تتناول سمر يزبك في روايتها الجديدة الصادرة عن دار الآداب بعنوان "رائحة القرفة" حالة شائعة في المجتمع العربي. وهي نوع من الأدب المسكوت عنه، حالة تتكرر ليس في بلد محدد بل في العالم كله، لكنها حالة أيضاً شائعة في المجتمعات العربية التقليدية، من أسبابها تقييد المرأة والحد من حريتها فيصبح التنفيس عن المشاعر الحميمية من خصال هذه المجتمعات بسرية تفضحها التصرفات والإشارات. فلا تخفى عن ذكي عارف أن الحياة المغلقة تنتج من مثل هذه العلاقات الحميمية بين النساء أنفسهم، إذ يجب أن نتحدث عن هذا النوع ولا نكون كالنعامة تدفن رأسها في الرمل ظناً منها أن أحداً لن يراها.
علاقات مثلية موجودة، وبكثرة، رجال مع الرجال ونساء مع النساء وبين إمرأة وإمرأة. فالجسد له حاجات كثيرة منها الاتصال والتلاصق بحثاً عن لحظات من النشوة غرزها القدر فينا جميعاً، والكبت هو الذي يولّد هذا النوع من الحب المحرّم، والمرفوض، والمدان دينياً واجتماعياً.
تلتقط الكاتبة السورية المبدعة سمر يزبك هذه الحالة بعين ذكية، كأنها تمشي على جمر من النار، فتنجو ولا تحترق، إذ بذكاء الكاتبة تغوص في هذا الموضوع الخطر، لتقدم لنا رواية طازجة، أجمل بكثير من روايتيها السابقتين: "طفلة من السماء" و"صلصال". ففي السياق أن الرجل الزوج كريه، كذاب، منافق، يخون الزوجة بأقل إشارة من أي إمرأة لتجد السيدة نفسها، في المحصلة، بين يدي خادمتها الجميلة، اللتين تقودهما المصادفة الى تلمس تلك الحالة المثيرة في جسديهما، فتصبح الخادمة هي السيدة وتصبح السيدة هي المتطلبة لتنفيس فوران الجسد الذي لم يستطع الرجل أن يحرك فيه ذلك التوق الشديد الذي تعانيه إمرأة جميلة. في هذا الإطار تدور أحداث الرواية وفي زمن مضغوط لا يكاد يكون يوماً واحداً في نهار وليلة، وتتبدى هنا براعة الكاتبة في هذا الضغط وفي محاصرة الحدث ساعات قليلة ليتفجر كل شيء، بما يشبه الحالة المتبادلة بين إمرأتين وجدتا نفسيهما وجهاً لوجه، وفي بيت واحد بل وفي غرفة واحدة وحمام واحد.. إذ تتسلل تلك الرغبة بما يشبه الزحف البطيء الى رغبة الجسد ونداء الروح. فيرى القارئ أن كل شيء طبيعي، وأن ما حصل هو نتيجة طبيعية لذلك النداء، فلا يشعر أنه يقرأ شيئاً شاذاً أو مرفوضاً أو غير أخلاقي.
براعة
عالجت الروائية سمر يزبك هذه الحالة ببراعة الروائية في الإمساك باللحظة النادرة التي تجعلنا نفاجأ على ما لم نكون قد توقعناه، فنكره الزوج ونحب المرأتين.
كانت حنان "وهي بطلة الرواية" قد أجبرت على الزواج من عجوز، فهي في ذلك الزمن الخاطف الطويل كمئة عام تهرب الى غرفتها. وتذكر كيف اختفى الضوء من عينيها. وكيف هربت بعريها من هذا العجوز العاجز. وكيف شعرت أنها سقطت في هاوية. فتجد الخادمة، وفي غفلة من القدر مصدر جاذبيتها.
ولخلفية حنان أنها عاشت بعد موت أمها، بلا عائلة. فقد انتشر أعمامها في أنحاء العالم. في أميركا اللاتينية والشمالية، هاجروا من سوريا وأخذوا كل ما تملكه العائلة من ثروات، تبعثروا في جهات الأرض، وبقي من العائلة أخوان يمتلكان بضعة محال في البزورية، ومحلاً لبيع الملابس القطنية في سوق الحميدية.. وبسبب تشتت العائلة لم تنل حنان من أمها أي عطف. فقد "بالغت أمها في تجاهل مشاعر أمومتها" قاصدة أن تجعل من ابنتها الأنثى ما يشبه الصبي لأنها لم تنجب صبياً. فكل ما كان يحيط بها كان مقيتاً، وعند صباها، وفي أكثر لحظاتها حزناً أنها لم تجرؤ على التصريح بانفعالاتها أمام العائلة، كانت تعاقب بالحرمان من الجلوس مع العائلة ولوقت طويل وكان يقفل باب غرفتها عليها. ويمتنع الجميع عن توجيه الكلام إليها. كانوا يعاقبونها بالصمت والوحدة، فتشعر أنهم يقودونها الى الجنون، وكانت تفضل لو يعاقبونها مثل بنات الجيران بالضرب، وهو أمر لم يكن وارداً عند العائلة التي تعتبر هذا التصرف همجياً، وحتى ابن عمها كان يقاطعها، ويمتثل لأوامر العائلة.. ص69.
في هذه الطقوس القاسية، وجدت، حنان، نفسها بين يدي زوج عجوز لا يعرف شيئاً من الحب، فتجد نفسها على الضفة الأخرى ولكن في جسد أنثى فـ: "ما من احتراق يشبه رغبتك.. رغبتك من يقود أصابعها الى مكامن وجعك، الوجع الذي يجري في الدم تحت جلدك. عندما تعتلين قمة تشعرك بالاختناق، فجأة يبعث الله لك من ذاتك فرجاً، الفرج لا يأتي هكذا!؟ أبداً.. يجب أن تخلفيه من عجينتك، أنت فقط" ص72.
ذلك أنه: "لا يوجد رجل قادر على إمتاعك، كما تفعل أصابع لينة خارجة من قلبك. وليست خارجة من جسد رجل.. استطالات دافئة تتفتح فيك. وتكبر، تمنحك ما خرج منك، وما لديك، وبذلك تكونين سيدة نفسك، تعيد إليك أنوثتك في ارتعاشة… الأصابع مثل حروف واقفة، لا تنتهي، حروف تخرج من القاع، تطير في الهواء، تلامس بارتعاشها الفراغ، فتولد لذة أبدية. تبدأ وتنتهي في اللحظة نفسها، الأصابع مختلفة اللذات، أصابعك نحيلة وخشنة، ولكنها جميلة" ص73.
هي في الواقع أصابع من رمل مرة، ومن خس مرات. عند أول ملمس تذوب. هشة. فعندما تعرف أصابعها تعرفها.
الخادمة
ما الذي حصل بعد ذلك؟
إنها عليا "الخادمة" التي خانت سيدتها وحبيبتها مع زوجها العجوز المختبئ في غرفته. ربما فعلت ذلك بالأمر والقوة، فهي خادم، ومصيرها أن تلبي أسيادها، وهنا تكتشف حنان خيانة عليا، فتأمرها بترك البيت فوراً تطردها بقسوة.
لكن عليا بعد أن تنسحب من البيت مهزومة، حزينة، ونادمة في الوقت نفسه بالتورط مع الزوج، ولكن يستيقظ ضميرها أيضاً. فقد كانت أسيرة تلك العلاقة وصار بإمكانها الآن أن تتحرر: "تفتح عينيها بثبات على الأفق الواسع الممتد أمامها. القصور صغيرة وصامتة، رائحة الصحراء تنعش قلبها وهي تحمل حقيبتها بدأ جسدها ينحل من التعب. الليل لم يكن عادياً. السيدة والسيد ومن ثم خط الضوء المائل. وخيالات حي الرمل، وأخيراً عليا الكبيرة التي حملتها على بساط سحري الآن ودفعتها نحو الأمام ـ هي أختها التي انتحرت بعد اغتصابها ـ تتذكرها وتتذكر مأساتها.
إلا أن حنان تحاول تعويض خروج عليا من حياتها بالبحث عن بديل فـ"أخذت تسترجع في ذاكرتها لحظات استسلامها لنازك، سعيدة باكتشافها بديل الخادمة التي طردتها، وما يلبث أن يتحول رضاها بالذكرى الى حزن عميق، إذ تتذكر كم كانت ضئيلة في نظر نازك. ليست بضآلة خادمة، لكنها على الأقل كانت المقادة. نازك هي التي اصطادتها واطلعت على تلعثمها وهشاشتها، بينما كانت هي سيدة عليا، سيدتها في الصباح وسيدتها في الليل أيضاً.. ألم تأمرها في البداية؟ حتى لو صارت تتصرف كسيدة بعد ذلك، فإنها لم تكن تفعل ما تفعل إلا أنها تعرف أنه المطلوب.
تتذكر كم كان قلبها يتصدع وهي تائهة بينهن. نظرة الدهشة نفسها التي قرأتها في عيني عليا فيما بعد. عندما تعرت أمامها. كانت في عينيها في تلك الليلة، انبثقت الكآبة بين ضلوعها كنافورة حارة.
وعلى طريقة "ما الحب إلا للحبيب الأول" تندم حنان ندماً شديداً على طرد عليا.. كان قد مر الليل بطوله وهي تقف إزاء النافذة يأكلها الندم، كانت غاضبة جداً عند اكتشاف خيانة عليا مع زوجها وعندما راحت حنان تصف عليا بالمتسولة القبيحة، كيف تحولت العينان الجميلتان الى حريق؟ أخذت شفتاها ترتجفان وهي تجمع ثيابها، بينما تهب من أطرافها رائحة برد غريب. البرد غريب في عز الصيف الحارق، عندما تنز قطرات العرق المالحة فوق الجلد فينتفض جسد عليا بإحساس جليدي عن صور في ذهنها المشوش..
الصراع النفسي يأكل كلا المرأتين، إنهما عاشقتان، يقع الخطأ وعليهما أن تفترقا، لكن الحب، الحب وحده يجعل الفراق بطيئاً. وتوقفا في كثير من الأحيان، كل واحدة منهما تعبّر عن أحاسيسها، وعن رغبتها في عودة التواصل.
لحظة اكتشاف الخيانة كما تصفها عليا: لم تدرك أن خط الضوء المائل الذي نسيته في غفلة، سيحول مملكتها الى خراب، رغم أن عرشها ذاك، لم يكن يحتاج الى الكثير من المهارة، بعد أن تعلمت فنون الحياة، وكيف تستطيع أن تكون الأقوى في السرير. وغاب عن خيالها التفكير بمرور سيدتها الخاطف آخر الليل الى غرفة الطابق السفلي، بعد أن تركتها تعوم في نومها (…) كانت تفكر في أنها لو خرجت من غرفتها، ورمت بنفسها في حضن سيدتها، فإنها ستقلب السحر على الساحر، وستجعل قلبها يرق، فالليل ما زال ليلاً، والنهار لن يطلع عما قريب. وما تزال هي الملكة الوحيدة. وعندما يطلع النهار وتتحول الى خادمة من جديد، سيكون لها شأن آخر، فكرت أنها تستطيع أن تفعل ذلك لثقتها بسحر الليل، لكن الشراسة التي رأتها في عيني سيدتها منعتها، فحملت حقيبتها بهدوء وانسلّت من الفيلا من دون أن تنظر الى الخلف، ولم تنتبه وهي تغادر أن حنان لم تزل واقفة وراء النافذة.
وهكذا لم يكن سوى خط الضوء الذي تحوّل الى إشارات طريق قادت حنان الى الهاوية، وجعلتها تودع خيال عليا من وراء الستارة بعينين مفتوحتين كمغارتين، تضغط بيدها على كتفيها لتسمع طقطقة عظامها وتتأكد أنها ليست في حلم. ثم تندس في فراشها، وكلها ثقة بأنها ستصحو في حال أفضل.
وبابتعاد عليا بعيداً بعيداً تنتبه حنان الى أن ما فعلته سوف يكون وبالاً عليها، إذ لم يعد بإمكانها فقدان عليا التي غاصت كما تغوص جذور شجرة كبيرة في الأرض وأن كل النساء لن يعوضنها عليا.. فتتخذ قراراً فورياً باستعادة عليا، فتسرع الى سيارتها وتشرق الطرق أمامها بحثاً عنها.
وهنا تتركنا الروائية في بحر من الأسئلة: هل تجد عليا؟ هل تعود معها، هل تقبل أن تعود علاقتهما الى سابق عهدها؟ وكيف ستغفر لها زلتها مع الزوج الذابل الكريه؟ وما على القراء إلا أن يستنتجوا للرواية نهاية.
بقي أن أقول أخيراً أن سمر يزبك اكتشاف حقيقي، وأننا عثرنا فيها على روائية كبيرة بامتياز.
"المستقبل"




















