طالما حلم اللبنانيون بالمشهد الذي بدأ يرتسم في كل من بيروت ودمشق، لإعلان تدشين عهد جديد من العلاقات يؤمل أن يكون حاملاً أحلام الشعبين في الإستقرار والتعاون والإزدهار على المستويات كافة.
غير أن البناء على الشكل والصورة ليس كافياً. فوراء الأمل في علاقات جيدة وطبيعية بين كيانين يرتبطان بشكل وثيق بمختلف المجالات، السياسية والإقتصادية والأمنية والثقافية والإجتماعية، وراء كل ذلك تكمن هواجس تاريخية لها جذور عميقة في الوجدان الشعبي والانظمة والعهود التي تعاقبت على الحكم في البلدين.
هذه الهواجس ليست جديدة وهي عبارة عن تراكم قضايا عالقة، تعود إلى اعلان لبنان الكبير عام 1920، كتكريسٍ لكيان ووطن استند على نواة صلبة من الإستقلال الذاتي لجبل لبنان منذ مجيء العثمانيين في اوائل القرن السادس عشر، ورعته الدول الكبرى في القرن التاسع عشر في نظامي القائمقامية والمتصرفية. فاللبنانيون يشعرون بأن سوريا – التي كانت مدنها الكبرى ولايات في السلطنة العثمانية وتحكم مباشرة من اسطنبول – لم تتوقف يوماً عن الإدعاء بأن لبنان، او أقضية منه، جزءٌ منها. لقد اصطدمت بدايةً الطموحات اللبنانية السيادية بالأحلام العربية الوحدوية لحكومة الملك فيصل في دمشق. ومن جهة ثانية ومنذ ذلك الوقت برز الهاجس السوري إزاء ما اعتبر ارتباط لبنان – ذي وجه مسيحي – بالغرب الإستعماري الذي مزَّق العالم العربي إلى دويلات طائفية ومناطقية.
ورغم دعم القيادات السورية الحركة الاستقلالية اللبنانية منذ اواخر ثلاثينات القرن الماضي للتخلص من الوجود الفرنسي في الشرق، إلاّ ان هاجس الصيغة اللبنانية التي ولدت مع الاستقلال، تعزز عند السوريين واشتد بعد استقلال البلدين في مرحلة الحرب الباردة العربية العربية والأميركية السوفياتية، حين احتدم الصراع الدولي والعربي على سوريا في الخمسينات والستينات. ففي حين بلغت دمشق أقصى أحلامها القومية بالوحدة مع مصر عام 1958، كان لبنان لا يزال يحتفظ بعلاقات متينة مع الدول الغربية لم تلغها مفاعيل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. فإذا بهذا التجاذب الذي بلغ أوجه مع انطلاق حلف بغداد ومشروع ايزنهاور الذي وقَعه لبنان، بالاضافة الى امتناع لبنان عن تنفيذ قرارات قمة عام 1956 المنعقدة في بيروت للنظر في العدوان الثلاثي على مصر، والتوتر التركي السوري عام 1957، وقلق النظام في دمشق من انقلابات تدعمها قوى عربية وغربية معادية، ينفجر ثورة في لبنان عام 1958 استندت أيضاً إلى انقسام داخلي لبناني.
وشكلت صورة المتطوعين السوريين المتسللين إلى لبنان، والأسلحة التي أرسلها رجل سوريا القوي عبد الحميد السرّاج، ووحدات المارينز التي أُنزلت على شواطئ الأوزاعي وضبيه بعد انقلاب عبد الكريم قاسم في العراق في تموز 1958، أبلغ تعبير عن تصادم الهواجس اللبنانية تجاه السيادة والحرية والإستقلال، والسورية تجاه الخطر الأجنبي والعربي.
وبعد استقرار جسّده الرئيسان فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر الذي كان رئيساً لمصر وسوريا معاً، عاد التعارض بين الهواجس اللبنانية والسورية فصولاً في الستينات بعد حرب حزيران 1967 وانطلاق العمل الفدائي من جنوب لبنان. فدعمت سوريا المنظمات الفلسطينية في صراعها مع الدولة اللبنانية الساعية الى حماية سيادتها على أرضها، في اشتباكات عامي 1968 و1969 والأزمة الكبيرة في أيار 1973، قبل أن تتدخل سوريا من خلال منظمات فلسطينية عام 1975 ثم رسمياً عام 1976 حين تبدل الصراع مع الدولة اللبنانية إلى نزاع مع الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية. هنا أيضاً كانت الهواجس المزدوجة حاضرة. سوريا تخشى تقسيم لبنان وانجرافه في محاور اخرى بعد فك الإشتباك في سيناء عام 1975 وتحويله إلى بؤرة للراديكالية الجاذبة لتدخلٍ إسرائيلي، والحركة الوطنية والفلسطينيون يخشون هيمنة سورية تمنعهما من تغيير النظام في لبنان وإرساء دولة المقاومة.
المشهد لم يتبدل في السبعينات والثمانينات وإن انقلبت الأدوار. مواجهة سورية مفتوحة مع القوى المسيحية والدولة اللبنانية منذ زيارة الرئيس السادات الى القدس عام 1977، وحتى 13 تشرين الاول 1990. ففي كل هذه المراحل، كانت سوريا تؤكد رغبتها في أن تكون سياسة لبنان الخارجية والعربية امتداداً لسياستها ومتلازمة معها بحيث تكون الورقة اللبنانية في يد دمشق. وهذا الأمر لم يتحقق إلا بعد سيطرتها المطلقة على لبنان الذي تكرس بعد انطلاق محادثات مدريد عام 1991، فكان تلازم المسارين السوري واللبناني عنوان المرحلة حتى نيسان 2005.
هذا في الهاجس الأول، أما الهاجس الثاني الذي قضَّ أيضاً مضاجع الممسكين بزمام الأمور في البلدين فهو الأمن.
عاشت الأنظمة السورية المتعاقبة منذ وصول عسكرها إلى السلطة مع انقلاب حسني الزعيم عام 1949 توجساً مستمراً من انقلابات مدبرة استفادت من حرية لبنان ونظامه الديموقراطي، إذ شاعت مقولة "ان الإنقلابات تحاك في مقاهي بيروت وتنفذ في دمشق". ولم تتردد المخابرات السورية في مطاردة معارضين لها في بيروت والمناطق اللبنانية، وكان بند عدم اعطاء لبنان حق اللجوء السياسي الى المعارضين السوريين حاضراً في معظم المحادثات المشتركة. وفي المقابل، عانت العهود المتوالية في لبنان من الإختراقات الأمنية السورية والدخول العسكري والأمني على خط بعض القوى اللبنانية المتحالفة معها، بخاصة في الأزمات الكبرى وفترات التوتر.
من ناحيةٍ أخرى ومنذ اواخر الاربعينات، افترقت الخيارات في شكل الحكم بين ديموقراطي تعددي في لبنان وحكم العسكر ثم الحزب الواحد في سوريا، وفي النظام الاقتصادي منذ الخمسينات بين ليبرالي رأسمالي واشتراكي توجيهي. كذلك وفي اطار التوجس السوري (وايضاً العربي) من النظام الديموقراطي اللبناني، كان هناك قلق خاص من الحريات الاعلامية في لبنان وهذا الموضوع لم يغب أيضاً عن معظم الاجتماعات المشتركة لبحث القضايا العالقة بين لبنان وسوريا .
كان لا بد من هذه اللمحة التاريخية كي نعالج إشكاليات الحاضر وآفاق المستقبل، بعدما أصبحت العلاقات الديبلوماسية واقعاً على الأرض. وتجدر الإشارة إلى ان هذه الهواجس والإشكاليات لا تختلف كثيراً عن تلك الموجودة بين أي جارين في العالم وبخاصة في العالم العربي. ولنا في العلاقات السعودية مع دول الخليج، والعراقية – الكويتية، وبين ليبيا وتونس، ومصر والسودان وغيرها من الدول العربية، نماذج بارزة عن المشاكل التي تواجه العلاقات الثنائية بين بلدين جارين.
لقد وفَّر حدث الإنسحاب العسكري السوري من لبنان عام 2005، وإن تحت وطأة ضغط اقليمي ودولي، فرصةً ذهبية لإعادة بناء العلاقات على أسسٍ راسخة ومعالجة هادئة وهادفة للهواجس التاريخية وسوء الفهم بين البلدين. غير أن الاحداث الاقليمية خلال العقد الاول من هذا القرن والتي أتت نتيجة لتداعيات 11 أيلول، سجلت تصعيداً في حدة الصراع العربي على لبنان بين سوريا من جهة وما يسمى بالدول العربية المعتدلة كالسعودية ومصر من جهة أخرى، على خلفية الإفتراق في الخيارات الدولية والاقليمية. وكان هناك اقتناع سوري بأن الدول المعتدلة هذه، تسعى مع الولايات المتحدة لإسقاط نظامها بعد قرار مجلس الامن 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري والقرارات الدولية التي تبعته. وكانت دمشق مقتنعة ايضاً بأن فريقاً من السياسيين اللبنانيين في الحكم كان يسعى الى تحقيق الغاية ذاتها. وكان على الشعبين السوري واللبناني أن ينتظرا تبدل بعض موازين القوى الداخلية والخارجية وحصول توازن في المعادلات لكي يتراجع التوتر في العلاقات بين البلدين.
باختصار، ماذا يريد لبنان؟ ماذا يريد لبنان من سوريا بما لا يتعارض مع مصالح الاخيرة بل يخدمها ويخدم مصالحه؟ وما هي المواقف اللبنانية من القضايا التي تهم سوريا ؟
اولاً: تفهم واحترام سوري ظاهر وعملي لسيادة لبنان واستقلاله ونظامه الديموقراطي الليبرالي اقتصادياً وسياسياً.
ثانياً: تنسيق امني واسع يمنع استعمال اي من البلدين لضرب الاستقرار في البلد الآخر ويحارب الارهاب الذي استهدف البلدين في المدة الاخيرة.
ثالثاً: تنسيق عسكري كامل يمنع استعمال اي من اراضي البلدين "ممراً أو مقرا" لأعداء البلد الآخر.
رابعاً: تنسيق على كل المستويات في القضايا المتعلقة بمسيرة السلام في الشرق الاوسط خاصة وان لبنان تعهد علناً الامتناع عن دخول اي اتفاق نهائي من دون اجماع عربي.
خامساً: المساعدة على ضبط السلاح الفلسطيني في المخيمات، وتفكيك المعسكرات الفلسطينية خارجها بشكل يحتذي النموذج السوري في التعاطي مع السلاح الفلسطيني.
سادساً: اتباع لبنان سياسة الحياد بين المحاور العربية على قاعدة "ان لبنان مع العرب اذا اتفقوا وعلى الحياد اذا اختلفوا". ومع مراعاة هذه القاعدة يحرص لبنان على تنمية علاقات مميزة مع سوريا بحكم المصلحة والجوار الجغرافي.
سابعاً: اقامة علاقات اقتصادية مميزة بين البلدين تحافظ على نوعية وشكل نظام كل منهما وخصوصياته.
ثامناً: اعادة درس وتطوير كل الاتفاقات التي ابرمت منذ الاستقلال وتلك التي اقرت خلال حقبة الوصاية السورية على لبنان.
تاسعاً: تنقية الاجواء الناتجة عن ذيول الحرب اللبنانية وحقبة الوصاية السورية على لبنان، وحل القضايا العالقة وبخاصة المفقودين اللبنانيين المُعتقد بوجودهم في السجون السورية وترسيم الحدود.
عاشراً: من المفترض أن يرتكز التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا على الاحترام المتبادل لتقاليد العلاقات الديبلوماسية بين دولتين مستقلتين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من البلدين وعدم تجاوز العلاقات الديبلوماسية بتحالفات خارج اطار الشرعية الدستورية لكل من البلدين.
من دون شك ان لبنان وسوريا امام فرصة تاريخية للمصالحة الحقيقية والمستمرة والثابتة على ركائز قوية. وعلى المسؤولين في الدولتين التقاط هذه المناسبة وتثميرها لمصلحة شعبي البلدين الجارين والشقيقين. ان التبادل الديبلوماسي الذي يتم بتروٍ وبطء والذي حصل بمساهمة اوروبية هو خطوة اولى نحو وضع الاسس لعلاقات لا تشوبها عوائق.
ان التبادل الديبلوماسي بداية الطريق للمصالحة الشاملة والمتكاملة والوصول الى حلول عملية للقضايا العالقة، وهو ليس سوى وسيلة لتحقيق الاهداف المنشودة لبلدين لا خيار لهما في تحقيق الاستقرار والازدهار لشعبيهما سوى التعاون الوثيق والعلاقات الشفافة.
(سفير لبناني سابق في واشنطن)
"النهار"




















