بيروت – كمال حنا
الحياة – 27/01/09//
طغى صراع الأسلوبين على الأيام الأولى لولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما. سارع الرئيس الديموقراطي بذريعة «إعادة أحكام القانون» الى نقض قرار إنشاء معتقل قاعدة غوانتانامو العسكرية في كوبا، والذي اعتبر أحد ركائز «الحرب على الإرهاب» التي أطلقها سلفه الرئيس جورج بوش بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.
لقد استهل أوباما بدء عهده «المتفائل» نظرياً بـ «تدمير» أسلوب بوش الذي حقق هدفه في تجنيب الولايات المتحدة اعتداءات جديدة، وقرر إزالة «التشاؤم» المعنوي للأميركيين الذي حتمه تحول معتقل غوانتانامو، الغارق في الانتهاكات التنفيذية والقانونية والإنسانية، الى الرمز الأول لصورة البلاد في الخارج، وليس تمثال الحرية.
لكن الحلول التي تتوافر لقرار إغلاق غوانتانامو خلال سنة لا تبدو أنها تخرج من كنف أسلوب الإدارة السابقة، باعتبار ان الإجراءات الأهم ستشمل نقل المعتقلين الى سجون أخرى داخل الولايات المتحدة أو خارجها، وإعادة بعضهم الى دولهم الأم، أي عملياً خلق قواعد «غوانتانامو مشتتة» لا تساهم فقط في تضييق أفق الانتقادات لإجراءات الاعتقالات والمحاكمات التي تتخذها واشنطن، بل تقلص الخطر المتنامي من تحول «غوانتانامو الكبير» الذي يضم 250 سجيناً حالياً الى «مدرسة للجهاد».
وتعتقد الاستخبارات الأميركية بأن 35 معتقلاً على الأقل شقوا طريقهم مجدداً الى ساحات القتال بعد إطلاقهم من غوانتانامو، فيما أعلن اثنان من قدامى المعتقلين، هما السعودي سعيد علي الشهري الذي بات يتزعم خلية لتنظيم «القاعدة» في اليمن وأبو الحارث محمد العوف، في شريط فيديو بث الأسبوع الماضي, ان «الأسر في غوانتانامو رسخ إيمانهما بمبادئ الجهاد». كما أوقفت السلطات السعودية تسعة مواطنين خضعوا لبرنامج تأهيل خاص بعد عودتهم من معتقل غوانتانامو.
لعل غوانتانامو استحق تسمية «سجن الأبرياء» بعد شهور قليلة من إنشائه، إذ أدركت الإدارة الأميركية، استناداً الى تحقيقات وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي أي»، ان ثلث معتقليه الـ770 فقط معنيون مباشرة بالإرهاب، فيما لا ينتمي الباقون الى الفئة «الأسوأ»، بعدما خضعوا لتصنيف بلغ حد اعتبار أدنى درجة من «التعاون» مع عناصر أو منظمات إرهابية، حتى من دون معرفتهم الكاملة بهذا الأمر أو اضطرارهم لذلك، تواطؤاً. ويقارن هذا التصنيف «الخاطئ» اعتبار أي ألماني سدد ضرائب للنظام النازي خلال الحرب العالمية الثانية أو عالج جندياً ألمانياً في مستشفى، أو انضم الى جمعية «أصدقاء ألمانيا» حينها «مقاتلاً عدواً»، وهو ما لم يحصل بالطبع خلال محاكمات الحرب العالمية الثانية.
وبتزايد التجاوزات الخاصة بانتزاع المحققين اعترافات تحت التعذيب، تمهيداً لاستخدامها في المحاكمات العسكرية التي شكلت هيئاتها لاحقاً، وتدهور الحال النفسية والصحية لبعض السجناء في ظل حرمانهم من الحقوق «الشرعية» لمعاملة أسرى الحرب اســـتناداً الى معاهدات جنيف، وحدت النقمة المعتقلين الذين اعتمدوا مبادئ ديانتهم الإسلامية منطلقاً لمواجهة الإجراءات القاسية ومقاومتها.
ويرى محللون ان بعض الإجراءات «البريئة والإنسانية» التي اعتمدتها إدارة بوش نفسها في غوانتانامو، منحت المعتقلين فرصاً اكبر لاكتساب هوية اكثر تطرفاً، وأهمها السماح لهم بالحصول على نسخ من القرآن الكريم، «ما يشبه توزيع نسخ من كتاب كفاحي للزعيم النازي ادولف هتلر على المتهمين الألمان بارتكاب جرائم حرب بعد الحرب العالمية الثانية»، وتأديتهم صلوات جماعية.
ويعتبر هؤلاء ان تدابير الأمن المشددة في غوانتانامو منعت حدوث عمليات تمرد كبيرة، كما حصل في سجن قاعدة قندهار العسكرية جنوب أفغانستان عام 2007، وانحصارها في حالات إضراب عن الطعام، نجح مسؤولو المعتقل في احتواء انعكاساتها السلبية عبر إجراءات لـ «الإطعام القسري» من طريق حقن، من دون ان يمنع ذلك استخدام الإضرابات لتحقيق مكاسب سياسية بعدما تحولت الى مادة إعلامية دسمة لتأكيد سوء معاملة المعتقلين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أي إجراءات أمن ستتناسب مع مواقع السجون الجديدة لاحتجاز المعتقلين السابقين في غوانتانامو والذين يعتبرون «اكثر تشدداً» اليوم، خصوصاً داخل الولايات المتحدة حيث تنظر الإدارة في اقتراح نقل بعضهم الى ولاية بنسلفانيا. وهل يمكن ان تعيد هذه الإجراءات التهديد الى داخل البلاد، ما ينسف الأسلوب «الإنساني» لأوباما، ويجعله مجرد نظرية لعالم أفضل وأكثر عدلاً لا تتناسب مع الواقع.




















