لطالما كان محمد دحلان، القيادي في حركة «فتح»، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، شخصية اشكالية في المسيرة الفلسطينية الما بعد اوسلو، سواء لجهة كونه العنوان الابرز للصراع مع حركة «حماس»، او حتى لعلاقاته التي لا يمكن وصفها بالمتينة مع تيارات اخرى في «فتح».
لكن الان وبعد انقضاء العدوان الاسرائيلي غير المسبوق على غزة، يجاهر دحلان بالقول انه خرج من كل مواقع السلطة الفلسطينية، فلم لا تتجه «حماس» للمصالحة، مرجحا ان لا تقبل الحركة بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية انتقالية كما هو مطروح حاليا. وان بدا دحلان في الحوار التالي مصرا على انهاء حالة الانقسام فانه لا يكف عن توجيه الاتهامات لقيادة «حماس» باستفزاز اسرائيل وشن العدوان، من دون ان تبادر الى حماية الشعب الفلسطيني، والاكتفاء بالحفاظ على عناصرها وقياداتها. غير ان أخطر ما يراه دحلان الذي ينفي صحة سعيه للعودة الى غزة ان الاتفاقية الامنية التي وقعتها تل ابيب مع واشنطن، وسعت حدود اسرائيل الامنية الى الحلم الذي كانت تسعى اليه.
تاليا نص الحوار:
في تقديرك العدوان الإسرائيلي.. مسؤولية من تحديدا؟ وهل كانت إسرائيل لديها مسبقا خطط للهجوم ستنفذها سواء تم تمديد التهدئة من قبل «حماس» أم لا؟
إسرائيل دولة عسكرية.. انسحبت من قطاع غزة وبدأت فى وضع خطط لإعادة احتلاله عسكريا مرة أخرى منذ عام 2005 ولكن العبقرية السياسية تأتي من المسؤول الفلسطيني في أن يتجنب هذا العدوان وأن يشكل لنفسه شبكة أمان سياسي وأمني بحيث لا يواجه العدوان بهذه الطريقة أي ألا يقع في فخ ما تخطط له إسرائيل.
ولكن أنا أعتقد أن الأخطاء السياسية التي ارتكبتها حركة حماس حفزت إسرائيل على الاستفراد بالشعب الفلسطيني واستمراره في الانقسام ورفض تمديد التهدئة بطريقة عنترية وعدم إدخال (الرئيس محمود عباس) أبو مازن فى مجريات الأحداث السياسية والداخلية المتعلقة بغزة وهذا كله شجع إسرائيل لأن ابو مازن الذى يعتبر مقبولا من المجتمع الدولي ليس طرفا في هذا الصراع وبالتالي من السهل على إسرائيل أن تصور للمجتمع الدولي أن حماس طرف غير جدي بل وطرف معتد ..
وأنا قرأت مؤخرا ما نشر وسرب عن مصادر أمنية بأن (رئيس المكتب السياسي لحماس) خالد مشعل كان يعتقد أن العدوان سيتوقف خلال يومين أو ثلاثة فقط وتنسحب إسرائيل، ويخرج هو منتصرا أو يطل ليخطب للأمة. وكذلك قيادات حماس فؤجئت بحجم هذا العدوان..
وأرى أن أسوأ شيء في أي سياسي أن يقول إنه فوجئ بكذا، فلا يجوز أن يدعي أنه فوجئ بل واجبه أن يخطط لأسوأ الاحتمالات ويتوقعها فما بالنا إذا كان العدوان الإسرائيلي قد نشر قبل أشهر من حدوثه بشكل تفصيلي ويومي بل أنه استمر حتى يوم الخميس الذي سبق العدوان الفعلي.
إذا كانت خطط العدوان على قطاع غزة قد نشرت قبل أيام من حدوثه.. فلماذا لم تتداع كل الاطراف لمحاولة منعه؟
حماس علاقاتها متوتة مع مصر الأردن والسعودية.. فمع من تنسق؟ هل تنسق مع قطر وسوريا! هؤلاء لا يستطيعون أن يقدموا الكثير لمأزق حماس السياسي مع المجتمع الدولي. أما في الوضع الداخلي لسكان القطاع فحماس حمت وأمنت .
ولكن نفسها فقط وتركت الشعب الفلسطيني يواجه قدره وبعد ذلك وبدلا من أن تخفف جراحه ومعاناة الناس الآن بدأت فى تصفيات ومصادرة منازل بالقطاع فهي بدأت في مصادرة أموال ومنازل كل فلسطيني غير مقيم في بيته أو يقيم في القاهرة أو في الخارج.
لكن اسرائيل تكبدت خسائر في هذا العدوان، ولم تستطع تحقيق انجازات عسكرية؟
لا أريد أن أتحدث خارج السياق .. فإسرائيل على لسان رئيس وزرائها ايهود أولمرت وكل المصادر الإسرائيلية أعلنت مقتل عشرة عسكريين وثلاثة مدنيين، وانا أتذكر أنه فى معركة واحدة لأحد أفراد حركة فتح قبل عامين وهو تامر حامد من سدوان تم قتل 12 جنديا إسرائيليا ولم يكلف الشعب الفلسطيني هذا العدد من الشهداء والجرحى والمعاقين وتدمير البيوت ولا نسف البنية التحتية فى عدوان اسرائيل الأخير على غزة .
. وللأسف هذه الحرب هي حرب من طرف واحد حيث كانت إسرائيل بقوتها وعتادها وإمكانياتها وكان الشعب الفلسطينى بلحمه الأعزل يواجه آلاتها العسكرية المجنونة وتدار الحرب على قناة الجزيرة فقط.. حرب على طريقة صوت العرب فى حرب 1967 ..
وانا أتذكر محمود الزهار حين كان يتهم الرئيس الراحل أبو عمار بأنه لا يحمي الشعب الفلسطيني .. فلماذا لم يتفضل هذا الأخ بحماية الفلسطينيين بغزة فقد كانت هناك حرب كاملة فماذا سوى فيها؟ كل ما فعلوه هو انهم اختبأوا فى المخابئ وبالمناسبة أنا مع أن يحموا أنفسهم ولكن من المفترض أن يؤمنوا حدا أدنى من المؤن والمخابئ والملاجئ للشعب..لأنى غير مقتنع بأنهم كانوا غير قادرين على حماية الشعب كلية من العدوان. هم لم يقدموا أى شيء للشعب خلال الأزمة ولن يقدموا له الآن بعدها أي شيء . فقط يقدمون لأبناء حركة حماس.
مستقبل الوحدة الوطنية
إذا كان هذا هو الموقف .. فكيف تتوقع أن يكون مدى تجاوب حماس مع الجهد المصري لتثبيت وقف إطلاق النار والمصالحة الفلسطينية؟
طيلة الفترة الماضية كنا نتحدث بلغة وحدوية .. ولغة تترفع عن الجراح.. لغة تتحدث عن مستقبل الوحدة الوطنية ولكن ما توقعناه وما كنا نتنبأ به بأن حماس ستنكفئ للانتقام من المجتمع الفلسطيني بالداخل ..حدث فعلا وما نسمعه من تصريحات من قيادة حماس في دمشق لا يبشر بالخير ولا يدعو للتفاؤل ..
ولكن نحن نأمل من مصر هذه المرة أن تطرح المشروع الذي طرحته فى السابق على أن يكون ملزما لكل الأطراف ومن لا يلتزم بصيغ هذه الوحدة التي يجمع عليها العرب نحن نعتقد أنه من واجب العرب أن يكشفوا حقيقته..
وسلفا نحن نقول في حركة فتح نحن نلتزم بما يتوافق عليه العرب من صيغ الوحدة الفلسطينية لأنه إذا لم نتوحد الآن فمتى سنفعل هذا. واذا لم نتوحد الآن في عهد جديد وادارة أميركية جديدة قد يكون فيها أمل أن تطرح مشروعا سياسيا يحرر الشعب الفلسطيني فمتى سنتوحد؟
حماس جزء من جماعة الاخوان المسلمين، وهي تمكنت من بناء نموذج للحكم في غزة، هل ترى ان هناك أي امكانية لان تتنازل الحركة عن هذا النموذج؟
الأخوان المسلمون منذ أن تأسست حركتهم فى عام 1928 لم يجدوا انتصارا واحدا او لم يساهموا في تحرير دولة عربية واحدة.. يعتقدون أن هذه هي حصيلة الثمانين عاما الماضية إمارة شكلها ومضمونها فارغ قائم على الشعار .. ولكن خطورة ما جرى من قبل إسرائيل من وجهة نظري هو تعزيز الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة وقتل إمكانية أي فرص لأن يكون هناك سلام جاد ..
وأؤكد هنا أنه طيلة التسعة أعوام الماضية لم يكن هناك مفاوضات جادة مع إسرائيل ولكن على الأقل واجبنا أن نخلق فرصة بأن تكون هناك عملية سلام ذات مصداقية تعيد لنا حقوقنا .. خطورة ما جرى أنه استباح الشعب الفلسطيني بهذه الطريقة وفي وقت يقف فيه المجتمع الدولي إلى جانب إسرائيل أو يقف محايدا على الأقل، تلك هي خطورة ما جرى أى أن تكون هناك نكبة ولا نقر بها حتى نستطيع أن نضع أسسا لعلاجها ..
خطورة ما جرى وما يحدث أن يرتد حقد حماس لفشلها في مواجهة العدوان وحماية الشعب الفلسطيني إلى الداخل الفلسطيني، عبر عمليات الاغتيالات التى تجريها حماس لأبناء حركة فتح في القطاع تحت إداعاءات كثيرة فلدينا 150 شابا أصيبوا من أبناء فتح منذ نهاية العدوان الإسرائيلي على غزة . فحماس لا تقبل شراكة أو صداقة مع أحد الا مع عناصرها.. وأنا أتحدى أي عائلة فلسطينية ولو واحدة فقط تقول ان حماس قدمت لها مساعدة خلال العدوان الإسرائيلي.
تضميد الجراح
في ظل هذه الصورة القاتمة التي ترسمها ، هل بقي هناك أي امل في تقاسم السلطة في غزة؟
فى فتح نحن لا نريد أن نتقاسم السلطة مع أحد .. فموقفنا واضح وهو القبول بالمبادرة المصرية التى ترتكز على ثلاثة محاور أولا حكومة توافق وطني انتقالية مؤقتة ..
ثانيا إعادة بناء الأمن على أسس مهنية لا فتح ولا حماس .. ثالثا الاتفاق على موعد للانتخابات حتى نتجاوز كل هذه الأزمة ونبدأ بشراكة جادة مبنية على أسس صحيحة. نحن لا نريد سلطة الآن .. نحن نبحث عن تضميد جراح الناس.. وقطاع غزة بالمناسبة يحتاج من 5 – 10 سنوات لإعادة ما تم تدميره ليس فقط في المباني والأشخاص والشهداء بل في بنية المجتمع نفسه.
وهل تتوقع أن تقبل حماس بالمشاركة بتلك الحكومة الانتقالية ؟
لا أتوقع ذلك وآمل أن أكون مخطئا .. والآن لا يوجد لديهم حجة حيث أنهم بالماضي كانوا يتحججون بوجودي ..والآن أنا خارج الإطار الرسمي وملتزم فقط بموقعي في حركة فتح وعضويتي في المجلس التشريعي الفلسطيني.. فليتفضلوا ويتفقوا مع أبو مازن.
عودة بقوة المنطق
ماذا عن قياسات الرأي العام والتي تشير الى تعاطف كبير مع حماس لأنهم من تصدوا لمقاومة العدوان الإسرائيلي في غزة، بينما كانت السلطة وفتح وقياداتهم برام الله بعيدة عن تلك المأساة ؟
هذه المظاهرات التى خرجت في بلاد عدة يجب أن تفهم فى إطارها الحقيقي فهي خرجت تضامنا مع الشعب الفلسطيني ومع أطفاله الذين ذبحوا ونكل بهم ومن أجل العجائز الذين شردوا وهاموا على وجوههم .
.الأخوان المسلمون نعم تضامنوا مع حركة حماس لأنه تنظيمهم بالأساس فهم حركة واحدة وحتى بعض العرب تضامنوا مع حماس وأنا مع ذلك بالمناسبة بأن يتضامنوا معهم في مرحلة العدوان .. ولكن بعد العدوان يجب أن يقيموا بعقلية متفتحة حتى نتجاوز أخطاءنا وحتى لا نجر الشعب الفلسطيني إلى مغامرة جديدة لا تحمد عقباها.
هناك تقارير تشير الى انخفاض شعبية الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهناك بالفعل عشرون نائبا كويتيا رفضوا مشاركته في القمة الاقتصادية في الكويت مؤخرا؟
أنا أعتقد أن النظام السياسي الفلسطيني بالكامل في خطر وليس فقط حماس أو فتح أو ارتفاع شعبية أبو مازن من عدمه .. فالكل في مهب الريح إذا لم نعد إلى إعادة تنظيم النظام تدريجيا وبتوافق وطني عبر الانتخابات وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية فإننا نسير نحو المجهول.
وماذا عن مستقبل غزة .. فأنتم قلتم إن الخيار العسكري لاستعادتها مستبعدا فماذا بعد؟
الآن لا نريد أن نستخدم العنف في العودة للقطاع لأن هذا منهج كنا نرفضه في السابق ونرفضه في اللاحق . نحن بقوة المنطق لا بقوة السلاح نريد أن نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني.. واذا لم يحدث ذلك فتلك مسؤولية أبو مازن وأيضا مسؤولية حماس والقادة العرب وأنا لا أريد أن اطرح موقفي ..
فمواقفي معروفة ولا أريد أن أطرح ماذا يمكن أن نفعل؟ أنا خرجت من عام ونصف لأن حماس كانت تدعي أني سبب عدم الاتفاق.. وأنا خارج الصورة الآن .. وبالتالي أقول ان الشعب سواء في غزة أو الضفة أو في المهجر مستقبله مرهون بما يمكن أن ينتج عن لقاءات لإعادة بناء النظام السياسي وإعادة بناء الوحدة الوطنية وعلى الأقل كشف حقيقة مواقف كل الأطراف.. فلا يوجد لدي حل سحرى فلست مسؤولا في حماس ولا فتح.. فأبومازن مسؤول فتح وخالد مشعل مسؤول حماس نطريا بالطبع.
دحلان يرى نفسه شبحاً لحماس كما كان للإسرائيليين ويرى الاتهامات ضده مجرد افلاس سياسي
كان القيادي في حركة «فتح» محمد دحلان، العنوان الابرز لاتهامات حركة «حماس» لجهة علاقته بمشروع دايتون الخاص بتدريب اجهزة امن السلطة الفلسطينية من قبل الاميركيين، والتنسيق مع اسرئيل، وهو ما يتجدد بين كل فينة واخرى، وفي ذلك يقول ل«البيان» لن يطرح موقفا وطنيا يساعد الشعب الفلسطيني.
«وكل مواقفي وسلوكي لصالح الشعب الفلسطيني ولا أعمل لأجندة إيران أو أجندة أميركا .بل طبقا لأجندة مصالحنا الوطنية فالأخيرة هي المقدسة ولكن إفلاس الإخوان المسلمين في أنهم لم يستطيعوا تحقيق شيء جدي فبحثوا عن روايات مرة يقولون إني في القاهرة..
وعندما قالوا ذلك كنت أعقد مؤتمرا صحافيا في رام لله، ولما قالوا إني مع إسرائيليين كنت أنا في القاهرة أجري لقاءات تلفزيونية. ولكن هذا الإفلاس السياسي والهروب من الاتهامات لا يحرك في رأسي شعرة واحدة .. بالعكس مازلت مؤمنا بأن حركة حماس أخطأت من الألف للياء».
اما عن مستقبله السياسي «أنا متمسك بموقعي في حركة فتح وموقعي في المجلس التشريعي الفلسطيني وننتظر الإنتخابات وعندئذ ستكون مرحلة جديدة ولا أريد التطرق إليها الآن لأن حماس تدعي بأني المسؤول عن تعطيل حياتهم وعيشتهم ..
وأنا كما قلت خارج أي عمل رسمي منذ عام ونصف فليتوكلوا على الله وليروني إبداعاتهم وعبقريتهم.. وأنا سعيد بأني صرت شبحا لهم كما كنت شبحا للإسرائيليين .. وأنا لا يؤرقني ذلك .. أنا أمثل كرامة فتح وكرامة الوطن الفلسطيني . أقول الحقيقة ولا أبالي لا بإخوان مسلمين ولا غيره».
وماذا عن اتهامات حماس المتعلقة بأن الفساد في حركة فتح وراء تأجيل مؤتمرها السادس حتى الآن، يقول «أنا أعتقد أن تأجيل مؤتمر الحركة هو مساهمة من قيادة حركة فتح في عدم بناء النظام السياسي الفلسطيني.. فاللجنة المركزية بالحركة تتحمل مسؤولية التأخير .. والأخ أبو مازن يتحملها أيضا فهي مسؤوليته الوطنية .. ويجب عقد المؤتمر في أقرب وقت ممكن فمنذ أربع سنوات ننتظر عقد هذا المؤتمر».
القاهرة ـ سباعي ابراهيم
"البيان"




















