأثناء، لكنه مقامرة بالطبع. لا يمكن ان نعرف ما إذا كانت اقواله الواضحة والصحيحة عن الاسلام بشكل عام وعن ايران وحماس بشكل خاص، لن تتحول بعد وقت قصير، عندما يزول هتاف المهرجانات، إلى تلعثم او استكانة لا سمح الله.
قد تدفع اسرائيل ترجمة الشعار الناجح في حد ذاته "اجل نستطيع" إلى أفعال ، انطلاقا من عقيدة يسارية، او على أساس الاسم الهوليودي المغسول: الليبرالية. يقال في فضل اوباما انه لا يخفي اراءه. ففي خطاب القسم، كرر وعده بان يهزم الارهاب، لكنه تحدث في الوقت نفسه ايضا عن الاعتدال والمصالحة، وثمة من يقولون باستكانة، مع ايران واحمدي نجاد.
من يملك اذا الوقت والارادة لتجديد المحاولات التي قد تعيد ايام كلينتون واتفاقات اوسلو الاولى والثانية التي بيضت صفحات المنظمات الارهابية، والثمن الذي دفعته اسرائيل بعملة صعبة ولا سيما بارهاب الانتفاضة الثانية الفظيع أولا، وبسيطرة حماس على غزة بعد ذلك؟ كما أن تعيين دينيس روس لمنصب رفيع حول اوباما لا يبشر بالخير ايضا.
فدينيس روس سياسي صالح لكل شيء، ويجدر الخشية من لعبه البوكر خاصته. عندما يضع روس اوراق اللعب على الطاولة، تكون اسرائيل، دائما اسرائيل، هي التي تدفع الثمن.
واذا كان روس هو من سيجلب ويأخذ في الشرق الاوسط، ويضع أوراق اللعب على طاولة الرئيس ووزيرة الخارجية الجديدة هيلاري كلينتون، فقد تبلغ التنازلات الاسرائيلية مكانا لا يحتاج معه الفلسطينيون من اجل اسقاط طائرة مقلعة او هابطة من شركة العال او شركة الخطوط الجوية الاميركية في مطار بن غوريون، الى صواريخ قسام او الى صواريخ غراد . يكفيهم قناص مسلح بكلاشينكوف واحد خفيف ومتحرك ليشل دولة كاملة.
("معاريف" – 22/1/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















