الحياة – 26/01/09//
كان مفاجئاً حقاً أن تطل الشاعرة الأميركية الافريقية الجذور اليزابيت الكسندر في حفلة تنصيب باراك أوباما على سدة الرئاسة الأميركية، وتقرأ قصيدة كتبتها في المناسبة. وكان مفاجئاً أيضاً أن تخلو القصيدة من أي مديح أو إطراء و «تفاصح»، ومن ذكر اسم الرئيس المنتخب وتعداد خصاله على ما درج عليه الشعراء المداحون… فالشاعرة لم تكتب عن الرئيس ولا عن الدولة ولا عن الحدث نفسه، بل كتبت عن التاريخ والناس البسطاء الذين صنعوه، عن العمّال والفلاحين والبنائين والمزارعين… وإن كان عنوان القصيدة «ليتمجّد هذا اليوم» مستوحى من هذا الحدث الفريد الذي لم تشهده أميركا من قبل، فإن «التمجيد» موجّه الى الحياة التي لا يمكن أن يرسّخها إلا الحب الذي وصفته الشاعرة بـ «الكلمة الأكثر جبروتاً» والذي «يعكس فضاء من نور».
ليس باراك حسين أوباما أول رئيس أميركي يعهد الى شاعر أن يكتب قصيدة في مثل هذه المناسبة، يقال إنه الرابع في اتباع هذا التقليد. وكان الرئيس الراحل جون.ف. كينيدي طلب من الشاعر الكبير روبروت فروست أن يلقي قصيدة في حفلة تنصيبه عام 1961 وفعل من غير تردد. ولم يُسمّ فروست يوماً شاعر الرئيس أو شاعر الرئاسة، بل عرف بمواقفه السياسية الجريئة القائمة على الرفض والاحتجاج. وكان الشاعر يوسف الخال ترجم مختارات من قصائده أيام مجلة «شعر».
الشاعرة اليزابيت ألكسندر المتحدرة من أصول أفريقية لن تصبح شاعرة الرئيس ولن تكرّر هذه «الفعلة» الجميلة في مناسبات أخرى، ولن تبدّل إطلالتها هذه من مواقفها السياسية، مع أنها لم تمتدح الرئيس ولم تكل له الصفات الحميدة والنعوت. وقد ذكّرته أن المواطنين «يحملون أسلافهم على ألسنتهم» وأن دروبهم تتقاطع وأن الشوك يعروها. لكنّ قصيدتها لم تخل من الدعوة الى الأمل والى «السير نحو ما لا نستطيع رؤيته بعد»، والى النظر الى «الجهة الأخرى» والى «الأمام» حيث ما هو أفضل…
تُرى لو ألقيت قصيدة هادئة وجميلة كهذه في حفلة تنصيب رئيس عربي هل كانت لتترك صدى طيباً مثل الصدى الذي تركته قصيدة الشاعرة الأميركية؟ كان الرئيس العربي نفسه سيستغرب أن تلقى في حضرته قصيدة تخلو من الوزن والقافية ومن عبارات التبجيل والمديح والثناء… وكذلك الحاضرون و «الجمهور» الذين لم يعتادوا أن يسمعوا مثل هذه القصيدة في مثل هذه المناسبة. فالشعر هنا إما يكون مديحاً أو لا يكون. والقصيدة إما تكون عصماء أو لا تكون. وليس أمضى من الوزن والقافية في «تخليد» هذه اللحظة عربياً.
كان صدام حسين «يطرب» للشعراء يلقون القصائد أمامه مادحين إياه وجهاً لوجه. ولم يكن واحد منهم يجرؤ على التقصير في مديحه، فيلجأ الى المعاجم والقواميس بحثاً عن المفردات والمترادفات التي تليق به. وكان يحلو للرئيس السابق أن يجلس هو على المنبر فيما الشعراء المداحون يقفون تحته في الصالة، ينتظرون دورهم ليجيدوا بما تفتقت به قرائحهم. ولم يكن أحد ليجرؤ على اختراق نظام العروض لان الرئيس لا يروق له إلا الموزون المقفّى.
قد يستحق باراك أوباما أن تُكتب فيه هذه القصيدة التي لم يرد اسمه فيها. فهذا الرئيس الأسود الذي يدخل البيت الأبيض نزولاً عند رغبة مواطنيه الذين صوّتوا له بحرية، يمثل حالاً من «التمازج» الحضاري والعرقي والديني الذي نادراً ما عرفه رئيس في الغرب. وكم كانت الشاعرة اليزابيت الكسندر ذكية في تذكيرها إياه بـ «الأسلاف»، الأسلاف البسطاء الذين مدّوا السكك الحديد وبنوا الجسور وقطفوا القطن وشيدوا «المباني المبهرجة» كما قالت في قصيدتها. وما كان أجمل أن نسمع إسم حسين والد الرئيس المنتخب يتلى على سدة الرئاسة. إنها المرة الأولى يلتقي فيها الإسلام والمسيحية في إسم يحتل أعلى المناصب الأميركية.
ليت الشعراء المدّاحين عندنا يتعلمون من اليزابيت ألكسندر كيف تُكتب قصائد «المناسبات» وبأي روح تُكتب وأي لغة، بل كيف يمكن أن تكون قصيدة النثر قصيدة «مناسباتية» بعيداً من الخطابية الجوفاء والمنبرية والمداهنة. بل كيف يمكن هذه القصيدة أن تكون سياسية بما تختزن في قلبها من بعد إنساني وأمل وضوء.




















