لم يطل الغموض، حتى تصاعد الدخان الأبيض من مداخن الإدارة الامريكية ليفصح الرئيس الأمريكي الجديد عن موقفه ازاء الوضع في الشرق الأوسط، والموقف، وإن كان من المبكّر الحكم عليه، فإنه يؤشر في أسسه، إلى ما يمكن أن تكون عليه سياسات الإدارة الامريكية الجديدة إزاء المنطقة العربية.
فالرئيس الأمريكي عدّد جملة من المواقف عند تنصيبه مبعوثين أمريكيين الى الشرق الأوسط والى افغانستان وباكستان، فقد جدّد تأكيد التزام بلاده بالدفاع عن اسرائيل، كما دعا «حماس» الى الاعتراف بهذا الكيانووقف ما أسماه هجماتها الصاروخية. أوباما قال أيضا انه على اسرائيل أن تفتح المعابر لمساعدة الفلسطينيين والانسحاب من قطاع غزّة، وأبدى تعاطه مع المدنيين الفلسطينيين الذين يحتاجون، حسب قوله، الى «الطعام والمياه النظيفة والعناية الطبية العاجلة».
أمّا المبادرة العربية، فهي حسب الرئيس الامريكي، تحتوي على نقاط بنّاءة، داعيا الدول العربية الى مساعدة جهود السلام من خلال دعم الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، واتخاذ خطوات للتطبيع مع إسرائيل!
الرئيس الأمريكي الجديد، اختزل اذن قضية الشعب الفلسطيني، في هذه الكلمة التي ألقاها، بأنها قضية انسانية، قضية سكّان في غزة يحتاجون الأكل والشرب وبيئة نظيفة، متجاهلا انها قضية وطنية، وأنها قضية احتلال لفلسطين وتشريد لشعبها، وان كل معاناة الشعب الفلسطيني حاليا، هي ذيول للمشكلة الاساسية، أي الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. وما العدوان الأخير على غزّة الا فصل من فصول الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وصورة من صور النزعة الاستئصالية الاسرائيلية لأبناء فلسطين عبر الترويع والقتل العشوائي لإبادتهم أو دفعهم الى مغادرة ما بقي من وطنهم.
أما المبادرة العربية، والتي يعتبر جزء هام من العرب بأنها منتهية بسبب تجاهل اسرائيل لها، فإنها تحمل، حسب الرئيس الأمريكي، جوانب بنّاءة وخاصّة ما يتعلّق بتطبيع العلاقات بين الدول العربية واسرائيل! وبذلك يتبنّى الرئيس الأمريكي الجديد خطابا خطيرا إزاء القضية الفلسطينية. كما يكرّر نفس الخطإ الذي وقعت فيه الادارات الأمريكية السابقة، التي التزمت بحماية اسرائيل في كل الظروف وتنكّرت للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وخاصة حقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلّة… كما يكون بموقفه هذا، قد حكم مسبقا على مساعيه في المنطقة بالفشل الذريع كما فشل أسلافه الذين تحيّزوا ضد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، رغم كل الحروب التي شنتها إداراتهم مباشرة في المنطقة، أو تلك التي شنتها اسرائيل بغطاء أمريكي. فما لم يتم الاعتراف بالحقوق الوطنية المقدسة للفلسطينيين، فإنه لن تكون هناك أي تسوية، أو اي سلام.
أما العودة الى طرح مسألة تطبيع العلاقات بين الدول العربية واسرائيل، بعد عدوان دموي ضد الفلسطينيين في غزّة، فإنها تبدو غير موفقة من قبل إدارة أوباما، لأن مجرّد طرح هذه المسألة مجددا يعدّ في حد ذاته استفزازا لمشاعر الملايين من العرب والمسلمين الذين لا يستوعبون حرب الإبادة التي تشن ضد الشعب الفلسطيني بدم بارد، وبغطاء سياسي ودعم مادي أمريكي، يعود بعدها بعض الساسة الى طرح التسويات الظالمة…
الرئيس الأمريكي الجديد هو ابن المؤسسة الامريكية وهو، كما كان متوقعا، متناغم في مواقفه مع هذه المؤسسة، وسيظل كذلك ما لم يعمل العرب، عبر تفعيل أوراق القوة لديهم، على تغيير معادلة العلاقة العربية الأمريكية.




















