قرار إسرائيل بوقف النار من طرف واحد أسدل الستار موقتاً على مشهد الحرب البربرية التي مارستها الدولة الإسرائيلية العنصرية بكل قواتها العسكرية ضد شعب أعزل لا تمتلك طلائعه المقاومة سوى بضعة صواريخ تطلقها بين الحين والحين بدون دمار يذكر.
لقد كشفت الحرب هذه المرة على وجه الخصوص عن أن الصراع العربي – الإسرائيلي وصل إلى درجة من التعقيد والتشابك غير مسبوقة. فقد تعددت مواقف الصراع، وبرزت خلافات شديدة بين أطراف عربية شتى، وأسفرت الولايات المتحدة عن وجهها الحقيقي باعتبارها الحليف الرئيسي لإسرائيل، فأعطت الضوء الأخضر لحرب هدفها إبادة الشعب الفلسطيني، لا فرق بين مقاوم مسلح ومدني، مما أدى إلى سقوط مئات النساء وعشرات الأطفال، نتيجة القصف الجوي العشوائي.
وظاهرة الصراع المركبة تحتاج إلى تفكيك، حتى نستطيع أن نضع أيدينا على القوى السياسية التي تحركه، سواء بصورة صريحة أو من وراء ستار!
ولنبدأ أولاً بمشهد الحرب الكاسحة التي شنتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، رغم أنها تدافع عن نفسها ضد صواريخ "حماس" التي تنطلق بصورة عشوائية بين الحين والآخر.
إن إسرائيل بذلك تتجاهل صلب القضية وتهرب إلى متاهات فرعية بعيدة عن أصل الصراع. إسرائيل دولة محتلة – احتلت – بشكل غير مشروع الضفة الغربية وغزة. وحتى باعتبارها دولة احتلال فهي لم تقم بما يفرضه عليها القانون الدولي من التزامات متعددة إزاء الشعب المحتل.
وقد لفت الأنظار بشدة أنه قبيل إعلان إسرائيل وقف النار من طرف واحد، سارعت ليفني وزيرة خارجية إسرائيل إلى الولايات المتحدة لكي توقع مذكرة تفاهم مع كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية، مضمونها ترتيبات أمنية في البر والبحر والجو تضمن عدم تهريب السلاح إلى "حماس". وزاد من تطرف هذا الاتفاق أن الحلف الأطلسي سيدخل شريكا في هذه المذكرة، والتي، بما نصت عليه من إجراءات، فيها اعتداء على القانون الدولي لأنها تنص على حق الولايات المتحدة وإسرائيل في إيقاف أي سفينة في أعالي البحار لتفتيشها للتأكد من أنها لا تحمل أسلحة مهربة.
وكرد فعل لهذه الأفكار الأمنية التي تهدف ليس للدفاع عن أمن إسرائيل ولكن لتهديد الأمن القومي العربي، صرح الرئيس حسني مبارك في خطابه الذي وجهه للأمة من أن مصر لن تقبل أي وجود أجنبي على أرضها، مهما كانت المبررات الأميركية أو الإسرائيلية.
وأضيفت الى ظواهر الصراع المعقدة هذه المرة حملة عربية موجهة ضد مصر لتشويه موقفها، قامت على أساس مزاعم باطلة، وتضمنت مطالبات عشوائية بفتح المعابر بدون مراعاة لأساسيات الأمن القومي المصري، والتي لا يمكن المساس بها بناء على تظاهرات غوغائية هنا وهناك، وخصوصاً في الدول التي لم تقدم شيئاً لدعم القضية الفلسطينية.
إن مصر منذ أن دخلت الحرب لتحرير شعب فلسطين من العصابات الصهيونية عام 1948، لم تتوقف أبداً في أي مرحلة عن دعم الشعب الفلسطيني والدفاع عن قضيته العادلة.
ومن هنا فإن المنظر كان غريباً أن يتصدى لتشويه الموقف المصري القاعدون في بيوتهم، والسياسيون الذين يعملون لحساب أنظمة سياسية عربية أو شرق أوسطية معروفة، والذين قنعوا برفع الشعارات الزاعقة من باب المزايدة على الموقف المصري.
ومما يؤكد هذا السلوك الصراع الذي دار حول "القمم" العربية، ومحاولة قطر وهي دولة صغيرة اختطاف دور مصر أو السعودية، بالدعوة إلى قمة في الدوحة، بالرغم من أن هناك قمة اقتصادية كانت مقررة في الكويت، وكان من الأنسب الانتظار حتى تنعقد، وتبحث قضية العدوان على غزة في جلسة من جلساتها.
غير أن شهوة الشهرة غير المستحقة تغلبت على قطر، واندفعت لعقد قمة لم يكتمل النصاب بصددها، وقررت أن تنعقد بمن يحضر، والأخطر من ذلك أن يدعى لحضورها أحمدي نجاد رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية.
ومعنى هذه الخطوة الخطرة أن قطر تحاول – بناء على مخطط جاهز – تحويل النظام الإقليمي العربي ليصبح نظاماً شرق أوسطياً، كما كانت تدعو لذلك الولايات المتحدة. ومعنى ذلك أن تتغير طبيعة عضوية جامعة الدول العربية، فلا تقتصر على الدول العربية وإنما تضم إليها أطراف إقليمية أخرى مثل إيران وتركيا بل وإسرائيل!
وإذا تأملنا مشهد الانقسامات العربية بصدد "القمم" العربية، فإن ذلك يذكرنا بما أطلق عليه عالم السياسة الأميركي مالكوم كير من قبل "الحرب الباردة العربية"، التي دارت بين الدول التقدمية والدول الرجعية.
اليوم تظهر شعارات مماثلة للتفرقة بين دول "الاعتدال" ودول "الممانعة"! ويذكرنا ذلك أيضاً بـ"جبهة الصمود والتصدي" التي شكلتها العراق وسوريا ودول عربية أخرى ضد مصر، عقب التوقيع على اتفاقية "كمب ديفيد" والمعاهدة المصرية – الإسرائيلية.
كانت هذه الجبهة تخطط لعزل مصر عربياً، غير أنها فشلت في تحقيق أهدافها، بل إن أحد أقطابها، سوريا لم تستطع حتى الآن أن تحرر الجولان من الاحتلال الإسرائيلي، ولم تطلق طلقة واحدة على إسرائيل، ومع ذلك فهي من أعلى الأصوات الناقدة لدور مصر في حل الصراع العربي – الإسرائيلي.
ورغم تعدد هذه المشاهد الإسرائيلية والأميركية والعربية التي ساهمت جميعها في تعقيد الصراع في اللحظة الراهنة، إلا أن أخطر المشاهد جميعاً هو الانقسام الفلسطيني بين السلطة الفلسطينية من جانب و"حماس" من جانب آخر.
ونعرف جميعاً أن "حماس" فازت في انتخابات تشريعية حرة، وشكلت الحكومة. وظننا جميعاً، حتى بيننا من لا يوافقون على خط الإسلام السياسي الذي تتبناه "حماس"، أنها حين تنتقل من موقعها الإيديولوجي القديم الذي قام على أساس عدم الاعتراف بالدولة الإسرائيلية وعدم التفاوض معها، وعدم إبرام معاهدات صلح، إلى موقعها السياسي الجديد، ستغير من مسلكها تغييراً جوهرياً، باعتبار أن السياسة هي فن الممكن، وأنها كما تمارس في كل الدنيا تنطوي على عمليات كرّ وفرّ، وتقدم وتراجع، والتخلي عن المواقف المبدئية المتطرفة، ومحاولة الوصول إلى حلول وسط.
غير أن كل هذه الآمال سقطت، لأن قادة "حماس" ازدادت درجة تطرفهم، وثبت يقيناً أن السلطة قد أعمتهم، فانشغلوا بها تماماً، ثم دخلوا في صراع مع منظمة "فتح".
تحول إلى صراع دموي في غزة، ونسيت "حماس" تماماً أنها في حاجة ضرورية لصياغة استراتيجية تحكم عملية مواجهتها للدولة الإسرائيلية. وحتى لو رفضت "حماس" التفاوض مع إسرائيل، فقد كان عليها أن تضع خططاً مدروسة للمقاومة الطويلة النفس والمتعددة المراحل، بحيث تعبئ طاقات الشعب الفلسطيني كله، وتعده لمعركة تحرير وطنية طويلة المدى. غير أن "حماس" فشلت فشلاً ذريعاً في هذا المجال، وتبين من تطورات الصراع، أنها أولاً لا تمتلك أي خطة متماسكة للمقاومة، وأنها تعتمد على ردود الفعل غير المنظمة، كما أنها – في ما بدا من الوقائع – لا تهيمن على "المسرح العسكري" تماماً في غزة، لأن هناك فصائل فلسطينية شاردة كانت تتولى بشكل منهجي إفساد أي اتفاق للتهدئة بين "حماس" والدولة الإسرائيلية. وذلك بإطلاق صاروخ أو صاروخين بشكل عشوائي، مما كان يعطي إسرائيل الذريعة في كل مرة للضرب بقسوة بالغة في صميم العمق الفلسطيني، بغير تفرقة بين أهداف عسكرية وأهداف مدنية.
وإذا حاولنا أن نلملم مشاهد هذا الصراع المعقد بعد أن فككناها، نقول اننا بحاجة إلى إجراءات عدة، أولها تشكيل لجنة من فقهاء القانون الدولي العرب والأجانب المتعاطفين مع القضية الفلسطينية لإقامة دعاوى قضائية ضد حكام دولة إسرائيل باعتبارهم مجرمي حرب، جراء حرب الإبادة التي قاموا بها ضد الشعب الفلسطيني.
ولا بد ثانياً من مناقشة نقدية استراتيجية صريحة مع الولايات المتحدة الأميركية بصدد دعمها المطلق للدولة الإسرائيلية وفي ما يخص اتفاقية التفاهم على وجه الخصوص.
وقبل ذلك كله لابد لقادة الشعب الفلسطيني أن يوحدوا صفوفهم بعيدا عن شهوات السلطة وإغراءات الثروة ويصبحوا طلائع ثورية حقا لشعبهم الذي عانى ما لم يعانه شعب آخر.
إن لم يتفق قادة "حماس" مع قادة "فتح" فمعنى ذلك أنهم، عامدين متعمدين، أضاعوا القضية الفلسطينية!
– القاهرة
(باحث مصري)
"النهار"




















