27 يناير 2009
ستكشف الشهور القادمة وربما السنوات بقايا جثامين شهداء لم تصل إليهم أيدي المنقذين لمنع إسرائيل حتى سيارات الإسعاف من الحركة خلال العدوان على غزة التي صمدت في وجه الجيش الإسرائيلي أقوى وأكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط ، وراح ضحية هذا العدوان أكثر من سبعة آلاف شخص بين شهيد وجريح . وبقي العالم الرسمي كما النظام الرسمي العربي صامتا عاجزا حتى عن الإدانة الجادة لهذه الهمجية غير المسبوقة في التاريخ .
ويتذكر العالم أجمع هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأمريكية ، وراح ضحيتها نحو ثلاثة آلاف قتيل ، واللافت يومها أن مكاتب اليهود كانت مغلقة رغم أنه يوم عمل ألا يدعو ذلك للسؤال ما إذا كانت مكيدة صهيونية لجر أمريكا أقوى دولة في العالم ومعها الشعب الأمريكي إلى حروب أحرقت العالم بما فيها أبناء الأمريكيين .
بعد هجمات سبتمبر التي تتضاربت الأنباء حول منفذيها ، الشيخ أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة قال في أول تصريح له : " ليست القاعدة من نفذ الهجمات ، ولكن نتمنى لو قمنا بها " ، في تصريح آخر تتبنى القاعدة الهجمات ، التي كانت نتائجها وبالا على العالمين الإسلامي والعربي .
كانت هجمات سبتمبر ذريعة لضرب أفغانستان وإسقاط حكومة طالبان بتسهيلات إيرانية وعربية ، فاحتلت الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان عام 2001 ، هذا في وقت كان فيه العراق محاصرا منذ 1990 ، وبعد عامين على احتلال أفغانستان ، تهاجم الولايات المتحدة الأمريكية العراق بحرب حاسمة جيشت فيها تحالفا دوليا من ثلاث وثلاين دولة ، للأسف كان بينهم دول عربية ومن لم يكن منها تواطأ بالصمت ، وتحتل العراق 2003. ولازال البلدان محتلين حتى يومنا هذا ، وتكبد العراق حتى اليوم خسائر بشرية جسيمة تقدر بما لا يقل عن مقتل نحو مليون عراقي من المدنيين ، في مجازر إبادة جماعية متنوعة الأهداف والأسباب ، أججت فيها سعار الطائفية والعصبيات القومية وصولا إلى تقسيم العراق الهدف الاستراتيجي لما وصف " بشرق أوسط جديد " قائم على دويلات دينية وطائفية وعرقية لتكون مبررا لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين المحتلة ، هذا فضلا عن المهجرين للدول المجاورة ويربو عددهم عن ستة ملايين عراقي نزحوا للأردن وسورية .
وفي أفغانستان قتل مئات الآلاف من الأفغان المدنيين معظمهم من الأطفال والنساء ولا زالت الحرب مستمرة على شعب يعيش في أكواخ طينية بعيدة كل البعد عن حياة المدينة ، حيث لازالت الدواب وسائل النقل الرائجة ، والينابيع البرية وسائل الشرب لديهم ، ومع ذلك تقوم المقاتلات الأمريكية ب 52 و ف 16 بدك تلك الأكواخ دكا على رؤوس الأفغان .
تصورا أيها السادة في العالم المتحضر ، الصامت المتواطئ بصمته أن مقتل ثلاثة آلاف أمريكي في " غزوة " سبتمبر جاءت بعدها " غزوات أمريكية " إلى أفغانستان والعراق ، جرّت وراءها نحو مليوني قتيل في العراق وأفغانستان فقط ، وبعدها جاءت حربان أخريان بتنفيذ إسرائيلي الأولى حرب تموز على لبنان 2006 ، والثانية الحرب على غزة في 27 ديسمبر 2008 وقضى أهل غزة أعياد رأس السنة تحت وابل القنابل الفسفورية وقنابل دايم المحرمة دوليا ، باتت غزة معها محرقة جماعية لمليون ونصف مليون من الفلسطينيين يعيشون فيها بما يشبه المعتقل ، من يصدق أيها السادة المحترمون في الغرب المتحضر أن كل هذا الدمار والخراب من أجل " الديموقراطية " ؟ ومن أجل السلام العالمي ؟ ألا ترون أن هذه الحمية الكاذبة للديمقراطية وقيم الحرية ومكافحة الإرهاب جلبت معها الكوارث للعالم ؟ ألا ترون أن المدافعين عن فيم العالم الحر كما يزعمون يتعاملون مع أنظمة مستبدة تعاكس كل قيم الحضارة الإنسانية بالحرية ؟ من يصدق مزاعمكم ؟؟؟ .
هذا الدمار والخراب لدول وشعوب بأكملها منذ تسعينات القرن الماضي وخلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين يعبر عن سقوط أخلاقي قاده معظم زعماء العالم الحر ، وهنا يكمن الامتحان للعدالة الإنسانية ، ثلاثة آلاف أمريكي تقتص أمريكا وحليفتها إسرائيل بقتل أكثر من مليوني شخص في العراق وأفغانستان وحدهما وتحتلهما وتنهب ثروات البلدين وتعيث فسادا بهما بذريعة الحرب على ما تصفه بالإرهاب ، وكأن ما قمت به الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ليس إرهابا ، وإنما ألعاب نارية للتسلية كانت تلك القنابل التي هطلت على المدنيين كالمطر في شتاء عاصف .
ألا يحق للعرب وللمسلمين أن يحاكموا مجرمي الحروب ؟ ألا ينبغي على المجتمعات المتحضرة التي صمتت صمت القبور بل بعضها شارك خلال تلك المجازر على شعوب آمنة أن تتكلم كلمة حق لأجل آلاف الأطفال الأبرياء ؟ في غزة وحدها 420 طفل استشهدوا بعضهم لم يعرف نطق الكلمة نسفته قنبلة من على ثدي أمه وهو يرضع أو بقرت بطن أمه لتقتله جنينا .
على هذا العالم أن يعرف أن الحرب جريمة إنسانية ، ومقترفو المجازر يجب أن يحاكموا ويعاقبوا وإلا هذه الحروب المجرمة لا تزيد التطرف والعنف إلا عنفا وتطرفا أشد ، فالدم الذي سبح فيه أطفال غزة في مدرسة الأونروة التابعة للأمم المتحدة ستفجر غضبا لا يعلم مداه غير الله لدى أقرانهم الذين شاهدوا أشلاء رفاقهم تتناثر كأوراق الخريف في مهب عاصفة هوجاء .
الأمر الآخر ليعلم هذا العالم المتحضر أن هناك حقا ، وحق واجب الدفع وإلا الأمور تؤول للأسوأ ، غزة حوصرت حصارا لا إنسانيا والناس تموت جوعا والعالم يتفرج ، فهل تلوم الهالك إذا صرخ ؟ والمحزن أن العالم نسي الاحتلال لفلسطين وصار يتكلم عن غزة ، نسي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ 1967 ؟ حل المسألة من جذورها ، هو خروج الاحتلال من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، فتنتهي الحروب، والفلسطينيون مثل كل الشعوب يحبون الحياة والأمن فلماذا تستمر هذه الحرب المجرمة على شعب أعزل سرقت أرضه على مرأى ومسمع من العالم المتحضر منذ سنين ؟ وهنا أتوجه إلى النخبة المثقفة في إسرائيل لأقول أن الطغمة الحاكمة وإن ادعت أنها تدافع عن مصالح الشعب الإسرائيلي فهي تخدم الصهيونية العالمية ، وتجعل من الشعب اليهودي رهينة للمشروع الصهيوني ، ونعتقد من مصلحة شعوب المنطقة العيش بسلام ، فالصواريخ والقنابل لا تحقق سلاما بل تجعل الحياة جحيما لا يطاق ، وتورث الأحقاد جيلا بعد جيل ، والحياة أقصر من أن نتركها بأيدي صنّاع الحروب ليدمروا الإنسان .
الآن ومع مطالع القرن الواحد والعشرين نعيش منعطفا حاسما في امتحان العدالة الإنسانية . فهل يحاكم مجرمو الحروب ؟ وهل تعطى الحقوق لأهلها ؟




















