كان العرف والعادة في صناعة القرارات في السياسة الخارجية في واشنطن انها أمر يخص وزارة الخارجية ويرعاه رئيس الجمهورية. وهذه القرارات كانت ولم تزل على مستويات ثلاثة: الاول: القرارات الروتينية – اليومية التي يتم اتخاذها على مستوى الادارات المختصة في الوزارة. الثاني: القرارات المهمة التي يتم اتخاذها على مستوى وزير الخارجية لأن آلاف التقارير تأتي يومياً الى الوزارة من جميع دول العالم ولا يمكن وزير الخارجية أن يبت بها كلها وليس لديه الوقت لذلك انما يبت فقط بالقرارات المهمة والمتعلقة به مباشرة. أما المستوى الثالث: فهو القرارات الأهم التي يحملها وزير الخارجية الى المكتب البيضوي في البيت الابيض ليدرسها الرئيس ويتخذ القرار الذي يراه مناسباً بشأنها.
قال الرئيس دوايت ايزنهاور للرئيس جون ف. كينيدي عندما تسلم الاخير مهمات الرئاسة من بعده. تأكد ايها الرئيس بأن القرارات التي تأتي اليك هي دائماً القرارات الأهم والصعبة وربما تكون الخطيرة والتي يمكن أن تترتب عليها حالة السلم او الحرب في العالم، وليس هنالك أحد باستطاعته اتخاذ هذه القرارات بالنيابة عنك وتأكد ايضاً أنها لو كانت سهلة لما وصلت اليك. واضاف مخاطباً الرئيس كينيدي قائلاً: عندما تسلمت الرئاسة من الرئيس هاري ترومان أشفق عليّ بعض المتخصصين والاكاديميين في شؤون الرئاسة في بلدنا بقولهم: مسكين الرئيس ايزنهاور لأنه يعتقد بأن مكتبه في البيت الابيض هو مثل المكتب العسكري الذي كان يجلس على كرسيه في رئاسة حلف شمال الاطلسي (NATO) يعطي أوامره العسكرية فتنفذ حالاً. هذا قول فيه الكثير من الصحة لأن المكتب البيضوي له طابع آخر ويختلف كلياً عن المكتب العسكري، وقراراته أكثر تعقيداً وخطورة ومسؤولية لأنها قرارات تصدر عن الأمة الاميركية كلها. وسوف تختبر صحة ما أقول عندما تمارس صلاحيات الرئاسة.
إن دولة مثل الولايات المتحدة التي تأخذ مكانة الصدارة بين الأمم لا بد لها أن تكون اللاعب الاساسي في السياسة الدولية، ولا يمكن أن تكون قراراتها الاّ مهمة ومؤثرة على مجريات الامور والازمات في عالم السياسة والأمن الدوليين. لذلك تتطلب صناعة القرارات الكثير من التمعن والمعلومات الدقيقة والصائبة، وتحتاج الى الدراسة والتحليل العميق والرؤية السديدة قبل أن تصبح قراراً يصدر عن العاصمة واشنطن. وأكبر دليل على ذلك هو ما حصل من معلومات خاطئة حول اسلحة الدمار الشامل في العراق والتي بسببها كان القرار المتهور الذي أدى الى الحرب المدمرة والتي ذهب ضحيتها، حسب تقرير جامعة جونز هوبكنز، ما يقارب المليون ضحية، ولا يزال درب الجلجلة مستمراً.
يعتقد بعض الرؤساء أنهم هم من يتخذ القرار ولكن في بعض الحالات من يتخذ القرار هو الذي يصوغه ويقدمه للرئيس ويقنعه بصوابه ويجعله يعتقد أنه هو الذي يتخذ القرار. ولهذه الاسباب بالذات يحتاج الرئيس الى معاونين موضوعيين ومخلصين يرشدونه الى الحقيقة قبل اتخاذ القرار، ولا يقدمون مصالحهم الخاصة على مصلحة الأمة ولا حتى على مصلحة الرئيس وحزبه. وباستطاعتنا أن نتصور الى أي درجة كان دور وزير الخارجية الاسبق هنري كيسينجر بريئاً بتحالفه مع المحافظين الجدد في ارشاد الرئيس جورج بوش الابن في شن الحرب على العراق. وتشير بعض المعلومات التي دونها بوب وودورد في كتابه (حالة النكران) الى ان الرئيس كان يجتمع دورياً بالدكتور كيسينجر ويستشيره في احتلال العراق، وكان يشعر بأن كيسينجر في هذا التوجه، ولكن تبقى المسؤولية مسؤولية الرئيس وليس من يستشير لأنه بعد ان شعر كيسينجر بويلات هذه الحرب والفشل الذريع الذي نتج عنها بدأ يكتب المقالات التي ينظّر بها على انه يجب توأمة الديبلوماسية بالاستراتيجية العسكرية، وحتى تقديم الديبلوماسية على العمل العسكري، وتهرب بالنتيجة من مواقفه ونصائحه السابقة.
وكان وزير الخارجية الاسبق وليم روجرز يعتبر كيسينجر وصولياً ومكيافيلياً يسعى دائماً الى تحقيق مصالحه وتلميع صورته على حساب الآخرين. وعندما تورط الرئيس نيكسون بفضيحة ووترغيت شعر كيسينجر بعقدة النقص التي أخذت تراود الرئيس فراح يستغلها ويصر على الرئيس للوقوف في وجه وزير خارجيته روجرز، واذا لم يفعل ذلك فإنه سوف يقدم استقالته ويضعف الرئيس لدى الرأي العام وفي الكونغرس. ومع ان نيكسون لم يكن يكنّ الاحترام لكيسينجر وكان يزدريه وينكت عليه فإن الاخير كان يقول إنها مداعبة من الرئيس. وفي الوقت ذاته كان يحرّض اللوبي الصهيوني ضد نيكسون ويسرّب بعض الاسرار الى الصحافيين الذين ينتمون الى بطانته. وبالنتيجة استطاع إطاحة روجرز وبدأ يأخذ الدور والهالة في العمل الديبلوماسي على انقاض فضيحة ووترغيت. مع العلم بأن الرئيس نيكسون كان أكثر الرؤساء خبرة في الشأن الخارجي، ولكن تأثير فضيحة ووترغيت كان كبيراً عليه. وقد ارغمته هذه الفضيحة على الاستقالة، وقد شهد العالم من على شاشة التلفاز كيف ودع الرئيس الاميركي باكياً ومعتذراً من الشعب الاميركي.
يجب أن ندرك الى أي درجة كان دور اللوبي اليهودي قوياً في اميركا، وقد وضع نفسه في خدمة كيسينجر وجعل رئيس البلاد يستجدي العطف. ويقول بعض التقارير إن الرئيس نيكسون الذي يعرف أن البيت الابيض يسجل كل شيء دعا رئيسة وزراء اسرائيل غولدا مائير ان تتمشى معه في حديقة البيت الابيض كي لا يسجل على نفسه ما يقوله لها لأنه طلب منها وهو يعرف انها وكيسينجر في صف واحد ان تساعده مع اللوبي اليهودي. وقال لها بأنه قدم أكثر ما يستطيع الى الدولة العبرية فيستحق مناصرته في فضيحة ووترغيت ولكن كيسينجر ما كان ليرى الا صورته ودوره وطموحاته وبقي يعمل في الخفاء على تشويه صورة نيسكون.
وبسبب غايات المساعدين أمثال كيسينجر وغيره والاهداف التي يرمون اليها ويعملون لأجلها وخاصة في السياسة الخارجية، على الرئيس أن يكون موضوعياً وحذراً وحكيماً وقائداً والاّ تأخذه غرائزه وانفعالاته. ويقول ريتشارد نيوشتادت بأن الرئاسة ليست للرجال القليلي الخبرة والكفاية. ويقول بوب وودورد بأنه عندما قابل الرئيس جورج بوش وجد أن "غرائزه تأتي بعد ايمانه الديني"، وعندما تتمكن الغرائز من الشخص تصبح الموضوعية حائرة وضالة.
وحتى لا تصبح قرارات البيت الابيض حائرة وضالة، ولأن عليها تترتب المسؤوليات الجسام لم يترك المشترع الاميركي رئيس البلاد دون مساعدة من اصحاب الاختصاص لذلك قام بانشاء مؤسسة دستورية مسؤولة، وخاصة بعد أن كبر دور الولايات المتحدة في لعبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية وتداخلت الامور ببعضها البعض، وأخذت المشاكل تنهال على البيت الابيض من كل الجهات فكانت صرخة الرئيس ترومان بأنه بحاجة الى من يساعده في بلورة الامور واعطائه النصح في المسائل الحيوية قبل اتخاد القرار ويوضح له "اين تقف واشنطن الآن في القضايا التي تهدد السلام وتؤثر على الأمن القومي الاميركي؟… والى اين تريد واشنطن أن تذهب؟… والى اين تريد أن تصل في نهاية المطاف وما هي الاهداف التي تريد أن تحققها؟".
بناء على هذا الطرح تجاوب الكونغرس مع نداء الرئيس ترومان وانشأ مؤسسة الأمن القومي التي تركزت مهماتها على اعطاء التوصيات الصحيحة والضرورية للرئيس وخاصة عندما تتداخل القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية والامنية بالسياسة الخارجية. كما على المجلس جعل المؤسسات ذات الصلة تتعاون مع بعضها البعض وتنسق الامور لا أن تجعلها تتنافر وتتناقض.
لقد صدر قرار تشكيل مجلس الأمن القومي عام 1947 لمساعدة الرئيس وهو مؤلف اليوم من الرئيس أوباما ونائب الرئيس بايدن، ووزيرة الخارجية كلينتون ووزير الخزانة غايثر ووزير الدفاع غيتس، ومستشار الأمن القومي جونز، يضاف اليهم رئيس الاركان ورئيس الاستخبارات المركزية وبعض المستشارين.
ومنذ انشاء المجلس بدأت صلاحيات مستشار الأمن القومي للرئيس تنمو وتزداد قوة يوماً بعد يوم وخاصة في مجال السياسة الخارجية على حساب وزير الخارجية. واعتقد بعض الرؤساء ان باستطاعتهم صياغة السياسة الخارجية بأنفسهم مع بعض المساعدين في البيت الابيض بالتعاون مع وزير الخارجية. ولكن عندما انشئت وظيفة مستشار الأمن القومي للرئيس اعتقد البعض، وهم على حق، بأن وظيفة كهذه سوف تضعف هيبة وزير الخارجية وان السفراء والعاملين في الخارج سوف يعتقدون أن تقربهم الى المستشار يحقق لهم طموحاتهم ويحميهم لأنه قريب الى الرئيس. مع العلم ان المشترع عندما انشأ المجلس حدد دور المستشار في مراجعة السياسات وليس ادارة الازمات او ممارسة السياسة الخارجية يوماً بعد يوم، على ان لا يأخذ من صلاحيات وزارة الخارجية. وأن يقوم بدور المنسق العام كي لا تقع الاخطاء بسبب تداخل الامور ببعضها البعض، فاذا كان هناك من مقاطعة اقتصادية فيجب أن يكون التنسيق قائماً مع الخارجية والدفاع وغيرها لأن ذلك قد يسهل الامور على الرئيس لاتخاذ قراره.
إن واقع الامر اليوم يختلف عما كان في نية المشترع. فمنذ انشاء المجلس بدأ الصراع يدور بالتحديد بين وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي. وما دام الرئيس هو نقطة الارتكاز فالكل مساعد له حسبما ينص الدستور. وهو المسؤول الذي يرسم الخطوط الرئيسة لسياسته الخارجية ويطلب من الجميع تنفيذ استراتيجيته. وعندما اكتمل عقد مجلس الأمن القومي بكل اعضائه قال الرئيس أوباما لفريق عمله انه هو صاحب الحق بحسب الدستور بممارسة السلطة الاجرائية، وقال انه يريد "أن يدرك الجميع بأنه هو الذي يرسم السياسة وسيكون مسؤولاً عن الرؤية التي سيعطيها هذا الفريق المختص وانه يتوقع من الجميع أن يطبقوا السياسة المطلوبة عندما يتخذ القرار". وما دام الرئيس هو نقطة الارتكاز الذي تدور حوله كل هذه القوى فلا شك في أن الجميع يريدون أن يكونوا الاقرب اليه والى فكره وتوجهاته.
يعزو البعض قوة مستشار الأمن القومي الى قربه الدائم من الرئيس فمكتبه مجاور لمكتب الرئيس والبعض كان يقضي أكثر من اثنتي عشرة ساعة في مكتبه. وهو يستطيع أن يرى الرئيس دائماً ويؤثر على أفكاره بينما وزير الخارجية لا يستطيع أن يرى الرئيس دائماً لأنه بحكم وظيفته هو في معظم الاوقات على سفر للاتصال بالعالم الخارجي واقناع رؤساء الدول ووزراء خارجيتها بالاستراتيجية الاميركية ولا يستطيع أن يجتمع بالرئيس أكثر من مرة او مرتين في الاسبوع عندما يكون في واشنطن لكثرة المهمات الملقاة على عاتقه.
اثناء ولاية الرئيس ايزنهاور لم يكن لمستشار الأمن القومي دور فاعل لأن وزير الخارجية جون فوستردالس كان موضع ثقة الرئيس وكان شقيقه ألن في رئاسة المخابرات المركزية يعطيه المعلومات التي تساعده في ادارة الازمات الخارجية ولا يخفي عليه لا شاردة ولا واردة ولا يحتفظ ببعض المعلومات ليقولها للرئيس ليحصل على ثقته مع العالم بأن الرئيس ايزنهاور كان يقدم رئيس موظفي البيت الابيض شيرمان آدمز على جميع المستشارين بمن فيهم مستشار الأمن القومي.ولم تدم فترة الرئيس كينيدي في البيت الابيض طويلاحتى تكتمل في عهده لعبة الصراع بين وزير الخارجية دين راسك ومستشار الامن القومي ماك جورج بندي. يقول دين راسك في مذكراته تحت عنوان ("كما رأيتها") انه كان كلما دخل مكتبه تذكر المادة الثانية من الدستور الاميركي التي تقول ان الصلاحيات الاجرائية كلها وضعت بيد الرئيس كي يتذكر بأنه ليس اكثر من مساعد للرئيس وعليه ان يقدم له وجهة نظر الادارة (وزارة الخارجية) ويبقى على الرئيس ان يزن الامور والمعطيات الداخلية والى اي درجة سوف يؤثر القرار الخارجي على الأوضاع داخل البلاد. وكان حذرا في ما يخص مستشار الامن القومي. ويقول في مذكراته ايضا أنهم اي المساعدين عندما يقولون له البيت الابيض على الخط يقول لهم اي بيت ابيض فهناك هاتف واحد في البيت الابيض ارد عليه هو هاتف الرئيس، وأضطر ان يضع هاتفا خاصا في مكتبه يرد عليه، وهو للرئيس فقط.
ويروي دين راسك بأنه عندما عُين وزيراً للخارجية لم يكن يعرف الرئيس كينيدي، وعندما استدعاه الى مكتبه وعرض عليه الامر، قال دين لكينيدي لماذا اخترتني انا بالذات بينما الأخبار كانت تقول انك سوف تختار السناتور فلبرايت فأجابه كينيدي: اخترتك لأنني قرأت في مجلة "فورين افيرز" مقالا لك تقول فيه كيف يمكن السياسة الخارجية ان تحصن الرئيس وتجعله قويا فأعجبت بوجهات نظرك ولهذا السبب اخترتك. فقال راسك: حضرة السناتور كينيدي انني سأقبل المهمة بشرف ولكن لفترة ولاية واحدة لأن الاستطلاعات تدل على انك رجل قوي وسوف تكون رئيسا قويا وسوف يجدد لك في الدورة الثانية، فيسأله كينيدي عن السبب، فقال ان معاشي اليوم في مؤسسة روكفلر هو ستون الف دولار بينما في الخارجية سيكون عشرين الف دولار ومصاريف العائلة سوف تزداد في المستقبل، فقال له كينيدي كل شيء في اوانه.
"وقد عرف عن الرئيس كينيدي انه كان يتبع اسلوب تنظيم الامور بنفسه ولم يكن كما كان الرئيس ايزنهاور يخول الصلاحيات لغيره. وقد قام بكتابة رسائل عدة الى الرؤساء والملوك العرب بنفسه وكان التركيز دائما على الرئيس جمال عبد الناصر دون الالتفات الى دور الخارجية والسيد دين راسك الذي لم يكن كما كان ايزنهاور مع فوستر دالس" (كتاب مستقبل العلاقات العربية الاميركية للكاتب).
ان بداية الصراع الفصلي والذي ظهر الى العلن بين وزير الخارجية ومستشار الامن القومي كان في عهد الرئيس نيكسون حيث لعب المستشار هنري كيسينجر دورا مؤثرا على الرئيس على حساب وزير الخارجية وليم روجرز واستطاع في نهاية الامر ان يحل محله وذلك لأسباب عديدة اهمها ما ذكر في فضيحة ووترغيت ودور الاعلام اليهودي لمصلحة كيسينجر. وقد شعر انطوني ليك مستشار الأمن القومي عند الرئيس كلينتون، وكان قد عمل سابقا مع هنري كيسينجر، الى اي درجة كان الصراع يدور بين الاثنين (روجرز وكيسينجر). كما انه عايش الصراع الذي كان يحصل بين وزير الخارجية سايروس فانس وزبيغنيو بريجينسكي في عهد الرئيس كارتر لذلك لعب دورا متواضعا مع وزير الخارجية وارن كريستوفر.
وفي عهد الرئيس جورج بوش الابن استطاعت كوندوليزا رايس مستشارة الامن القومي ان تطيح وزير الخارجية كولن باول لتحقيق طموحاتها الشخصية، وقد تحالفت مع المحافظين الجدد وعلى رأسهم نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد في وجه وزير الخارجية الذي لم يهلل للمحافظين الجدد وافكارهم المتطرفة وكانوا يهابونه ويخافون منه، فالرجل كان رئيسا للاركان ويحمل خبرة عسكرية واستراتيجية كبيرة وكان يقيّم الامور بموازين عقلانية بالمفهوم السياسي والاستراتيجي ولم يقبل سياسة المحافظين الجدد المتطرفة في غزو العراق ولم يجارهم ويصدق كذبة ان العراق يملك اسلحة الدمار الشامل فاكمل ما تبقى من رئاسة بوش الاولى وربما تذكر فكرة دين راسك ان الدستور وضع السلطة التنفيذية بيد الرئيس وما هو الا مساعد له، وترك الوظيفة وكانت ردة فعله تأييد الرئيس اوباما في وجه مرشح الحزب الجمهوري ليبرىء نفسه من كل السياسات الخاطئة التي ارتكبتها ادارة جورج بوش.
مهما كان موقف وزير الخارجية كولن باول فان بعض الكتابات تدل على ان الرئيس جورج بوش كان يحضر منذ اليوم الاول لاستلامه الرئاسة لغزو العراق، والبعض يعزو الامر لسببين:
الاول: النزعة الشخصية التي كانت تتملك جورج بوش الابن في وجه صدام حسين الذي وضع صورة بوش الاب على بلاطة في مدخل فندق الرشيد الفخم في بغداد حيث ان كل من يدخل او يخرج يدوس على صورة الرئيس الاميركي. وهذا يمكن ان يكون قد أثار غريزة الابن على الطريقة البدوية في اخذ الثأر. اما السبب الثاني فليس لوجود اسلحة دمار شامل في العراق انما لأنه كان مع مستشاريه من المحافظين الجدد يخافون من أن يقوم صدام بمنح رخص حق الاستثمار والتنقيب واستخراج النفط لدول اخرى مثل روسيا والصين واليابان وغيرها، لذلك فان احتلال العراق سوف يمنع هذا الامر. وكان وزير الخارجية باول يقف في وجه المحافظين الجدد وخاصة كوندوليزا رايس بقوله انه باستطاعتنا الحصول على هذه الحقوق من صدام الضعيف دون اللجوء الى احتلال العراق وزهق الارواح وتدمير الحجر والبشر.
ان تعيين جيمس جونز مستشارا للأمن القومي في ادارة الرئيس باراك اوباما يحمل في طياته الكثير من المعاني والنوايا التي ربما تكون في خلد الرئيس ويقال ان الاثنين لا يعرفان بعضهما بعضا ولكن وزير الدفاع في عهد الرئيس كلينتون وليم كوهن نصح اوباما بتعيين جونز في هذا المركز لأنه يعرفه جيدا ويقدّر طاقاته وقدرته في تسيير الامور بصدق وامانة، وانه مقنع ومحاور من الطراز الاول وقد اكتسب خبرة سياسية واستراتيجية من خلال ترؤسه حلف "الناتو". وقد حصل على رتبة جنرال ويستطيع ان يقدّر موازين القوى في الازمات ولعبة الصراع. وقد طلبت منه ادارة الرئيس بوش ان يقوم بدور الوسيط لحل المشاكل الامنية بين الاسرائيليين والفلسطينيين فقبل المهمة، ولكنها لم تدم طويلا، وتقوم بتقرير مفصل، ومن المؤكد ان الرجل تعرف على العقل الاسرائيلي والغطرسة التي تتحكم بعقول القيمين على الدولة العبرية.
اما الشخصية الثانية التي اختارها الرئيس اوباما ليكون لها دور مميز في السياسة الخارجية فهي سوزان رايس مندوبة الولايات المتحدة الى هيئة الامم وقد اعطاها الرئيس رتبة وزيرة وتستطيع ان تحضر مجلس الوزراء الذي يضم خمسة عشر وزيرا، وهي في هذه الرتبة تشبه مادلين اولبرايت التي انتقلت من هيئة الامم الى وزارة الخارجية. وسوزان رايس تمتع بعقل اكاديمي وقد حصلت على شهادة دكتوراه من جامعة اوكسفورد. وكانت تعمل قبل تعيينها باحثة في "معهد بروكنز للدراسات"، واختصاصاتها تصب في محاربة القتل الجماعي والمجازر البشرية وقد كان لها دور بارز في فترة المجازر الجماعية التي وقعت في كينيا وتنزانيا يوم ضربت "القاعدة" السفارة الأميركية في هذين البلدين. وآخر مهمة قامت بها هي محاربة القتل الجماعي الذي وقع في رواندا. وما يحصل الآن في دارفور ويجب ان يتبع هذا الاهتمام ما يحصل في غزة من مجازر على يد الآلة العسكرية الصهيونية. ومهما يكن فانها سوف تطل على العالم الخارجي بخبرة واسعة. ويعرف عنها كما يعرف عن جونز انهما مقدامان وشجاعان ويستمعان كثيرا ويمكن ان تكون رايس مكملة لجونز لأنها اكتسبت خبرة طويلة عندما عملت سنة 1993 مع هيئة مجلس الأمن القومي ابان ولاية كلينتون قبل ان تصبح مساعدة لوزير الخارجية للشؤون الافريقية.
والحالة هذه فهناك ثلاثة مسؤولين اساسيين بالاضافة الى غيرهم عن ملف السياسة الخارجية للولايات المتحدة. هؤلاء هم وزيرة الخارجية، ومستشار الامن القومي، ومندوبة اميركا الى هيئة الأمم مع رتبة وزير. فاذا تعاون الثلاثة مع بعضهم البعض فلا شك في أنهم فريق عمل جيد والمستفيد الاول سيكون الرئيس اوباما، لأن باستطاعتهم من خلال مواقعهم المؤثرة مع المؤسسات المرتبطة بهم، المساعدة على اعطاء صورة واضحة وصحيحة عما يجب ان تكون عليه السياسة الخارجية للادارة الجديدة، وخاصة بعد ان يقوم مستشار الامن القومي بالتنسيق بين البنتاغون من الناحية العسكرية ووزير المال من الناحية الاقتصادية.
اما اذا لم يتم التعاون بين هيلاري كلينتون من جهة وجونز وسوزان رايس من جهة ثانية، فان الرئيس اوباما ليس في موقع الرئيس نيكسون من كيسينجر مستشاره للأمن القومي وبعدها وزير خارجيته. ان جونز يملك خبرة عسكرية واستراتيجية، ورايس تملك خبرة ديبلوماسية والاثنان سوف يتصرفان مع الرئيس بناء على خبراتهم. اما وزيرة الخارجية كلينتون فانها ابنة السياسة الداخلية ولعبة توازن القوى في المجتمع الاميركي ولا تملك خبرة كبيرة في العلاقات الدولية وقد كانت طروحاتها الانتخابية تختلف كليا عن طروحات اوباما من العراق الى ايران وغيرهما. وعندما اختارها اوباما لتكون وزيرة خارجيته فذلك تم لأسباب محض داخلية وحزبية، وقد وضع عليها وعلى زوجها شروطا قاسية وصعبة ووافق الاثنان على تنفيذها. ومع كل هذا فان الرئيس اوباما ربما يكون حذرا ويدور في خلده بعض الشكوك في ان تنفرد وزيرة خارجيته فتحرجه في بعض المواقف ولا تتذكر، كما فعل دين راسك وغيره، المادة الثانية من الدستور الاميركي. لذلك فان اختيار جيمس جونز ورايس ما هو الا لتطويق هيلاري كلينتون لأن اوباما يملك رؤية وتصورا لعلاقة اميركا مع العالم ولكن ليس باستطاعته متابعة الملفات الدولية يوما بعد يوم، وقد اوضح من البداية بأن على هذا الفريق، ويقصد مجلس الأمن القومي، ان يسهر على تنفيذ الاستراتيجية المرسومة من قبله.
وعلى ما يبدو، ومن اول الطريق فان الرئيس اوباما سوف يكون رئيسا قويا وسوف يفرض شخصيته على ادارته، وسوف يتعاطى بجدية مع الازمات القائمة. وهو يدرك في اعماق فكره وخفايا عواطفه ان الوديعة (العدوان الاسرائيلي على غزة) التي تركها له جورج بوش وحكام الدولة العبرية ما هو الا فخ اختبار في مواجهة اللوبي الصهيوني من اليوم الاول لاستلامه مهمات الرئاسة.
ان الاحراج في ازمة غزة الانسانية والسياسية ليس سهلا التعاطي به لكثرة تعقيداته ولكن الرئيس مع فريق عمله عليه ان يدرك بأن الحل لأزمة الشرق الاوسط بأكملها لا يمكن أن يأتي الا من خلال التعاطي الجدي والصريح والموضوعي مع سوريا. لأن سوريا تطل وتؤثر على الازمة اللبنانية والفلسطينية والعراقية وتحمل بعقلها وفكرها ملف الجولان وبالاضافة الى ذلك يمكن دمشق ان تشكل جسر عبور للتفاهم الاميركي الايراني. فاذا كان فريق عمل اوباما السياسي يدرك هذه الحقائق فلا شك بأن هذا الرئيس باستطاعته التوصل الى حل عادل لأزمة الشرق الاوسط وتلميع صورة اميركا المتدهورة في العالم العربي.
لقد علّق العرب الآمال الكبار على معظم الرؤساء الاميركيين بعد الحرب العالمية الثانية لحل قضاياهم بعدل وانصاف ولكنهم فشلوا في تحقيق هذا الامر حتى الآن. عسى ان يكون الرئيس الجديد من الجذور الكينية اهلاً للرهان خدمةً لأميركا وغيرها من دول المنطقة.
(استاذ جامعي)
"النهار"




















